۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة النمل، آية ٧٧

التفسير يعرض الآيات ٧٦ إلى ٨٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَكۡثَرَ ٱلَّذِي هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٧٦ وَإِنَّهُۥ لَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٧٧ إِنَّ رَبَّكَ يَقۡضِي بَيۡنَهُم بِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡعَلِيمُ ٧٨ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلۡحَقِّ ٱلۡمُبِينِ ٧٩ إِنَّكَ لَا تُسۡمِعُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَلَا تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوۡاْ مُدۡبِرِينَ ٨٠ وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِي ٱلۡعُمۡيِ عَن ضَلَٰلَتِهِمۡۖ إِن تُسۡمِعُ إِلَّا مَن يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُم مُّسۡلِمُونَ ٨١ ۞ وَإِذَا وَقَعَ ٱلۡقَوۡلُ عَلَيۡهِمۡ أَخۡرَجۡنَا لَهُمۡ دَآبَّةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ تُكَلِّمُهُمۡ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا لَا يُوقِنُونَ ٨٢ وَيَوۡمَ نَحۡشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٖ فَوۡجٗا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُمۡ يُوزَعُونَ ٨٣ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُو قَالَ أَكَذَّبۡتُم بِـَٔايَٰتِي وَلَمۡ تُحِيطُواْ بِهَا عِلۡمًا أَمَّاذَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٨٤ وَوَقَعَ ٱلۡقَوۡلُ عَلَيۡهِم بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمۡ لَا يَنطِقُونَ ٨٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

إِنّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَقُص عَلى بَنى إِسرءِيلَ أَكثرَ الّذِى هُمْ فِيهِ يخْتَلِفُونَ (76) وَ إِنّهُ لهَُدًى وَ رَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ (77) إِنّ رَبّك يَقْضى بَيْنهُم بحُكْمِهِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78) فَتَوَكلْ عَلى اللّهِ إِنّك عَلى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) إِنّك لا تُسمِعُ الْمَوْتى وَ لا تُسمِعُ الصمّ الدّعَاءَ إِذَا وَلّوْا مُدْبِرِينَ (80) وَ مَا أَنت بهَدِى الْعُمْىِ عَن ضلَلَتِهِمْ إِن تُسمِعُ إِلا مَن يُؤْمِنُ بِئَايَتِنَا فَهُم مّسلِمُونَ (81) وَ إِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيهِمْ أَخْرَجْنَا لهَُمْ دَابّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكلِّمُهُمْ أَنّ النّاس كانُوا بِئَايَتِنَا لا يُوقِنُونَ (82) وَ يَوْمَ نحْشرُ مِن كلِّ أُمّةٍ فَوْجاً مِّمّن يُكَذِّب بِئَايَتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) حَتى إِذَا جَاءُو قَالَ أَ كذّبْتُم بِئَايَتى وَ لَمْ تحِيطوا بهَا عِلْماً أَمّا ذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (84) وَ وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيهِم بِمَا ظلَمُوا فَهُمْ لا يَنطِقُونَ (85)

القراءة

قرأ و لا يسمع بالياء الصم بالرفع هاهنا و في الروم ابن كثير و ابن عباس و الباقون «لا تسمع» بضم التاء الصم «بالنصب» و قرأ و ما أنت تهدي العمي حمزة هاهنا و في الروم و قرأ الباقون «و ما أنت بهادي العمي» و في الشواذ قراءة ابن عباس و سعيد بن جبير و مجاهد و الجحدري و ابن ذرعة تكلمهم بفتح التاء و التخفيف و قرأ أهل العراق غير أبي عمرو و سهل «أن الناس» بفتح الهمزة و الباقون بكسرها.

