۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة العنكبوت، آية ٤١

التفسير يعرض الآيات ٤١ إلى ٤٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَيۡتٗاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُيُوتِ لَبَيۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٤١ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٤٢ وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِۖ وَمَا يَعۡقِلُهَآ إِلَّا ٱلۡعَٰلِمُونَ ٤٣ خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٤ ٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ ٤٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

مَثَلُ الّذِينَ اتخَذُوا مِن دُونِ اللّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكبُوتِ اتخَذَت بَيْتاً وَ إِنّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْت الْعَنكبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (41) إِنّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شىْءٍ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكيمُ (42) وَ تِلْك الأَمْثَلُ نَضرِبُهَا لِلنّاسِ وَ مَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَلِمُونَ (43) خَلَقَ اللّهُ السمَوَتِ وَ الأَرْض بِالْحَقِّ إِنّ فى ذَلِك لاَيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ (44) اتْلُ مَا أُوحِىَ إِلَيْك مِنَ الْكِتَبِ وَ أَقِمِ الصلَوةَ إِنّ الصلَوةَ تَنهَى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنكَرِ وَ لَذِكْرُ اللّهِ أَكبرُ وَ اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَصنَعُونَ (45)

القراءة

قرأ أهل البصرة و عاصم إلا الأعمش و البرجمي «ما يدعون» بالياء و الباقون بالتاء.

الحجة و الإعراب

قال أبو علي التاء على قوله قل لهم إن الله يعلم ما تدعون لا يكون إلا عند هذا لأن المسلمين لا يخاطبون بذلك و ما استفهام و موضعه نصب بيدعون و لا يجوز أن يكون نصبا بيعلم و لكن صارت الجملة التي هي في موضع نصب بيعلم و لا يكون يعلم بمعنى يعرف كقوله و لقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت لأن ذلك لا يلغى و ما لا يلغى لا يعلق و يبعد ذلك دخول من في الكلام و هي إنما تدخل في نحو قولك هل من طعام و هل من رجل و لا تدخل في الإيجاب هذا قول الخليل و كذلك قوله فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار المعنى فستعلمون المسلم تكون له عاقبة الدار أم للكافر و كل ما كان من هذا فهكذا القول فيه و هو قياس قول الخليل.

اللغة

جمع العنكبوت عناكب و تصغيره عنيكب و وزنه فعللوت و هو يذكر و يؤنث قال الشاعر:

{على هطالهم منهم بيوت --- كان العنكبوت هو ابتناها}

و يقال فيه العنكباء.

المعنى

ثم شبه سبحانه حال الكفار الذين اتخذوا من دونه آلهة بحال العنكبوت فقال «مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء» أي شبه من اتخذ الأصنام آلهة يريدون نصرها و نفعها و ضرها و الرجوع إليها عند الحاجة «كمثل العنكبوت اتخذت بيتا» لنفسها لتأوي إليه فكما أن بيت العنكبوت لا يغني عنها شيئا لكونه في غاية الوهن و الضعف و لا يجدي نفعا كذلك الأصنام لا تملك لهم خيرا و شرا و نفعا و ضرا و الولي هو المتولي للنصرة و هو أبلغ من الناصر لأن الناصر قد يكون ناصرا بأن يأمر غيره بالنصرة و الولي هو الذي يتولى النصرة بنفسه «و إن أوهن البيوت» أي أضعفها «لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون» صحة ما أخبرناهم به و يتحققون و لو متعلقة بقوله «اتخذوا» أي لو علموا أن اتخاذهم الأولياء كاتخاذ العنكبوت بيتا سخيفا لم يتخذوهم أولياء و لا يجوز أن تكون متعلقة بقوله «و إن أوهن البيوت لبيت العنكبوت» لأنهم كانوا يعلمون أن بيت العنكبوت واه ضعيف «إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء» هذا وعيد منه سبحانه و معناه أنه يعلم ما يعبد هؤلاء الكفار و ما يتخذونه من دونه أربابا «و هو العزيز» الذي لا يغالب فيما يريده «الحكيم» في جميع أفعاله «و تلك الأمثال» و هي الأشباه و النظائر يعني أمثال القرآن «نضربها للناس» أي نذكرها لهم لندعوهم إلى المعرفة و التوحيد و نعرفهم قبح ما هم فيه من عبادة الأصنام «و ما يعقلها إلا العالمون» أي و ما يفهمها إلا من يعلم وجه الشبه بين المثل و الممثل به و قيل معناه و ما يعقل الأمثال إلا العلماء الذين يعقلون عن الله و روي الواحدي بالإسناد عن جابر قال تلا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الآية و قال العالم الذي عقل عن الله فعمل بطاعته و اجتنب سخطه ثم بين سبحانه ما يدل على إلهيته و استحقاقه العبادة فقال «خلق الله السموات و الأرض» أي أخرجهما من العدم إلى الوجود و لم يخلقهما عبثا بل خلقهما ليسكنهما خلقه و ليستدلوا بهما على إثباته و وحدانيته «بالحق» أي على وجه الحكمة و قيل معناه للحق و إظهار الحق «إن في ذلك لآية للمؤمنين» لأنهم المنتفعون بذلك ثم خاطب سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال «اتل ما أوحي إليك من الكتاب» يعني القرآن أي اقرأه على المكلفين و اعمل بما تضمنه «و أقم الصلاة» أي أدها

