۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة العنكبوت، آية ٢

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

الٓمٓ ١ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ ٢ وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٣ أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَسۡبِقُونَاۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ٤ مَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَأٓتٖۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ الم (1) أَ حَسِب النّاس أَن يُترَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ (2) وَ لَقَدْ فَتَنّا الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنّ اللّهُ الّذِينَ صدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنّ الْكَذِبِينَ (3) أَمْ حَسِب الّذِينَ يَعْمَلُونَ السيِّئَاتِ أَن يَسبِقُونَا ساءَ مَا يحْكُمُونَ (4) مَن كانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللّهِ فَإِنّ أَجَلَ اللّهِ لاَتٍ وَ هُوَ السمِيعُ الْعَلِيمُ (5)

القراءة

قرأ علي (عليه السلام) فليعلمن الذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين بضم الياء و كسر اللام فيهما و هو المروي عن جعفر ابن محمد و محمد بن عبد الله بن الحسن و وافقهم الزهري في و ليعلمن الكاذبين و قرأ أيضا و ليعلمن المنافقين.

الحجة

معناه ليعرفن الناس من هم فحذف المفعول الأول كما قال سبحانه يوم ندعو كل أناس بإمامهم و قال يعرف المجرمون بسيماهم و قال و نحشر المجرمين يومئذ زرقا و يجوز أن يكون من قولهم ثوب معلم و فارس معلم بالكسر إذا أعلم نفسه في الحرب فيكون معناه و ليشهرن فيرجع إلى المعنى الأول لأنه على تقدير حذف المفعول و يجوز أن يكون على حذف المفعول الثاني أي و ليعلمن الصادقين ثواب صدقهم و الكاذبين عقاب كذبهم.

الإعراب

قال الزجاج موضع أن الأولى نصب باسم حسب و خبره و موضع أن الثانية نصب من جهتين أجودهما أن تكون منصوبة بيتركوا فيكون المعنى أ حسب الناس أن يتركوا لأن يقولوا أو بأن يقولوا فلما حذف حرف الخفض وصل يتركوا إلى أن فنصب و يجوز أن تكون أن الثانية العامل فيها حسب أي حسب الناس أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون قال أبو علي أما ما ذكره من أنه نصب بيتركوا فإنه بين السقوط لأن ترك فعل يتعدى إلى مفعول واحد فإذا بني للمفعول لم يتعد إلى آخر فإن يقولوا لا يتعلق به و لا يتعدى إليه حتى يقدر حرف ثم يقدر الحذف فيصل الفعل و أما ما ذكره من انتصابه فلا يخلو إذا قدر انتصابه به من أن يكون مفعولا أولا أو ثانيا أو صفة أو بدلا فلا يكون مفعولا أولا لتعديه إلى المفعول الذي قبله و هو الترك و لا يجوز أن يكون مفعولا ثانيا من وجهين ( أحدهما ) أن باب ظننت و أخواته إذا تعدى إلى هذا الضرب من المفعول لم يتعد إلى مفعول ثان ظاهر في اللفظ ( و الآخر ) أن المفعول الثاني هو الأول في المعنى و ليس القول الترك و لا يكون أيضا بدلا لأنه ليس الأول و لا بعضه مشتملا عليه و لا يكون أيضا صفة لأن أن الثانية لحسب و عمله فيها لا يخلو مما ذكرناه فإذا لم يستقم حمله على شيء مما ذكرناه تبينت موضع إغفاله في المسألة و أقول و بالله التوفيق إن البدل هنا صحيح فإنه إذا قال أ حسبوا أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون و قوله «و هم لا يفتنون» جملة في موضع الحال فكأنه قال أ حسبوا أن يدعو الإيمان غير مختبرين ممتحنين بمشاق التكليف فيكون التقدير في معنى الآية أ حسبوا أن يتركوا أ حسبوا أن يهملوا و لا شك أن الإهمال في معنى الترك فيكون الثاني في معنى الأول بعينه و أما الوجه الأول فإنك لو قدرت اللام فقلت لأن يقولوا أو الباء فقلت بأن يقولوا فلا شك أن الحرف يتعلق بيتركوا فإن الجار و المجرور في موضع نصب به فتساهل الزجاج في العبارة عن المجرور بأنه منصوب و قوله «ساء ما يحكمون» ما هذه يحتمل وجهين ( أحدهما ) أن يكون اسما مفردا نكرة في موضع النصب على التمييز و التقدير ساء حكما يحكمون ( و الثاني ) أن يكون حرفا موصولا و يحكمون صلته و تقديره ساء الحكم حكمهم.

