۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة العنكبوت، آية ١٨

التفسير يعرض الآيات ١٦ إلى ٢٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَإِبۡرَٰهِيمَ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُۖ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٦ إِنَّمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا وَتَخۡلُقُونَ إِفۡكًاۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ لَكُمۡ رِزۡقٗا فَٱبۡتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزۡقَ وَٱعۡبُدُوهُ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥٓۖ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ١٧ وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدۡ كَذَّبَ أُمَمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡۖ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ١٨ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ كَيۡفَ يُبۡدِئُ ٱللَّهُ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥٓۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ١٩ قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأٓخِرَةَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ إِبْرَهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللّهَ وَ اتّقُوهُ ذَلِكمْ خَيرٌ لّكُمْ إِن كنتُمْ تَعْلَمُونَ (16) إِنّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ أَوْثَناً وَ تخْلُقُونَ إِفْكاً إِنّ الّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِندَ اللّهِ الرِّزْقَ وَ اعْبُدُوهُ وَ اشكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17) وَ إِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كذّب أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَ مَا عَلى الرّسولِ إِلا الْبَلَغُ الْمُبِينُ (18) أَ وَ لَمْ يَرَوْا كيْف يُبْدِئُ اللّهُ الْخَلْقَ ثُمّ يُعِيدُهُ إِنّ ذَلِك عَلى اللّهِ يَسِيرٌ (19) قُلْ سِيرُوا فى الأَرْضِ فَانظرُوا كيْف بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمّ اللّهُ يُنشِئُ النّشأَةَ الاَخِرَةَ إِنّ اللّهَ عَلى كلِّ شىْءٍ قَدِيرٌ (20)

القراءة

قرأ حمزة و الكسائي و خلف أ و لم تروا بالتاء و الباقون بالياء و روي عن أبي بكر بالتاء و الياء جميعا و قرأ ابن كثير و أبو عمرو النشاءة بفتح الشين ممدودة مهموزة و قرأ الباقون «النشأة» بسكون الشين غير ممدودة و في الشواذ قراءة السلمي و زيد بن علي و تخلقون إفكا.

الحجة

قال أبو علي حجة التاء في أ و لم تروا أن قبلها «و إن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم» و حجة الياء أن المعنى قل لهم أ و لم يروا النشاءة و النشأة مثل الرآفة و الرأفة و الكآبة و الكأبة و قال أبو زيد نشأت أنشأ نشأ إذا شببت و نشأت السحابة نشأ و لم يذكر النشأة و أما تخلقون فإنه على وزن تكذبون و في معناه.

الإعراب

«كيف يبديء الله الخلق» كيف في موضع نصب على الحال من الله و التقدير أ مبدعا يبديء الله الخلق أم لا و يجوز أن يكون حالا من الخلق فيكون تقديره أ مبدعا يبديء الله الخلق أم لا ثم يعيده أم لا و يجوز أن يكون في موضع مصدر و التقدير أي إبداء يبديء و مثله كيف بدأ الخلق و النشأة منصوبة على المصدر و مفعول ينشىء محذوف تقديره و ينشىء الخلق.

المعنى

ثم عطف سبحانه على ما تقدم فقال «و إبراهيم» أي و أرسلنا إبراهيم «إذ قال لقومه اعبدوا الله و اتقوه» أي أطيعوا الله و خافوه بفعل طاعاته و اجتناب معاصيه «ذلكم خير لكم» أي ذلك التقوى خير لكم «إن كنتم تعلمون» ما هو خير مما هو شر لكم «إنما تعبدون من دون الله أوثانا» ما في هذا الموضع كافة و المعنى أنكم تعبدون أصناما من حجارة لا تضر و لا تنفع «و تخلقون إفكا» أي تفتعلون كذبا بأن تسموا هذه الأوثان آلهة عن السدي و قيل معناه و تصنعون أصناما بأيديكم و سماها إفكا لادعائهم إنها آلهة عن مجاهد و قتادة و أبي علي الجبائي ثم ذكر عجز آلهتهم عن رزق عابديها فقال «إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا» أي لا يقدرون على أن يرزقوكم و الملك قدرة القادر على ماله أن يتصرف في ماله أتم التصرف و ليس ذلك إلا لله على الحقيقة فإن الإنسان إنما يملك ما يملكه الله تعالى و يأذن له في التصرف فيه فأصل الملك لجميع الأشياء لله تعالى فمن لا يملك أن يرزق غيره لا يستحق العبادة لأن العبادة تجب بأعلى مراتب النعمة و لا يقدر على ذلك غير الله تعالى فلا يستحق العبادة سواه «فابتغوا عند الله الرزق» أي اطلبوا الرزق من عنده دون من سواه

«و اعبدوه و اشكروا له» على ما أنعم به عليكم من أصول النعم من الحياة و الرزق و غيرهما «إليه ترجعون» أي إلى حكمه تصيرون يوم القيامة فيجازيكم على قدر أعمالكم ثم خاطب العرب فقال «و إن تكذبوا» أي و إن تكذبوا محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) «فقد كذب أمم من قبلكم» أنبياءهم الذين بعثوا إليهم «و ما على الرسول إلا البلاغ المبين» أي ليس عليه إلا التبليغ الظاهر البين و ليس عليه حمل من أرسل إليه على الإيمان «أ و لم يروا كيف يبديء الله الخلق ثم يعيده» يعني كفار مكة الذين أنكروا البعث و أقروا بأن الله هو الخالق فقال أ و لم يتفكروا فيعلموا كيف أبدأ الله الخلق بعد العدم ثم يعيدهم ثانيا إذا أعدمهم بعد وجودهم قال ابن عباس يريد الخلق الأول و الخلق الآخر «إن ذلك على الله يسير» غير متعذر لأن من قدر على الإنشاء و الابتداء فهو على الإعادة أقدر ثم خاطب محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال «قل» لهؤلاء الكفار «سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق» و تفكروا في آثار من كان فيها قبلكم و إلى أي شيء صار أمرهم لتعتبروا بذلك و يؤديكم ذلك إلى العلم بربكم و قيل معناه انظروا و ابحثوا هل تجدون خالقا غير الله فإذا علموا أنه لا خالق ابتداء إلا الله لزمتهم الحجة في الإعادة و هو قوله «ثم الله ينشىء النشأة الآخرة» أي ثم الله الذي خلقها و أنشأ خلقها ابتداء ينشئها نشأة ثانية و معنى الإنشاء الإيجاد من غير سبب «إن الله» تعالى «على كل شيء قدير» أي إن الله على الإنشاء و الإفناء و الإعادة و على كل شيء يشاؤه قدير.