۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة النمل، آية ٧٤

التفسير يعرض الآيات ٦٦ إلى ٧٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

بَلِ ٱدَّٰرَكَ عِلۡمُهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّنۡهَاۖ بَلۡ هُم مِّنۡهَا عَمُونَ ٦٦ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبٗا وَءَابَآؤُنَآ أَئِنَّا لَمُخۡرَجُونَ ٦٧ لَقَدۡ وُعِدۡنَا هَٰذَا نَحۡنُ وَءَابَآؤُنَا مِن قَبۡلُ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٦٨ قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٦٩ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَلَا تَكُن فِي ضَيۡقٖ مِّمَّا يَمۡكُرُونَ ٧٠ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٧١ قُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعۡضُ ٱلَّذِي تَسۡتَعۡجِلُونَ ٧٢ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَشۡكُرُونَ ٧٣ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعۡلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمۡ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٧٤ وَمَا مِنۡ غَآئِبَةٖ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ ٧٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بَلِ ادّرَك عِلْمُهُمْ فى الاَخِرَةِ بَلْ هُمْ فى شكٍ مِّنهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ (66) وَ قَالَ الّذِينَ كَفَرُوا أَ ءِذَا كُنّا تُرَباً وَ ءَابَاؤُنَا أَ ئنّا لَمُخْرَجُونَ (67) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نحْنُ وَ ءَابَاؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلا أَسطِيرُ الأَوّلِينَ (68) قُلْ سِيرُوا فى الأَرْضِ فَانظرُوا كيْف كانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69) وَ لا تحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ لا تَكُن فى ضيْقٍ مِّمّا يَمْكُرُونَ (70) وَ يَقُولُونَ مَتى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صدِقِينَ (71) قُلْ عَسى أَن يَكُونَ رَدِف لَكُم بَعْض الّذِى تَستَعْجِلُونَ (72) وَ إِنّ رَبّك لَذُو فَضلٍ عَلى النّاسِ وَ لَكِنّ أَكثرَهُمْ لا يَشكُرُونَ (73) وَ إِنّ رَبّك لَيَعْلَمُ مَا تُكِنّ صدُورُهُمْ وَ مَا يُعْلِنُونَ (74) وَ مَا مِنْ غَائبَةٍ فى السمَاءِ وَ الأَرْضِ إِلا فى كِتَبٍ مّبِينٍ (75)

القراءة

قرأ أهل البصرة و أبو جعفر و ابن كثير بل أدرك بقطع الألف و سكون اللام و الدال و قرأ الشموني عن أبي بكر بل ادرك موصولة الألف مشددة الدال بلا ألف بعدها و الباقون «بل ادارك» و في الشواذ قراءة سليمان بن يسار و عطاء بن يسار بل درك بفتح اللام و لا همزة و لا ألف و قراءة الحسن و أبي رجاء و ابن محيصن و قتادة بل آدرك و قراءة ابن عباس بلي بياء أدرك و قراءة أبي بل تدارك و قرأ أهل المدينة إذا كنا ترابا بكسر الألف آنا لمخرجون بالاستفهام بهمزة واحدة ممدودة عن أبي جعفر و قالون و غيره ممدودة عن ورش و إسماعيل و قرأ ابن عامر و الكسائي «أ إذا» بهمزتين إننا بنونين و قرأ ابن كثير و يعقوب أذا أنا بالاستفهام فيهما جميعا بهمزة واحدة غير ممدودة و قرأ أبو عمرو آذا آنا بالاستفهام فيهما جميعا بهمزة واحدة ممدودة و قرأ عاصم و حمزة و خلف «أ إذا أ إنا» بالاستفهام فيهما جميعا بهمزتين همزتين و قرأ ابن كثير في ضيق بكسر الضاد و الباقون بفتحها.

