۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة العنكبوت، آية ١٠

التفسير يعرض الآيات ٦ إلى ١٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَمَن جَٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَٰهِدُ لِنَفۡسِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَحۡسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٧ وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حُسۡنٗاۖ وَإِن جَٰهَدَاكَ لِتُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَآۚ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٨ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُدۡخِلَنَّهُمۡ فِي ٱلصَّٰلِحِينَ ٩ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتۡنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِۖ وَلَئِن جَآءَ نَصۡرٞ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمۡۚ أَوَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ مَن جَهَدَ فَإِنّمَا يجَهِدُ لِنَفْسِهِ إِنّ اللّهَ لَغَنىّ عَنِ الْعَلَمِينَ (6) وَ الّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ لَنُكَفِّرَنّ عَنْهُمْ سيِّئَاتِهِمْ وَ لَنَجْزِيَنّهُمْ أَحْسنَ الّذِى كانُوا يَعْمَلُونَ (7) وَ وَصيْنَا الانسنَ بِوَلِدَيْهِ حُسناً وَ إِن جَهَدَاك لِتُشرِك بى مَا لَيْس لَك بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلىّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (8) وَ الّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ لَنُدْخِلَنّهُمْ فى الصلِحِينَ (9) وَ مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنّا بِاللّهِ فَإِذَا أُوذِى فى اللّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذَابِ اللّهِ وَ لَئن جَاءَ نَصرٌ مِّن رّبِّك لَيَقُولُنّ إِنّا كنّا مَعَكُمْ أَ وَ لَيْس اللّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فى صدُورِ الْعَلَمِينَ (10)

الإعراب

حسنا مفعول فعل محذوف تقديره و وصينا الإنسان بأن يفعل بوالديه حسنا أي ما يحسن «ما ليس لك به علم» موصول و صلة في موضع نصب بأنه مفعول تشرك.

النزول

قال الكلبي نزلت الآية الأخيرة في عياش بن أبي ربيعة المخزومي و ذلك أنه أسلم فخاف أهل بيته فهاجر إلى المدينة قبل أن يهاجر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فحلفت أمه أسماء بنت مخزمة بن أبي جندل التميمي أن لا تأكل و لا تشرب و لا تغسل رأسها و لا تدخل كنا حتى يرجع إليها فلما رأى ابناها أبو جهل و الحرث ابنا هشام و هما أخوا عياش لأمه جزعها ركبا في طلبه حتى أتيا المدينة فلقياه و ذكرا له القصة فلم يزالا به حتى أخذ عليهما المواثيق أن لا يصرفاه عن دينه و تبعهما و قد كانت أمه صبرت ثلاثة أيام ثم أكلت و شربت فلما خرجوا من المدينة أخذاه و أوثقاه كثافا و جلده كل واحد منهما مائة جلدة حتى برىء من دين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) جزعا من الضرب و قال ما لا ينبغي فنزلت الآية و كان الحرث أشدهما عليه فحلف عياش لئن قدر عليه خارجا من الحرم ليضربن عنقه فلما رجعوا إلى مكة مكثوا حينا ثم هاجر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و المؤمنون إلى المدينة و هاجر عياش و حسن إسلامه و أسلم الحرث بن هشام و هاجر إلى المدينة و بايع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على الإسلام و لم يحضر عياش فلقيه عياش يوما بظهر قبا و لم يشعر بإسلامه فضرب عنقه فقيل له إن الرجل قد أسلم فاسترجع عياش و بكى ثم أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره بذلك فنزل «و ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ» الآية و قيل نزلت الآية في ناس من المنافقين يقولون آمنا فإذا أوذوا رجعوا إلى الشرك عن الضحاك و قيل نزلت في قوم ردهم المشركون إلى مكة عن قتادة.