الحجة

حجة من قال «تسمع» إنه أشبه بما قبل من قوله «إنك لا تسمع الموتى» و يؤكد ذلك قوله و لو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم و من قرأ و لا يسمع الصم الدعاء فالمعنى لا ينقادون للحق لعنادهم كما لا يسمع الأصم ما يقال له و من قرأ تهدي العمي فالتقدير إنك لا تهديهم لشدة عنادهم و إعراضهم و أنت مرفوع بما على قول أهل الحجاز و «تهدي» في موضع نصب بأنه خبر و على قول تميم يرتفع بفعل مضمر يفسره الظاهر الذي هو تهدي تقديره إذا أظهرت ذلك المضمر ما تهدي تهدي لأنك إذا أظهرت أفعل المضمر اتصل به الضمير و لم ينفصل كما ينفصل إذا لم تظهر و من قرأ «بهادي العمي» مضافا في السورتين فاسم الفاعل للحال أو للآتي فإذا كان كذلك كانت الإضافة في نية الانفصال و قوله «أن الناس» بالفتح فالوجه فيه تكلمهم بأن الناس و زعموا أنه في قراءة أبي تنبئهم و عن قتادة أنه في بعض الحروف تحدثهم و هذا يدل على أن تكلمهم من الكلام الذي هو النطق و ليس هو من الكلم الذي هو الجراحة.

و من كسر فقال إن الناس فالمعنى تكلمهم فتقول لهم أن الناس و إضمار القول في الكلام كثير و حسن ذلك لأن الكلام قول فكان القول أظهر و من قرأ تكلمهم فمعناه تجرحهم بأكلها إياهم.

المعنى

ثم ذكر سبحانه من الحجج ما يقوي قلب نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال «إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل» أي يخبرهم بالصدق «أكثر الذي هم فيه يختلفون» من حديث مريم و عيسى و النبي المبشر به في التوراة حيث قال بعضهم هو يوشع و قال بعضهم لا بل هو و منتظر لم يأت بعد و غير ذلك من الأحكام و كان ذلك معجزة لنبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا كان لا يدرس كتبهم و لا يقرؤها ثم أخبرهم بما فيها «و إنه» يعني القرآن «لهدى» أي دلالة على الحق «و رحمة للمؤمنين» أي نعمة لهم «إن ربك يقضي بينهم بحكمه» يريد بين المختلفين في

الدين يوم القيامة و أشار بذلك إلى شيئين ( أحدهما ) أن الحكم له فلا ينفذ حكم غيره فيوصل إلى كل ذي حق حقه ( و الآخر ) أنه وعد المظلوم بالانتصاف من الظالم «و هو العزيز» القادر على ما يشاء لا يمتنع عليه شيء «العليم» بالمحق و المبطل فيجازي كلا بحسب عمله و في هذه الآية تسلية للمحقين من الذين خولفوا في أمور الدين و أن أمرهم يؤول إلى أن يحكم بينهم رب العالمين ثم خاطب سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال «فتوكل على الله» يا محمد «إنك على الحق المبين» أي الواضح البين الظاهر و المحق أولى بالتوكل من المبطل المدغل و المراد بهذا الخطاب سائر المؤمنين و إن كان في الظاهر لسيد المرسلين ثم شبه الكفار بالموتى فقال «إنك لا تسمع الموتى» يقول كما لا تسمع الميت الذي ليس له آلة السمع النداء كذلك لا تسمع الكافر النداء لأنه لا يسمع و لا يقبل الموعظة و لا يتدبر فيها «و لا يسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين» إنما قال ذلك لأن الأصم إذا كان قريبا فالإنسان يطمع في إسماعه فإذا أعرض و أدبر و تباعد انقطع الطمع في إسماعه فجعل سبحانه المصمم على الجهل كالميت في أنه لا يقبل الهدى و كالأصم في أنه لا يسمع الدعاء «و ما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم» في الدين بالآيات الدالة على الهدى إذا أعرضوا عنها كما لا يمكنك أن تهدي الأعمى إلى قصد الطريق جعل سبحانه الجهل بمنزلة العمى لأنه يمنع عن إدراك الحق كما يمنع العمى من إدراك المبصرات «أن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا» أي ما يسمع إلا من يطلب الحق بالنظر في آياتنا «فهم مسلمون» أي مستسلمون منقادون جعل سبحانه استماعهم و قبولهم الحق سماعا و تركهم للقبول تركا للسماع و قيل مسلمون أي موحدون مخلصون «و إذا وقع القول عليهم» أي وجب العذاب و الوعيد عليهم و قيل معناه إذا صاروا بحيث لا يفلح أحد منهم و لا أحد بسببهم عن مجاهد و قيل معناه إذا غضب الله عليهم من قتادة و قيل معناه إذا أنزل العذاب بهم عند اقتراب الساعة فسمي المقول قولا كما يقال جاء الخبر الذي قلت و يراد به المخبر قال أبو سعيد الخدري و ابن عمر إذا لم يأمروا بالمعروف و لم ينهوا عن المنكر وجب السخط عليهم و أخذوا بمبادىء العقاب منها قوله «أخرجنا لهم دابة من الأرض» تخرج بين الصفا و المروة فتخبر المؤمن بأنه مؤمن و الكافر بأنه كافر و عند ذلك يرتفع التكليف و لا تقبل التوبة و هو علم من أعلام الساعة و قيل لا يبقى مؤمن إلا مسحته و لا يبقى منافق إلا خطمته تخرج ليلة جمع و الناس يسيرون إلى منى عن ابن عمر و روى محمد بن كعب القرظي قال سئل علي صلوات الرحمن عليه من الدابة فقال أما و الله ما لها ذنب و إن لها للحية و في هذا إشارة إلى أنها من الإنس و روي عن ابن عباس أنها دابة من دواب الأرض لها زغب و ريش و لها ربع قوائم و عن حذيفة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال دابة الأرض طولها ستون ذراعا

