۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة القصص، آية ٣١

التفسير يعرض الآيات ٣١ إلى ٣٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَأَنۡ أَلۡقِ عَصَاكَۚ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهۡتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنّٞ وَلَّىٰ مُدۡبِرٗا وَلَمۡ يُعَقِّبۡۚ يَٰمُوسَىٰٓ أَقۡبِلۡ وَلَا تَخَفۡۖ إِنَّكَ مِنَ ٱلۡأٓمِنِينَ ٣١ ٱسۡلُكۡ يَدَكَ فِي جَيۡبِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٖ وَٱضۡمُمۡ إِلَيۡكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهۡبِۖ فَذَٰنِكَ بُرۡهَٰنَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٣٢ قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلۡتُ مِنۡهُمۡ نَفۡسٗا فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ ٣٣ وَأَخِي هَٰرُونُ هُوَ أَفۡصَحُ مِنِّي لِسَانٗا فَأَرۡسِلۡهُ مَعِيَ رِدۡءٗا يُصَدِّقُنِيٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ٣٤ قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجۡعَلُ لَكُمَا سُلۡطَٰنٗا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيۡكُمَا بِـَٔايَٰتِنَآۚ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلۡغَٰلِبُونَ ٣٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ أَنْ أَلْقِ عَصاك فَلَمّا رَءَاهَا تهْتزّ كَأَنهَا جَانّ وَلى مُدْبِراً وَ لَمْ يُعَقِّب يَمُوسى أَقْبِلْ وَ لا تخَف إِنّك مِنَ الاَمِنِينَ (31) اسلُك يَدَك فى جَيْبِك تخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيرِ سوءٍ وَ اضمُمْ إِلَيْك جَنَاحَك مِنَ الرّهْبِ فَذَنِك بُرْهَنَانِ مِن رّبِّك إِلى فِرْعَوْنَ وَ مَلايهِ إِنّهُمْ كانُوا قَوْماً فَسِقِينَ (32) قَالَ رَب إِنى قَتَلْت مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَاف أَن يَقْتُلُونِ (33) وَ أَخِى هَرُونُ هُوَ أَفْصحُ مِنى لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءاً يُصدِّقُنى إِنى أَخَاف أَن يُكَذِّبُونِ (34) قَالَ سنَشدّ عَضدَك بِأَخِيك وَ نجْعَلُ لَكُمَا سلْطناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِئَايَتِنَا أَنتُمَا وَ مَنِ اتّبَعَكُمَا الْغَلِبُونَ (35)

القراءة

قرأ أهل الحجاز و البصرة من الرهب بفتح الراء و الهاء و قرأ حفص «من الرهب» بفتح الراء و سكون الهاء و الباقون بضم الراء و سكون الهاء و قرأ أهل البصرة و ابن كثير فذانك بالتشديد و الباقون بالتخفيف و قرأ أبو جعفر و نافع ردا بغير همزة و الباقون بالهمزة و قرأ عاصم و حمزة «يصدقني» بالرفع و الباقون يصدقني بالجزم و في الشواذ قراءة الحسن عضدك.

الحجة

الرهب و الرهب لغتان مثل الرشد و الرشد و الرهب و الرهب مثل الشمع و الشمع و النهر و النهر و قوله «فذانك» قد مضى القول فيه فيما تقدم و قال الزجاج التشديد تثنية ذلك و التخفيف تثنية ذاك و جعل بدل اللام في ذلك تشديد النون و من قرأ ردا فإنه خفف الهمزة و ذلك حكم الهمزة إذا خففتها و كان قبلها ساكن أن تحذف و تلقى حركتها على الساكن قبلها و من قرأ «يصدقني» بالرفع جعله صفة للنكرة و تقديره ردءا مصدقا و من قرأ بالجزم كان على معنى الجزاء أي إن أرسلته يصدقني و في عضد خمس لغات عضد و عضد و عضد و عضد و عضد و أفصحها عضد مثل رجل.

