۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة القصص، آية ١٧

التفسير يعرض الآيات ١٦ إلى ٢٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمۡتُ نَفۡسِي فَٱغۡفِرۡ لِي فَغَفَرَ لَهُۥٓۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ١٦ قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ فَلَنۡ أَكُونَ ظَهِيرٗا لِّلۡمُجۡرِمِينَ ١٧ فَأَصۡبَحَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ خَآئِفٗا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا ٱلَّذِي ٱسۡتَنصَرَهُۥ بِٱلۡأَمۡسِ يَسۡتَصۡرِخُهُۥۚ قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰٓ إِنَّكَ لَغَوِيّٞ مُّبِينٞ ١٨ فَلَمَّآ أَنۡ أَرَادَ أَن يَبۡطِشَ بِٱلَّذِي هُوَ عَدُوّٞ لَّهُمَا قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ أَتُرِيدُ أَن تَقۡتُلَنِي كَمَا قَتَلۡتَ نَفۡسَۢا بِٱلۡأَمۡسِۖ إِن تُرِيدُ إِلَّآ أَن تَكُونَ جَبَّارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ ١٩ وَجَآءَ رَجُلٞ مِّنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ ٱلۡمَلَأَ يَأۡتَمِرُونَ بِكَ لِيَقۡتُلُوكَ فَٱخۡرُجۡ إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ ٢٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

قَالَ رَب إِنى ظلَمْت نَفْسى فَاغْفِرْ لى فَغَفَرَ لَهُ إِنّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرّحِيمُ (16) قَالَ رَب بِمَا أَنْعَمْت عَلىّ فَلَنْ أَكُونَ ظهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ (17) فَأَصبَحَ فى الْمَدِينَةِ خَائفاً يَترَقّب فَإِذَا الّذِى استَنصرَهُ بِالأَمْسِ يَستَصرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسى إِنّك لَغَوِىّ مّبِينٌ (18) فَلَمّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِش بِالّذِى هُوَ عَدُوّ لّهُمَا قَالَ يَمُوسى أَ تُرِيدُ أَن تَقْتُلَنى كَمَا قَتَلْت نَفْسا بِالأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلا أَن تَكُونَ جَبّاراً فى الأَرْضِ وَ مَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصلِحِينَ (19) وَ جَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصا الْمَدِينَةِ يَسعَى قَالَ يَمُوسى إِنّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِك لِيَقْتُلُوك فَاخْرُجْ إِنى لَك مِنَ النّصِحِينَ (20)

اللغة

الترقب الانتظار و الاستصراخ طلب الصراخ على العدو بما يردعه عن الإيقاع به و الائتمار التشاور و الارتياء يقال ائتمر القوم و ارتاءوا بمعنى قال امرؤ القيس:

{أحار ابن عمرو كأني خمر --- و يعدو على المرء ما يأتمر}

و قال النمر بن تولب

{أرى الناس قد أحدثوا شيمة --- و في كل حادثة يؤتمر}

الإعراب

«بما أنعمت علي» الباء للقسم و يجوز أن يكون ما حرفا موصولا و المعنى بإنعامك علي و يجوز أن يكون اسما موصولا و الضمير العائد محذوفا و التقدير بالذي أنعمته علي و جواب القسم لن أكون و الفاء لجواب القسم مقدر في الموصول بالجملة الفعلية.

«إن أراد أن يبطش» أن الأولى زائدة و أن الثانية مع صلتها منصوبة الموضع بأنها مفعولة أراد «إني لك من الناصحين» لا يجوز أن تتعلق اللام في لك بالناصحين لأن الصلة لا تعمل فيما قبل الموصول و إنما تتعلق بمحذوف يفسره هذا الظاهرة تقديره إني من الناصحين لك.