لا يدركها طالب و لا يفوتها هارب فتسم المؤمن بين عينيه و تكتب بين عينيه مؤمن و تسم الكافر بين عينيه و تكتب بين عينيه كافر و معها عصا موسى و خاتم سليمان فتجلو وجه المؤمن بالعصا و تختم أنف الكافر بالخاتم حتى يقال يا مؤمن و يا كافر و روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه يكون للدابة ثلاث خرجات من الدهر فتخرج خروجا بأقصى المدينة فيفشو ذكرها في البادية و لا يدخل ذكرها القرية يعني مكة ثم تمكث زمانا طويلا ثم تخرج خرجة أخرى قريبا من مكة فيفشو ذكرها في البادية و يدخل ذكرها القرية يعني مكة ثم سار الناس يوما في أعظم المساجد على الله عز و جل حرمة و أكرمها على الله يعني المسجد الحرام لم ترعهم إلا و هي في ناحية المسجد تدنو و تدنو كذا ما بين الركن الأسود إلى باب بني مخزوم عن يمين الخارج في وسط من ذلك فيرفض الناس عنها و يثبت لها عصابة عرفوا أنهم لن يعجزوا الله فخرجت عليهم تنفض رأسها من التراب فمرت بهم فجلت عن وجوههم حتى تركتها كأنها الكواكب الدرية ثم ولت في الأرض لا يدركها طالب و لا يعجزها هارب حتى أن الرجل ليقوم فيتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول يا فلان الآن تصلي فيقبل عليها بوجهه فتسمه في وجهه فيتجاور الناس في ديارهم و يصطحبون في أسفارهم و يشتركون في الأموال يعرف الكافر من المؤمن فيقال للمؤمن يا مؤمن و للكافر يا كافر و روي عن وهب أنه قال و وجهها وجه رجل و سائر خلقها خلق الطير و مثل هذا لا يعرف إلا من النبوات الإلهية و قد روي عن علي (عليه السلام) أنه قال إنه صاحب العصا و الميسم و روى علي بن إبراهيم بن هاشم في تفسيره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال رجل لعمار بن ياسر يا أبا اليقظان آية في كتاب الله أفسدت قلبي قال عمار و أية آية هي فقال هذه الآية فآية دابة الأرض هذه قال عمار و الله ما أجلس و لا آكل و لا أشرب حتى أريكها فجاء عمار مع الرجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو يأكل تمرا و زبدا فقال يا أبا اليقظان هلم فجلس عمار يأكل معه فتعجب الرجل منه فلما قام عمار قال الرجل سبحانه الله حلفت أنك لا تأكل و لا تشرب حتى ترينيها قال عمار أريتكها إن كنت تعقل و روى العياشي هذه القصة بعينها عن أبي ذر رحمه الله أيضا و قوله «تكلمهم» أي تكلمهم بما يسؤهم و هو أنهم يصيرون إلى النار بلسان يفهمونه و قيل تحدثهم بأن هذا مؤمن و هذا كافر و قيل تكلمهم بأن تقول لهم «إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون» و هو الظاهر و قيل بآياتنا معناه بكلامها و خروجها «و يوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون» أي يدفعون عن ابن عباس و قيل يحبس أولهم على آخرهم و استدل بهذه الآية على صحة الرجعة من ذهب إلى ذلك من الإمامية بأن قال إن دخول من في الكلام يوجب التبعيض فدل ذلك على أن اليوم المشار إليه في الآية يحشر فيه قوم دون قوم و ليس ذلك صفة يوم القيامة الذي يقول فيه سبحانه