الإعراب

قوله «إلى فرعون» يتعلق بما يتعلق به من من قوله «برهانان من ربك» و يجوز أن يتعلق بمحذوف كما تقدم ذكره في قوله في تسع آيات.

إلى فرعون و هارون عطف بيان.

«ردءا» نصب على الحال و الباء في قوله «بآياتنا» يحتمل ثلاثة أوجه ( أحدها ) أن يتعلق بيصلون ( و الثاني ) أن يتعلق بنجعل ( و الثالث ) أن تعلق بقوله «الغالبون».

المعنى

ثم بين سبحانه تمام قصة موسى (عليه السلام) فقال «و أن ألق عصاك» إنما أعاد سبحانه هذه القصة و كررها في السور تقريرا للحجة على أهل الكتاب و استمالة بهم إلى الحق و من أحب شيئا أحب ذكره و القوم كانوا يدعون محبة موسى و كل من ادعى اتباع سيده مال إلى من ذكره بالفضل على أن كل موضع من مواضع التكرار لا تخلو من زيادة فائدة و هاهنا حذف تقديره فألقاها من يده فانقلبت بإذن الله تعالى ثعبانا عظيما تهتز كأنها جان في سرعة حركتها و شدة اهتزازها «فلما رآها تهتز» أي تتحرك «كأنها جان ولى مدبرا» موسى «و لم يعقب» أي لم يرجع إلى ذلك الموضع فنودي «يا موسى أقبل و لا تخف إنك من الآمنين» من ضررها و في انقلاب العصا حية دلالة على أن الجواهر متماثلة و أنها من جنس واحد لأنه لا حال أبعد إلى حال الحيوان من حال الخشب و ما جرى مجرى ذلك من الجماد فإذا صح قلب الخشب إلى حال الحيوان صح أيضا قلب الأبيض إلى حال الأسود

«اسلك يدك في جيبك» أي أدخلها فيه «تخرج بيضاء من غير سوء» أي من غير برص «و اضمم إليك جناحك من الرهب» أي ضم يدك إلى صدرك من الخوف فلا خوف عليك عن ابن عباس و مجاهد و المعنى أن الله تعالى أمره أن يضم يده إلى صدره فيذهب ما أصابه من الخوف عند معاينة الحية و قيل أمره سبحانه بالعزم على ما أراده منه و حثه على الجد فيه لئلا يمنعه الخوف الذي يغشاه في بعض الأحوال مما أمره بالمضي فيه و ليس يريد بقوله اضمم يدك الضم المزيل للفرجة بين الشيئين عن أبي علي الفارسي قال و هذا كما أن اشدد في قوله

{اشدد حيازيمك للموت --- فإن الموت لاقيكا}

ليس يراد به الشد الذي هو الربط و المراد به تأهب للموت و استعد للقائه حتى لا تهاب لقاه و لا تجزع من وقوعه و قد جاء ذكر اليدين في مواضع يراد بهما جملة ذي اليد فمن ذلك قولهم لبيك و الخير بين يديك و منه قوله تعالى بما قدمت يداك و في المثل يداك أوكتا و فوك نفخ و إنما يقال هذا عند تفريغ الجملة و قال أبو عبيدة جناحا الرجل يداه و قال غيره الجناح هنا العضد و يدل على قوله إن العضد قد تقام مقام الجملة في مثل قوله «سنشد عضدك بأخيك» و قد جاء المفرد و يراد به التثنية قال:

{يداك يد إحداهما الجود كله --- و راحتك الأخرى طعان تغامره}

المعنى يداك يدان بدلالة قوله إحداهما فعلى هذا يجوز أن يراد بالأفراد في قوله «و اضمم إليك جناحك» التثنية و قيل أنه لما ألقى العصا و صارت حية بسط يديه كالمتقي و هما جناحاه فقيل له اضمم إليك جناحك أي ما بسطته من يديك و المعنى لا تبسط يديك خوف الحية فإنك آمن من ضررها و يجوز أن يكون معناه أسكن و لا تخف فإن من هاله أمر أزعجه حتى كأنه يطيره و آلة الطيران الجناح فكأنه (عليه السلام) قد بلغ نهاية الخوف فقيل له ضم منشور جناحك من الخوف و أسكن و قيل معناه إذا هالك أمر يدك لما تبصر من شعاعها فاضممها إليك لتسكن «فذانك برهانان من ربك» معناه فاليد و العصا حجتان من ربك على نبوتك «إلى فرعون و ملأيه» أي أرسلناك إلى فرعون و ملئه بهاتين الآيتين الباهرتين «إنهم كانوا قوما فاسقين» أي خارجين من طاعة الله إلى أعظم المعاصي و هو الكفر «قال» موسى «رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون» بتلك النفس «و أخي هارون هو أفصح مني لسانا» و إنما قال ذلك لعقدة كانت في لسانه و قد مر فيما مضى ذكر

سببها و قد كان الله تعالى أزال أكثرها أو جميعها بدعائه «فأرسله معي ردءا» أي معينا لي على تبليغ رسالتك يقال فلان ردء لفلان إذا كان ينصره و يشد ظهره «يصدقني إني أخاف أن يكذبون» أي مصدقا لي على ما أوديه من الرسالة و إن جزمته فالمعنى إنك أن ترسله معي يصدقني و إنما كان سؤاله ذلك بعد أن أذن له فيه لأن الإنسان لا يعلم إن المصلحة في إرسال نبي واحد أو اثنين إلا بالوحي و قال مقاتل معناه لكي يصدقني فرعون «قال سنشد عضدك بأخيك» هذه استعارة رابعة و المعنى سنجعله رسولا معك و نؤيدك بأن نقرنه إليك في النبوة و ننصرك به «و نجعل لكما سلطانا» أي حجة و قوة و برهانا «فلا يصلون إليكما بآياتنا» أي لا يصل فرعون و قومه إلى الإضرار بكما بسبب ما نعطيكما من الآيات و ما يجري على أيديكما من المعجزات فيخافكما فرعون و قومه لأجلها و قيل إن قوله «بآياتنا» موضعه التقديم أي و نجعل لكما سلطانا بآياتنا فلا يصلون إليكما ثم أخبر أن الغلبة لهما عليهم فقال «أنتما و من اتبعكما الغالبون» على فرعون و قومه القاهرون لهم و هذه الغلبة غير السلطان فإن السلطان بالحجة و الغلبة بالقهر حين هلك فرعون و قومه و ملك موسى و قومه ديارهم و روي عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل قال فلما رجع موسى (عليه السلام) إلى امرأته قالت من أين جئت قال من عند رب تلك النار قال فغدا إلى فرعون فو الله لكأني أنظر إليه طويل الباع ذو شعر أدم عليه جبة من صوف عصاه في كفه مربوط حقوه بشريط نعله من جلد حمار شراكها من ليف فقيل لفرعون أن على الباب فتى يزعم أنه رسول رب العالمين فقال فرعون لصاحب الأسد خل سلاسلها و كان إذا غضب على رجل خلاها فقطعته فخلاها فقرع موسى الباب الأول و كانت تسعة أبواب فلما قرع الباب الأول انفتحت له الأبواب التسعة فلما دخل جعلن تبصبصن تحت رجليه كأنهن جراء فقال فرعون لجلسائه رأيتم مثل هذا قط فلما أقبل إليه فقال أ لم نربك فينا وليدا إلى قوله و إنا من الضالين فقال فرعون لرجل من أصحابه قم فخذ بيده و قال للآخر اضرب عنقه فضرب جبرائيل بالسيف حتى قتل ستة من أصحابه فقال خلوا عنه قال فأخرج يده فإذا هي بيضاء قد حال شعاعها بينه و بين وجهه فألقى العصا فإذا هي حية فالتقمت الأيوان بلحييها فدعاه إن يا موسى أقلني إلى غد ثم كان من أمره ما كان.