الحجة

قال أبو علي إن علم قد يصل بالجار كقوله تعالى أ لم يعلم بأن الله يرى و قولهم علمي بزيد يوم الجمعة و معنى أدرك بلغ و لحق يقال فلان أدرك الحسن أي لحق أيامه و هذا ما أدركه علمي أي بلغة فالمعنى أنهم لم يدركوا علم الآخرة أي لم يعلموا حدوثها و كونها و دل على ذلك قوله «بل هم في شك منها بل هم منها عمون» أي بل هم من علمها عمون و إذا كان كذلك كان معنى قوله «في الآخرة» معنى الباء أي لم يدركوا علمها و لم ينظروا في حقيقتها فيدركوا و لهذا قرأ من قرأ أدرك كأنه أراد لم يدركوه كما تقول أ جئتني أمس أي لم تجئني و المعنى لم يدرك علمهم بحدوث الآخرة بل هم في شك منها بل هم من علمها عمون و العمى عن علم الشيء أبعد منه من الشاك فيه لأن الشك قد يعرض عن ضرب من النظر و العمى عن الشيء الذي لم يدرك منه شيئا و أما من قال «ادارك» فإنه أراد تدارك فأدغم التاء في الدال لمقاربتها لها

و كونها من حيزها فلما سكتت التاء للإدغام اجتلبت لها همزة الوصل كما اجتلبتها في نحو ادارأتم و في التنزيل حتى إذا اداركوا فيها كان معناها تلاحقوا قال

تداركتم الأحلاف قد ثل عرشها ) و ما روي عن أبي بكر بل ادرك معناه افتعل من ادركت و افتعل و تفاعل يجيئان بمعنى و من ثم صح قولهم ازدوجوا و إن كان الحرف على صورة يجب فيها الانقلاب و لكنه صح لما كان بمعنى تفاعلوا و تفاعلوا يلزم فيه تصحيح حروف العلة لسكون الحرف الذي قبل حرف العلة فصار تصحيح هذا كتصحيح عور و حول لما كان بمعنى أعور و أحول و من قرأ بل درك فإنه خفف الهمزة بحذفها و إلقاء حركتها على اللام الساكنة قبلها نحو قد فلح في قد أفلح و أما قوله بل ادرك فإن بل استئناف و ما بعدها استفهام كما تقول أ زيد عندك بل أ عمرو عندك تركا للأول إلى غيره و أما بلى فكأنه جواب و ذلك لأنه لما قال قل لا يعلم من في السموات و الأرض الغيب إلا الله فكان قائلا قال ما الأمر كذلك فقيل له بلى ثم استؤنف فقيل أدرك علمهم في الآخرة و قد سبق ذكر الاستفهامين فيما تقدم و كذلك ذكر الضيق و الضيق و الأولى أن يحمل على أنهما لغتان.

اللغة

قال ابن الأعرابي ردفت و أردفت و لحقت و ألحقت بمعنى و ترادفوا تلاحقوا قال المبرد اللام في «ردف لكم» و قيل إنه إنما أتي باللام لأن معنى ردف دنا فكأنه قال دنا لكم كما قال الشاعر:

{فقلت لها الحاجات يطرحن بالفتى --- و هم تعناني معنى ركائبه}

قال يطرحن بالفتى لما كان معنى يطرحن يرمين و كننت الشيء في نفسي و أكننته إذا سترته في نفسك فهو مكن و مكنون قال الرماني الأكنان جعل الشيء بحيث الشيء لا يلحقه أذى بمانع يصده عنه.

الإعراب

العامل في إذا معنى قوله «مخرجون» لأن ما بعد إن لا يعمل فيما قبل أن فالتقدير أ إذا كنا ترابا أخرجنا و هذا في محل نصب لأنه مفعول ثان لوعد «عسى أن يكون

ردف لكم» يكون اسمه ضمير الأمر و الشأن و ما بعده خبره و أن يكون و ما يتعلق به في محل رفع بأنه فاعل عسى.

