۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الروم، آية ١٥

التفسير يعرض الآيات ١١ إلى ٢٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

ٱللَّهُ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ١١ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبۡلِسُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ١٢ وَلَمۡ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَآئِهِمۡ شُفَعَٰٓؤُاْ وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمۡ كَٰفِرِينَ ١٣ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوۡمَئِذٖ يَتَفَرَّقُونَ ١٤ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَهُمۡ فِي رَوۡضَةٖ يُحۡبَرُونَ ١٥ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآيِٕ ٱلۡأٓخِرَةِ فَأُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ ١٦ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمۡسُونَ وَحِينَ تُصۡبِحُونَ ١٧ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَعَشِيّٗا وَحِينَ تُظۡهِرُونَ ١٨ يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ وَيُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ وَكَذَٰلِكَ تُخۡرَجُونَ ١٩ وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ إِذَآ أَنتُم بَشَرٞ تَنتَشِرُونَ ٢٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

اللّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثمّ يُعِيدُهُ ثمّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (11) وَ يَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ يُبْلِس الْمُجْرِمُونَ (12) وَ لَمْ يَكُن لّهُم مِّن شرَكائهِمْ شفَعَؤُا وَ كانُوا بِشرَكائهِمْ كفِرِينَ (13) وَ يَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ يَوْمَئذٍ يَتَفَرّقُونَ (14) فَأَمّا الّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ فَهُمْ فى رَوْضةٍ يُحْبرُونَ (15) وَ أَمّا الّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذّبُوا بِئَايَتِنَا وَ لِقَاى الاَخِرَةِ فَأُولَئك فى الْعَذَابِ محْضرُونَ (16) فَسبْحَنَ اللّهِ حِينَ تُمْسونَ وَ حِينَ تُصبِحُونَ (17) وَ لَهُ الْحَمْدُ فى السمَوَتِ وَ الأَرْضِ وَ عَشِيّا وَ حِينَ تُظهِرُونَ (18) يخْرِجُ الْحَىّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ يخْرِجُ الْمَيِّت مِنَ الْحَىِّ وَ يحْىِ الأَرْض بَعْدَ مَوْتهَا وَ كَذَلِك تخْرَجُونَ (19) وَ مِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمّ إِذَا أَنتُم بَشرٌ تَنتَشِرُونَ (20)

القراءة

قرأ يرجعون بالياء أبو عمرو غير عباس و أوقية و سهل و حماد و يحيي مختلف عنهما و الباقون بالتاء و قرأ حمزة و الكسائي و كذلك تخرجون بفتح التاء و الباقون بضمها و فتح الراء و في الشواذ قراءة عكرمة حينا تمسون و ما بعده.

الحجة

قال أبو علي حجة الياء إن المتقدم ذكره غيبة «يبدؤا الخلق ثم يعيده» و الخلق هم المخلوقون في المعنى و جاء قوله «ثم يعيده» على لفظ الخلق و قوله «ثم إليه ترجعون» على المعنى و لم يرجع على لفظ الواحد و وجه التاء أنه صار الكلام من الغيبة إلى الخطاب و حجة من قرأ يخرجون قوله «من الأجداث إلى ربهم ينسلون» و حجة «تخرجون» من بعثنا من مرقدنا و قوله «كذلك نخرج الموتى» و إليه تقلبون و أما قوله «حين تمسون» فالمراد تمسون فيه فحذف فيه تخفيفا على مذهب صاحب الكتاب في نحوه و مثله قوله تعالى «و اتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا» أي لا تجزي فيه قال ابن جني قال سيبويه حذف فيه معتبطا لحرف الجر و الضمير لدلالة الفعل عليهما و قال أبو الحسن حذف في فبقي تجزيه لأنه أوصل الفعل إليه ثم حذف الضمير من بعد فهما حذفان متتاليان شيئا على شيء.