المعنى

لما رغب سبحانه في تحقيق الرجاء و الخوف بفعل الطاعة عقبه بالترغيب في المجاهدة فقال «و من جاهد فإنما يجاهد لنفسه» أي و من جاهد الشيطان بدفع وسوسته و إغوائه و جاهد أعداء الدين لإحيائه و جاهد نفسه التي هي أعدى أعدائه فإنما يجاهد لنفسه لأن ثواب ذلك عائد عليه و واصل إليه دون الله تعالى «إن الله لغني عن العالمين» غير محتاج إلى طاعتهم فلا يأمرهم و لا ينهاهم لمنفعة ترجع إليه بل لمنفعتهم «و الذين آمنوا و عملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم» التي اقترفوها قبل ذلك أي لنطلبنها حتى تصير كأنهم لم يعملوها «و لنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون» أي يجزيهم بأحسن أعمالهم و هو ما أمروا به من العبادات و الطاعات و المعنى لنكفرن سيئاتهم السابقة منهم في حال الكفر و لنجزينهم بحسناتهم التي عملوها في الإسلام و لما أمر سبحانه بمجاهدة الكفار و مباينتهم بين حال الوالدين في ذلك فقال «و وصينا الإنسان بوالديه» أي أمرناه أن يفعل بوالديه «حسنا» و ألزمناه ذلك ثم خاطب سبحانه كل واحد من الناس فقال «و إن جاهداك» أي و إن جاهداك أبواك أيها الإنسان و ألزماك و استفرغا مجهودهما في دعائك «لتشرك بي» في العبادة «ما ليس لك به علم» أي و ليس لأحد به علم «فلا تطعهما» في ذلك فأمر سبحانه إطاعة الوالدين في الواجبات حتما و في المباحات ندبا و نهى عن طاعتهما في المحظورات و نفي العلم به كأنه كناية عن تعريه من الأدلة لأنه إذا لم يكن عليه حجة و دليل لم يحصل العلم به فلا يحسن اعتقاده «إلي مرجعكم» أي إلى حكمي مصيركم «فأنبئكم بما كنتم تعملون» أي أخبركم بأعمالكم فأجازيكم عليها و روي عن سعد بن أبي وقاص قال كنت رجلا برا بأمي فلما أسلمت قالت يا سعد ما هذا الدين الذي أحدثت لتدعن دينك هذا أو لا آكل و لا أشرب حتى أموت فتعير بي فيقال يا قاتل أمه فقلت لا تفعلي يا أمه إني لا أدع ديني هذا لشيء قال فمكثت يوما لا تأكل و ليلة ثم مكثت يوما آخر و ليلة فما رأيت ذلك قلت و الله يا أمه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا فكلي و اشربي و إن شئت فلا تأكلي و لا تشربي فلما رأت ذلك أكلت فأنزلت هذه الآية «و إن جاهداك»

و أمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس و روي عن بهر بن أبي حكيم عن أبيه عن جده قال قلت للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يا رسول الله من أبر قال أمك قلت ثم من قال ثم أمك قلت ثم من قال ثم أمك قلت ثم من قال ثم أباك ثم الأقرب فالأقرب و عن أنس بن مالك عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال الجنة تحت أقدام الأمهات ثم قال سبحانه «و الذين آمنوا» أي صدقوا بوحدانية الله تعالى و إخلاص العبادة له «و عملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين» أي في زمرتهم و جملتهم في الجنة و لما ذكر سبحانه خيار المؤمنين عقبه بذكر ضعفائهم و قيل بل عقبه بذكر المنافقين فقال «و من الناس من يقول آمنا بالله» بلسانه «فإذا أوذي في الله» أي في دين الله أو في ذات الله «جعل فتنة الناس كعذاب الله» و المعنى فإذا أوذي بسبب دين الله رجع عن الدين مخافة عذاب الناس كما ينبغي للكافر أن يترك دينه مخافة عذاب الله فيسوي بين عذاب فإن منقطع و بين عذاب دائم غير منقطع أبدا لقلة تمييزه و سمي أذية الناس فتنة لما في احتمالها من المشقة «و لئن جاء نصر من ربك» يا محمد أي و لئن جاء نصر من الله للمؤمنين و دولة لأولياء الله على الكافرين «ليقولن إنا كنا معكم» أي ليقولن هؤلاء المنافقون للمؤمنين إنا كنا معكم على عدوكم طمعا في الغنيمة ثم كذبهم الله فقال «أ و ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين» من الإيمان و النفاق فلا يخفى عليه كذبهم فيما قالوا.