۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة العنكبوت، آية ٢٦

التفسير يعرض الآيات ٢٦ إلى ٣٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

۞ فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٞۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٦ وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَجۡرَهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٢٧ وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٨ أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقۡطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأۡتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلۡمُنكَرَۖ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱئۡتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٩ قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٣٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

فَئَامَنَ لَهُ لُوطٌ وَ قَالَ إِنى مُهَاجِرٌ إِلى رَبى إِنّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الحَْكِيمُ (26) وَ وَهَبْنَا لَهُ إِسحَقَ وَ يَعْقُوب وَ جَعَلْنَا فى ذُرِّيّتِهِ النّبُوّةَ وَ الْكِتَب وَ ءَاتَيْنَهُ أَجْرَهُ فى الدّنْيَا وَ إِنّهُ فى الاَخِرَةِ لَمِنَ الصلِحِينَ (27) وَ لُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنّكمْ لَتَأْتُونَ الْفَحِشةَ مَا سبَقَكم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَلَمِينَ (28) أَ ئنّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَ تَقْطعُونَ السبِيلَ وَ تَأْتُونَ فى نَادِيكُمُ الْمُنكرَ فَمَا كانَ جَوَاب قَوْمِهِ إِلا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللّهِ إِن كنت مِنَ الصدِقِينَ (29) قَالَ رَب انصرْنى عَلى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30)

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير حفص أ إنكم لتأتون الفاحشة «أ إنكم لتأتون الرجال» بهمزتين فيهما و قرأ أبو عمرو بالاستفهام فيهما بهمزة ممدودة آنكم و قرأ الباقون «إنكم لتأتون الفاحشة» بكسر الهمزة من غير استفهام «أ إنكم لتأتون الرجال» بالاستفهام إلا أن ابن كثير و ورشا و يعقوب قرءوا بهمزة واحدة غير ممدودة و ابن عامر و حفص بهمزتين و أهل المدينة غير ورش بهمزة واحدة ممدودة.

اللغة

هاجر القوم من دار إلى دار معناه تركوا الأولى للثانية قال الأزهري أصل المهاجرة خروج البدوي من البادية إلى المدن و تهجر أي تشبه بالمهاجرين و منه حديث عمر هاجروا و لا تهجروا أي أخلصوا الهجرة لله و النادي و الندي المجلس إذا اجتمعوا فيه و تنادى القوم اجتمعوا في النادي و دار الندوة دار قصي بن كلاب كانوا يجتمعون فيه للمشاورة تبركا به و الأصل من النداء لأن القوم ينادي بعضهم بعضا.

المعنى

ثم عطف سبحانه على ما تقدم بأن قال «فآمن له لوط» أي فصدق بإبراهيم لوط و هو ابن أخته و كان إبراهيم خاله عن ابن عباس و ابن زيد و جمهور المفسرين و هو أول من صدق بإبراهيم (عليه السلام) «و قال» إبراهيم «إني مهاجر إلى ربي» أي خارج من جملة الظالمين على جهة الهجر لهم لقبيح أعمالهم من حيث أمرني ربي و قيل معناه قال لوط إني مهاجر إلى ربي عن الجبائي و خرج إبراهيم (عليه السلام) و معه لوط و امرأته سارة و كانت ابنة عمه من كوثي و هي قرية من سواد الكوفة إلى أرض الشام عن قتادة و مثل هذا هجرة المسلمين من مكة إلى أرض الحبشة أولا ثم إلى المدينة ثانيا لأنهم هجروا ديارهم و أوطانهم بسبب أذى المشركين لهم «إنه هو العزيز» الذي لا يذل من نصره «الحكيم» الذي لا يضيع من حفظه «و وهبنا له» أي لإبراهيم من بعد إسماعيل «إسحاق و يعقوب» من وراء إسحاق «و جعلنا في ذريته النبوة و الكتاب» و ذلك أن الله سبحانه لم يبعث نبيا من بعد إبراهيم إلا من صلبه فالتوراة و الإنجيل و الزبور و الفرقان كلها أنزلت على أولاده

«و آتيناه أجره في الدنيا» و هو الذكر الحسن و الولد الصالح عن ابن عباس و قيل هو رضى أهل الأديان به فكلهم يحبونه و يتولونه عن قتادة و قيل هو أنه أري مكانه في الجنة عن السدي و قال بعض المتأخرين هو بقاء ضيافته عند قبره و ليس ذلك لغيره من الأنبياء قال البلخي و في هذا دلالة على أنه يجوز أن يثيب الله في دار التكليف ببعض الثواب «و أنه في الآخرة لمن الصالحين» يعني أن إبراهيم مع ما أعطي من الأجر و الثواب في الدنيا يحشره الله في جملة الصالحين العظيمي الأقدار مثل آدم و نوح «و لوطا إذ قال لقومه» أي و أرسلنا لوطا و يجوز أن يريد و اذكر لوطا حين قال لقومه «إنكم لتأتون الفاحشة» من قرأ بلفظ الاستفهام أراد به الإنكار دون الاستعلام و من قرأ إنكم على الخبر أراد أن لوطا قال ذلك لقومه منكرا لفعلهم لا مفيدا معلما لهم لأنهم قد علموا ما فعلوه و الفاحشة هاهنا ما كانوا يفعلونه من إتيان الذكران «ما سبقكم بها» أي بهذه الفاحشة «من أحد من العالمين» أي أحد من الخلائق ثم فسر الفاحشة بقوله «إنكم لتأتون الرجال» أي تنكحونهم «و تقطعون السبيل» قيل فيه وجوه ( أحدها ) تقطعون سبيل الولد باختياركم الرجال على النساء ( و ثانيها ) إنكم تقطعون الناس عن الأسفار بإتيان هذه الفاحشة فإنهم كانوا يفعلون هذا الفعل بالمجتازين من ديارهم و كانوا يرمون ابن السبيل بالحجارة بالحذف فأيهم أصابه كان أولى به و يأخذون ماله و ينكحونه و يغرمونه ثلاثة دراهم و كان لهم قاض يقضي بذلك ( و ثالثها ) إنهم كانوا يقطعون الطريق على الناس كما يفعل قطاع الطريق في زماننا

«و تأتون في ناديكم المنكر» قيل فيه أيضا وجوه ( أحدها ) هو أنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم من غير حشمة و لا حياء عن ابن عباس و روي ذلك عن الرضا (عليه السلام) ( و ثانيها ) إنهم كانوا يأتون الرجال في مجالسهم يرى بعضهم بعضا عن مجاهد ( و ثالثها ) كانت مجالسهم تشتمل على أنواع من المناكير و القبائح مثل الشتم و السخف و الصفع و القمار و ضرب المخراق و حذف الأحجار على من مر بهم و ضرب المعازف و المزامير و كشف العورات و اللواط قال الزجاج و في هذا إعلام أنه لا ينبغي أن يتعاشر الناس على المناكير و لا أن يجتمعوا على المناهي و لما أنكر لوط على قومه ما كانوا يأتونه من الفضائح قالوا له استهزاء ائتنا بعذاب الله و ذلك قوله «فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين» و عند ذلك «قال» لوط «رب انصرني على القوم المفسدين» الذين فعلوا المعاصي و ارتكبوا القبائح و أفسدوا في الأرض.