المعنى

لما أخبر سبحانه عن الكفار أنهم لا يشعرون متى يبعثون و أنهم شاكون عقبه بأنهم يعلمون حقيقة ذلك يوم القيامة فقال «بل ادارك علمهم في الآخرة» أي تتابع منهم العلم و تلاحق حتى كمل علمهم في الآخرة بما أخبروا به في الدنيا فهو على لفظ الماضي و المراد به الاستقبال أي يتدارك و من قرأ أدرك فمعناه سيدرك علمهم هذه الأشياء في الآخرة حين لا ينفعهم اليقين «بل هم في شك منها» في الدنيا عن ابن عباس و المعنى أن ما جهلوه في الدنيا و سقط علمه عنهم علموه في الآخرة و قيل معناه اجتمع علمهم يوم القيامة فلم يشكوا و لم يختلفوا عن السدي و قال مقاتل يقول بل علموا في الآخرة حين عاينوها ما شكوا و عموا عنه في الدنيا و قيل أن هذا على وجه الاستفهام فحذف الألف و المراد به النفي بمعنى أنه لم يدرك علمهم بالآخرة و لم يبلغها علمهم و قيل معناه أدرك هذا العلم جميع العقلاء لو تفكروا و نظروا لأن العقل يقتضي أن الإهمال قبيح فلا بد من تكليف و التكليف يقتضي الجزاء و إذا لم يكن ذلك في الدنيا فلا بد من دار للجزاء و قيل إن الآية إخبار عن ثلاث طوائف طائفة أقرت بالبعث و طائفة شكت فيه و طائفة نفته كما قال بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج و قوله «بل هم منها عمون» أي عن معرفتها و هو جمع عمي و هو الأعمى القلب لتركه التدبر و النظر «و قال الذين كفروا» بإنكارهم البعث «أ إذا كنا ترابا و آباؤنا أ إنا لمخرجون» من القبور مبعوثون يقولون ذلك على طريق الاستبعاد و الاستنكار «لقد وعدنا هذا» البعث «نحن» فيما مضى «و آباؤنا من قبل» أي و وعد آباؤنا ذلك من قبلنا فلم يكن مما قالوه شيء «إن هذا إلا أساطير الأولين» أي أحاديثهم و أكاذيبهم التي كتبوها «قل» يا محمد «سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين» الذين كفروا بالله و عصوه أي كيف أهلكهم الله و خرب ديارهم «و لا تحزن عليهم» أي على تكذيبهم و تركهم الإيمان «و لا تكن في ضيق» و هو ما يضيق به الصدر «مما يمكرون» أي يدبرون في أمرك فإن الله تعالى يحفظك و ينصرك عليهم «و يقولون متى هذا الوعد» الذي تعدنا يا محمد من العذاب «إن كنتم صادقين» بأنه يكون «قل» يا محمد «عسى أن يكون ردف لكم» أي قرب لكم عن ابن عباس و قيل أقرب لكم عن السدي و قيل أردف لكم عن قتادة «بعض الذي تستعجلون» من العذاب و عسى من الله واجب فمعناه أنه قرب منكم و سيأتيكم و هذا البعض

الذي دنا لهم القتل و الأسر يوم بدر و سائر العذاب لهم فيما بعد الموت و قيل هو الإنذار عند الموت و شدته و عذاب القبر عن الجبائي «و إن ربك لذو فضل على الناس» بضروب النعم الدينية و الدنيوية و قيل بإمهالهم ليتوبوا و الفضل هو الزيادة من الله تعالى للعبد على ما يستحقه بشكره و العدل حق للعبد و الفضل فيه واقع من الله تعالى إلا أنه على ما يصح و تقتضيه الحكمة «و لكن أكثرهم لا يشكرون» نعمه «و إن ربك ليعلم ما تكن صدورهم» أي تخفيه و تستره «و ما يعلنون» أي و يعلم ما يظهرونه أيضا «و ما من غائبة» أي من خصلة غائبة «في السماء و الأرض» يعني جميع ما أخفاه عن خلقه و غيبه عنهم «إلا في كتاب مبين» أي إلا و هو مبين في اللوح المحفوظ و قيل أراد أن جميع أفعالهم محفوظة عنده غير منسية كما يقول القائل أفعالك عندي مكتوبة أي محفوظة عن أبي مسلم و الجبائي.