###

و حشرناهم فلم نغادر منهم أحدا و قد تظاهرت الأخبار عن أئمة الهدى من آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في أن الله تعالى سيعيد عند قيام المهدي قوما ممن تقدم موتهم من أوليائه و شيعته ليفوزوا بثواب نصرته و معونته و يبتهجوا بظهور دولته و يعيد أيضا قوما من أعدائه لينتقم منهم و ينالوا بعض ما يستحقونه من العذاب في القتل على أيدي شيعته و الذل و الخزي بما يشاهدون من علو كلمته و لا يشك عاقل أن هذا مقدور لله تعالى غير مستحيل في نفسه و قد فعل الله ذلك في الأمم الخالية و نطق القرآن بذلك في عدة مواضع مثل قصة عزير و غيره على ما فسرناه في موضعه و صح عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله سيكون في أمتي كل ما كان في بني إسرائيل حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب لدخلتموه على أن جماعة من الإمامية تأولوا ما ورد من الأخبار في الرجعة على رجوع الدولة و الأمر و النهي دون رجوع الأشخاص و إحياء الأموات و أولوا الأخبار الواردة في ذلك لما ظنوا أن الرجعة تنافي التكليف و ليس كذلك لأنه ليس فيها ما يلجىء إلى فعل الواجب و الامتناع من القبيح و التكليف يصح معها كما يصح مع ظهور المعجزات الباهرة و الآيات القاهرة كفلق البحر و قلب العصا ثعبانا و ما أشبه ذلك و لأن الرجعة لم تثبت بظواهر الأخبار المنقولة فيتطرق التأويل عليها و إنما المعول في ذلك على إجماع الشيعة الإمامية و إن كانت الأخبار تعضده و تؤيده و من قال إن قوله «و يوم يحشر من كل أمة فوجا» المراد به يوم القيامة قال المراد بالفوج الجماعة من الرؤساء و المتبوعين في الكفر حشروا و جمعوا لإقامة الحجة عليهم «حتى إذا جاءوا» إلى موقف الحساب «قال» الله تعالى لهم «أ كذبتم بآياتي» أي كذبتم بأنبيائي و دلالاتي الدالة على ديني «و لم تحيطوا بها علما» أي لم تطلبوا معرفتها و لم تبينوا ما أوجب الله عليكم فيها «أما ذا كنتم تعملون» حين لم تبحثوا عنها و لم تتفكروا في صحتها يقول ذلك تبكيتا لهم و تجهيلا أي هذا كان الواجب عليكم فتركتموها و لم تعرفوها حق معرفتها فبما ذا اشتغلتم و من قال بالأول قال المراد بالآيات الأئمة الطاهرون (عليهم السلام) «و وقع القول عليهم» أي وجب العذاب عليهم «بما ظلموا» أي بظلمهم إذ صاروا بحيث لا يفلح جحد منهم بسببهم «فهم لا ينطقون» إذ ذاك بكلام ينتفعون به و يجوز أن يكون المراد أنهم لا ينطقون أصلا لعظم ما يشاهدونه و هول ما يرونه.