بحدودها في مواقيتها «إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر» في هذا دلالة على أن فعل الصلاة لطف للمكلف في ترك القبيح و المعاصي التي ينكرها العقل و الشرع فإن انتهى عن القبيح يكون توفيقا و إلا فقد أتى المكلف من قبل نفسه و قيل إن الصلاة بمنزلة الناهي بالقول إذا قال لا تفعل الفحشاء و المنكر و ذلك لأن فيها التكبير و التسبيح و التهليل و القراءة و الوقوف بين يدي الله تعالى و غير ذلك من صنوف العبادة و كل ذلك يدعو إلى شكله و يصرف عن ضده فيكون مثل الأمر و النهي بالقول و كل دليل مؤد إلى المعرفة بالحق فهو داع إليه و صارف عن الباطل الذي هو ضده و قيل معناه أن الصلاة تنهي صاحبها عن الفحشاء و المنكر ما دام فيها و قيل معناه أنه ينبغي أن تنهاه كقوله و من دخله كان آمنا و قال ابن عباس في الصلاة منهي و مزدجر عن معاصي الله فمن لم تنهه صلاته عن المعاصي لم يزدد من الله إلا بعدا و قال الحسن و قتادة من لم تنهه صلاته عن الفحشاء و المنكر فليست صلاته بصلاة و هي وبال عليه و روي أنس بن مالك الجهني عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال إنه من لم تنهه صلاته عن الفحشاء و المنكر لم يزدد من الله إلا بعدا و روي عن ابن مسعود أيضا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال لا صلاة لمن لم يطع الصلاة و طاعة الصلاة أن ينتهي عن الفحشاء و المنكر و معنى ذلك أن الصلاة إذا كانت ناهية عن المعاصي فمن أقامها ثم لم ينته عن المعاصي لم تكن صلاته بالصفة التي وصفها الله بها فإن تاب من بعد ذلك و ترك المعاصي فقد تبين أن صلاته كانت نافعة له ناهية و إن لم ينته إلا بعد زمان و روي أنس أن فتى من الأنصار كان يصلي الصلاة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و يرتكب الفواحش فوصف ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال إن صلاته تنهاه يوما و عن جابر قال قيل لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إن فلانا يصلي بالنهار و يسرق بالليل فقال إن صلاته لتردعه و روى أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال من أحب أن يعلم أ قبلت صلاته أم لم تقبل فلينظر هل منعته صلاته عن الفحشاء و المنكر فبقدر ما منعته قبلت منه «و لذكر الله أكبر» أي و لذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته عن ابن عباس و سلمان و ابن مسعود و مجاهد و قيل معناه ذكر العبد لربه أكبر مما سواه و أفضل من جميع أعماله عن سلمان في رواية أخرى و ابن زيد و قتادة و روي ذلك عن أبي الدرداء و على هذا فيكون تأويله أن أكبر شيء في النهي عن الفحشاء ذكر العبد ربه و أوامره و نواهيه و ما أعده من الثواب و العقاب فإنه أقوى لطف يدعو إلى الطاعة و ترك المعصية و هو أكبر من كل لطف و قيل معناه ذكر الله العبد في الصلاة أكبر من الصلاة عن أبي مالك و قيل إن ذكر الله هو التسبيح و التقديس و التهليل و هو أكبر و أحرى بأن ينهى عن الفحشاء و المنكر عن الفراء أي من كان ذاكرا لله فيجب أن ينهاه ذكره عن الفحشاء و المنكر و روي عن ثابت البناني قال إن رجلا أعتق أربع رقاب فقال رجل آخر سبحان الله و الحمد لله

و لا إله إلا الله و الله أكبر ثم دخل المسجد فأتى حبيب بن أوفى السلمي و أصحابه فقال ما تقولون في رجل أعتق أربع رقاب و أني أقول سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر فأيهما أفضل فنظروا هنيهة فقالوا ما نعلم شيئا أفضل من ذكر الله و عن معاذ بن جبل قال ما عن عمل آدمي عمل أنجى له من عذاب الله من ذكر الله عز و جل و قيل و لا الجهاد في سبيل الله قال و لا الجهاد فإن الله عز و جل يقول «و لذكر الله أكبر» و عنه قال سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أي الأعمال أحب إلى الله قال إن تموت و لسانك رطب من ذكر الله عز و جل و قال (صلى الله عليه وآله وسلم) يا معاذ إن السابقين الذين يسهرون بذكر الله عز و جل و من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله عز و جل و روي عن عطا بن السائب عن عبد الله بن ربيعة قال قال ابن عباس أ رأيت قول الله عز و جل «و لذكر الله أكبر» قال قلت ذكر الله بالقرآن حسن و ذكره بالصلاة حسن و بالتسبيح و التكبير و التهليل حسن و أفضل من ذلك أن يذكر الرجل ربه عند المعصية فينحجز عنها فقال ابن عباس لقد قلت قولا عجيبا و ما هو كما قلت و لكن ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه «و الله يعلم ما تصنعون» من خير و شر فيجازيكم بحسبه.