المعنى

ثم حكى سبحانه أن موسى (عليه السلام) حين قتل القبطي ندم على ذلك «و قال رب إني ظلمت نفسي» في هذا القتل فإنهم لو علموا بذلك لقتلوني و قال المرتضى قدس الله روحه العزيز إنما قاله على سبيل الانقطاع و الرجوع إلى الله تعالى و الاعتراف بالتقصير عن أداء حقوق نعمه أو من حيث حرم نفسه الثواب المستحق بفعل الندب «فاغفر لي» معناه قول آدم (عليه السلام) ربنا ظلمنا أنفسنا و إن لم تغفر لنا و ترحمنا لنكونن من الخاسرين و قبول الاستغفار و التوبة قد يسمى غفرانا «فغفر له إنه هو الغفور» لعباده «الرحيم» بهم المنعم عليهم «قال» موسى «رب بما أنعمت علي» أي بنعمتك علي من المغفرة و صرف بلاء الأعداء عني «فلن أكون ظهيرا للمجرمين» المعنى فلك علي ألا أكون مظاهرا و معينا للمشركين عن ابن عباس و في هذا دلالة على أن مظاهرة المجرمين جرم و معصية و مظاهرة المؤمنين طاعة و إنما ظاهر موسى (عليه السلام) من كان ظاهره الإيمان و خالف من كان ظاهره الكفر و جاء في الأثر أن رجلا قال لعطاء بن أبي رياح إن فلانا يكتب لفلان و لا يزيد على كتبه دخله و خرجه فإن أخذ منه أجرا كان له غنى و إن لم يأخذ اشتد فقره و فقر عياله فقال عطاء أ ما سمعت قول الرجل الصالح «رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين» «فأصبح»

موسى في اليوم الثاني «في المدينة خائفا» من قبل القبطي «يترقب» أي ينتظر الأخبار في قتل القبطي عن ابن عباس يعني أنه خاف من فرعون و قومه أن يكونوا عرفوا أنه هو الذي قتل القبطي فكان يتجسس و ينتظر الأخبار في شأنه «فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه» معناه أن الإسرائيلي الذي كان قد خلصه بالأمس و وكز القبطي من أجله يستصرخ موسى و يستعين به على رجل آخر من القبط خاصمه قال ابن عباس لما فشا أمر قتل القبطي قيل لفرعون إن بني إسرائيل قتلت منا رجلا قال أ تعرفون قاتله و من يشهد عليه قالوا لا فأمرهم بطلبه فبينا هم يطوفون إذ مر موسى من الغد و أتى ذلك الإسرائيلي يطلب نصرته و يستغيث به «قال له موسى إنك لغوي مبين» أي ظاهر الغواية حيث قاتلت بالأمس رجلا و تقاتل اليوم الآخر و لم يرد الغواية في الدين و المراد أن من خاصم آل فرعون مع كثرتهم فإنه غوي أي خائب فيما يطلبه عادل عن الصواب فيما يقصده «فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أ تريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس» معناه فلما أخذته الرقة على الإسرائيلي و أراد أن يدفع القبطي الذي هو عدو لموسى و الإسرائيلي عنه و يبطش به أي يأخذه بشدة ظن الإسرائيلي أن موسى قصده لما قال له «إنك لغوي مبين» فقال أ تريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس عن ابن عباس و أكثر المفسرين و قال الحسن هو من قول القبطي لأنه قد اشتهر أمر القتل بالأمس و أنه قتله بعض بني إسرائيل «إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض» أي ما تريد إلا أن تكون عاليا في الأرض بالقتل و الظلم قال عكرمة و الشعبي لا يكون الإنسان جبارا حتى يقتل نفسين بغير حق «و ما تريد أن تكون من المصلحين» و لما قال الإسرائيلي ذلك علم القبطي أن القاتل موسى فانطلق إلى فرعون و أخبر به فأمر فرعون بقتل موسى و بعث في طلبه «و جاء رجل من أقصى المدينة» أي آخرها فاختصر طريقا قريبا حتى سبقهم إلى موسى «يسعى» أي يسرع في المشي فأخبره بذلك و أنذره و كان الرجل حزقيل مؤمن آل فرعون و قيل رجل اسمه شمعون و قيل سمعان «قال يا موسى إن الملأ» أي الأشراف من آل فرعون «يأتمرون بك» أي يتشاورون فيك عن أبي عبيدة و قيل يأمر بعضهم «ليقتلوك فاخرج» من أرض مصر «إني لك من الناصحين» في هذا يقال نصحته و نصحت له.