اللغة

الإبلاس اليأس من الخير و قيل هو التحير عند لزوم الحجة قال العجاج:

{يا صاح هل تعرف رسما مكرسا --- قال نعم أعرفه و أبلسا}

والحبرة المسرة و منه الحبر العالم و الحبر الجمال و في الحديث يخرج رجل من النار ذهب حبره و سبره أي جماله و سحناؤه و التحبير التحسين الذي يسر به و خص ذكر الروضة هاهنا لأنه ليس عند العرب شيء أحسن منها قال الأعشى:

{ما روضة من رياض الحزن معشبة --- خضراء جاد عليها مسبل هطل} {يضاحك الشمس منها كوكب شرق --- موزر بعميم النبت مكتهل} {يوما بأطيب منها نشر رائحة --- و لا بأحسنت منها إذ دنا الأصل} الإعراب

«و يوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون» يوم ظرف ليتفرقون و يومئذ بدل عنه و موضع الكاف من كذلك نصب بقوله «تخرجون».

المعنى

ثم ذكر سبحانه قدرته على الإعادة فقال «الله يبدؤا الخلق ثم يعيده» أي يخلقهم ابتداء ثم يعيدهم بعد الموت أحياء كما كانوا «ثم إليه ترجعون» فيجازيهم بأعمالهم «و يوم تقوم الساعة يبلس المجرمون» أي يوم تقوم القيامة ييأس الكافرون من رحمة الله تعالى و نعمة التي يفيضها على المؤمنين و قيل يتحيرون و تنقطع حججهم بظهور جلائل آيات الآخرة التي يقع عندها علم الضرورة «و لم يكن لهم من شركائهم شفعاء» أي لم يكن لهم من أوثانهم التي عبدوها ليشفعوا لهم شفعاء تشفع لهم أو تدفع عنهم كما زعموا أنا نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى «و كانوا بشركائهم كافرين» يعني أن المشركين يتبرءون من الأوثان و ينكرون كونها آلهة و يقرون بأن الله لا شريك له عن الجبائي و أبي مسلم «و يوم تقوم الساعة» أي تظهر القيامة «يومئذ يتفرقون» فيصير المؤمنون أصحاب اليمين و المشركون أصحاب الشمال فيتفرقون تفرقا لا يجتمعون بعده و قال الحسن لئن كانوا اجتمعوا في الدنيا ليتفرقن يوم القيامة هؤلاء في أعلى عليين و هؤلاء في أسفل السافلين و هو قوله «فأما الذين آمنوا و عملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون» أي في الجنة ينعمون و يسرون سرورا يبين لهم عليهم عن قتادة و مجاهد و منه قيل كل حبرة تتبعها عبرة و الروضة البستان المتناهي منظرا و طيبا و قال ابن عباس يحبرون أي يكرمون و قيل يلذذون بالسماع عن يحيي بن أبي كثير و الأوزاعي أخبرنا أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن أحمد البيهقي قال

أخبرنا جدي الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي قال حدثنا أبو سعيد عبد الملك بن أبي عثمان الزاهد قال أخبرنا أبو الحسن علي بن بندار قال حدثنا جعفر بن محمد بن الحسن القرباني قال حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي قال حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه عن خالد بن معدان عن أبي أمامة الباهلي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال ما من عبد يدخل الجنة إلا و يجلس عند رأسه و عند رجليه ثنتان من الحور العين تغنيانه بأحسن صوت سمعه الإنس و الجن و ليس بمزمار الشيطان و لكن بتمجيد الله و تقديسه و عن أبي الدرداء قال كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يذكر الناس فذكر الجنة و ما فيها من الأزواج و النعيم و في القوم أعرابي فجثا لركبتيه و قال يا رسول الله هل في الجنة من سماع قال نعم يا أعرابي إن في الجنة نهرا حافتاه الأبكار من كل بيضاء يتغنين بأصوات لم يسمع الخلائق بمثلها قط فذلك أفضل نعيم الجنة قال الراوي سألت أبا الدرداء بم يتغنين قال بالتسبيح و عن إبراهيم إن في الجنة لأشجارا عليها أجراس من فضة فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث الله ريحا من تحت العرش فتقع في تلك الأشجار فتحرك تلك الأجراس بأصوات لو سمعها أهل الدنيا لماتوا طربا " هذا الحديث ليس في بعض النسخ و في أكثرها موجود " و عن أبي هريرة قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين منها كما بين السماء و الأرض و الفردوس أعلاها سموا و أوسطها محلة و منها تنفجر أنهار الجنة فقام إليه رجل و قال يا رسول الله إني رجل حبب إلي الصوت فهل لي في الجنة صوت حسن فقال أي و الذي نفسي بيده إن الله تعالى يوحي إلى شجرة في الجنة أن أسمعي عبادي الذين اشتغلوا بعبادتي و ذكري عن عزف البرابط و المزامير فترفع صوتا لم يسمع الخلائق بمثله قط من تسبيح الرب ثم أخبر عن حال الكافرين فقال «و أما الذين كفروا و كذبوا بآياتنا و لقاء الآخرة» أي بدلائلنا و بالبعث يوم القيامة «فأولئك في العذاب محضرون» أي فيه محصلون و لفظة الإحضار لا تستعمل إلا فيما يكرهه الإنسان يقال أحضر فلان مجلس القضاء إذا جيء به لما لا يؤثره و منه حضور الوفاة ثم ذكر سبحانه ما تدرك به الجنة فقال «فسبحان الله حين تمسون و حين تصبحون و له الحمد في السماوات و الأرض و عشيا و حين تظهرون» و هذا خبر و المراد به الأمر أي فسبحوه و نزهوه عما لا يليق به أو ينافي تعظيمه من صفات النقص بأن تصفوه بما يليق به من الصفات و الأسماء.