النزول

قيل نزلت الآية في عمار بن ياسر و كان يعذب في الله عن ابن جريج و قيل نزلت في أناس مسلمين كانوا بمكة فكتب إليهم من كان في المدينة أنه لا يقبل منكم الإقرار بالإسلام حتى تهاجروا فخرجوا إلى المدينة فاتبعهم المشركون فآذوهم و قاتلوهم فمنهم من قتل و منهم من نجا عن الشعبي و قيل أنه أراد بالناس الذين آمنوا بمكة سلمة بن هشام و عياش ابن أبي ربيعة و الوليد بن الوليد و عمار بن ياسر و غيرهم عن ابن عباس.

المعنى

«الم أ حسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون» أي أ ظن الناس أن يقنع منهم بأن يقولوا إنا مؤمنون فقط و يقتصر منهم على هذا القدر و لا يمتحنون بما تبين به حقيقة إيمانهم هذا لا يكون و هذا استفهام إنكار و توبيخ و قيل إن معنى يفتنون يبتلون في أنفسهم و أموالهم عن مجاهد و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) و يكون المعنى و لا يشدد عليهم التكليف و التعبد و لا يؤمرون و لا ينهون و قيل معناه و لا يصابون بشدائد الدنيا و مصائبها أي أنها لا تندفع بقولهم آمنا و قال الحسن معناه أ حسب الناس أن يتركوا أن يقولوا لا إله إلا الله و لا يختبروا أ صدقوا أم كذبوا يعني أن مجرد الإقرار لا يكفي و الأولى حمله على الجميع إذ لا تنافي فإن المؤمن يكلف بعد الإيمان بالشرائع و يمتحن في النفس و المال و يمنى بالشدائد و الهموم و المكاره فينبغي أن يوطن نفسه على هذه الفتنة ليكون الأمر أيسر عليه إذا نزل به ثم أقسم سبحانه فقال «و لقد فتنا الذين من قبلهم» أي و لقد ابتلينا الذين من قبل أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) من سالف الأمم بالفرائض التي افترضناها عليهم أو بالشدائد و المصائب على حسب اختلافهم و ذكر ذلك تسلية للمؤمنين قال ابن عباس منهم إبراهيم خليل الرحمن و قوم كانوا معه و من بعده نشروا بالمناشير على دين الله فلم يرجعوا عنه

و قال غيره يعني بني إسرائيل ابتلوا بفرعون يسومونهم سوء العذاب «فليعلمن الله الذين صدقوا» في إيمانهم «و ليعلمن الكاذبين» فيه و إنما قال فليعلمن مع أن الله سبحانه كان عالما فيما لم يزل بأن المعلوم سيحدث لأنه لا يصح وصفه سبحانه فيما لم يزل بأنه عالم بأنه حادث و إنما يعلمه حادثا إذا حدث و قيل معناه فليميزن الله الذين صدقوا من الذين كذبوا بالجزاء و المكافاة و عبر عن الجزاء و التمييز بالعلم لأن كل ذلك إنما يحصل بالعلم فأقام السبب مقام المسبب و مثله في إقامة السبب مقام المسبب قوله تعالى «كانا يأكلان الطعام» فهذا سبب قضاء الحاجة فكني بذكره عنها و معنى صدقوا أي ثبتوا على الشدائد و كذبوا أي لم يثبتوا و منه قول زهير:

{إذا ما الليث كذب عن أقرانه صدقا}

«أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا» أم هذه استفهام منقطع عما قبله و ليست التي هي معادلة الهمزة و المعنى بل أ حسب الذين يفعلون الكفر و القبائح أن يفوتونا فوت السابق لغيره و يعجزونا فلا نقدر على أخذهم و الانتقام منهم «ساء ما يحكمون» أي بئس الشيء الذي يحكمون ظنهم أنهم يفوتوننا و روى العياشي بالإسناد عن أبي الحسن (عليه السلام) قال جاء العباس إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له امش حتى نبايع لك الناس فقال أ تراهم فاعلين قال نعم فأين قول الله «الم أ حسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا» الآيات «من كان يرجوا لقاء الله» أي من كان يأمل لقاء ثواب الله و قيل معناه من كان يخاف عقاب الله عن سعيد بن جبير و السدي و الرجاء قد يكون بمعنى الخوف كما في قول الشاعر:

{إذا لسعته النحل لم يرج لسعها --- و حالفها في بيت نوب عواسل}

و المعنى من كان يخشى البعث و يخاف الجزاء و الحساب أو يأمل الثواب فليبادر بالطاعة قبل أن يلحقه الأجل «فإن أجل الله لآت» أي الوقت الذي وقته الله للثواب و العقاب جاء لا محالة «و هو السميع» لأقوالكم «العليم» بما في ضمائركم.