و الإمساء الدخول في المساء و هو مجيء الليل و الإصباح نقيضه و هو الدخول في الصباح و هو مجيء

ضياء النهار و له الثناء و المدح في السماوات و الأرض أي هو المستحق لمدح أهلها لإنعامه عليهم و عشيا أي و في العشي و حين تدخلون في الظهيرة و هي نصف النهار و إنما خص تعالى هذه الأوقات بالذكر بالحمد و إن كان حمده واجبا في جميع الأوقات لأنها أوقات تذكر بإحسان الله و ذلك إن انقضاء إحسان أول إلى إحسان ثان يقتضي الحمد عند تمام الإحسان الأول و الأخذ في الآخر كما أخبر سبحانه عن حمد أهل الجنة بقوله «و آخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين» لأن ذلك حال الانتقال من نعيم الدنيا إلى الجنة و قيل إن الآية تدل على الصلوات الخمس في اليوم و الليلة لأن قوله «حين تمسون» يقتضي المغرب و العشاء الآخرة «و حين تصبحون» يقتضي صلاة الصبح «و عشيا» يقتضي صلاة العصر «و حين تظهرون» يقتضي صلاة الظهر عن ابن عباس و مجاهد و هو الأحسن لأنه خص هذه الأوقات بالذكر و قيل إنما خص صلاة الليل باسم التسبيح و صلاة النهار باسم الحمد لأن الإنسان في النهار متقلب في أحوال توجب الحمد لله عليها و في الليل على أحوال توجب تنزيه الله تعالى من الأسواء فيها فلذلك صار الحمد في النهار أخص فسميت به صلاة النهار و التسبيح بالليل أخص فسميت به صلاة الليل «يخرج الحي من الميت و يخرج الميت من الحي» أي يخرج الإنسان من النطفة و يخرج النطفة من الإنسان عن ابن عباس و ابن مسعود و قيل يخرج المؤمن من الكافر و يخرج الكافر من المؤمن عن مجاهد و قد ذكرنا فيما تقدم «و يحيي الأرض بعد موتها» بالنبات بعد جدوبها «و كذلك تخرجون» أي كما أحيا الأرض بالنبات كذلك يحييكم بالبعث و تخرجون من قبوركم أحياء «و من آياته» أي و من دلالاته على وحدانيته و كمال قدرته «أن خلقكم» أي خلق آدم الذي هو أبوكم و أصلكم «من تراب» ثم خلقكم منه و ذلك قوله «ثم إذا أنتم بشر تنتشرون» أي ثم إذا أنتم ذرية بشر من لحم و دم تنبسطون في الأرض و تنصرفون على ظهرها و تتفرقون في أطرافها فهلا دلكم ذلك على أنه لا يقدر على ذلك غيره تعالى و أنه لا يستحق العبادة سواه.