۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة النمل، آية ٦٥

التفسير يعرض الآيات ٦٠ إلى ٦٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

أَمَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهۡجَةٖ مَّا كَانَ لَكُمۡ أَن تُنۢبِتُواْ شَجَرَهَآۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ يَعۡدِلُونَ ٦٠ أَمَّن جَعَلَ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارٗا وَجَعَلَ خِلَٰلَهَآ أَنۡهَٰرٗا وَجَعَلَ لَهَا رَوَٰسِيَ وَجَعَلَ بَيۡنَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ حَاجِزًاۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٦١ أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَآءَ ٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ ٦٢ أَمَّن يَهۡدِيكُمۡ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَمَن يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦٓۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ تَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٣ أَمَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَمَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٦٤ قُل لَّا يَعۡلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلۡغَيۡبَ إِلَّا ٱللَّهُۚ وَمَا يَشۡعُرُونَ أَيَّانَ يُبۡعَثُونَ ٦٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

أَمّنْ خَلَقَ السمَوَتِ وَ الأَرْض وَ أَنزَلَ لَكم مِّنَ السمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائقَ ذَات بَهْجَةٍ مّا كانَ لَكمْ أَن تُنبِتُوا شجَرَهَا أَ ءِلَهٌ مّعَ اللّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمّن جَعَلَ الأَرْض قَرَاراً وَ جَعَلَ خِلَلَهَا أَنْهَراً وَ جَعَلَ لهََا رَوَسىَ وَ جَعَلَ بَينَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَ ءِلَهٌ مّعَ اللّهِ بَلْ أَكثرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (61) أَمّن يجِيب الْمُضطرّ إِذَا دَعَاهُ وَ يَكْشِف السوءَ وَ يَجْعَلُكمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَ ءِلَهٌ مّعَ اللّهِ قَلِيلاً مّا تَذَكرُونَ (62) أَمّن يَهْدِيكمْ فى ظلُمَتِ الْبرِّ وَ الْبَحْرِ وَ مَن يُرْسِلُ الرِّيَحَ بُشرَا بَينَ يَدَى رَحْمَتِهِ أَ ءِلَهٌ مّعَ اللّهِ تَعَلى اللّهُ عَمّا يُشرِكونَ (63) أَمّن يَبْدَؤُا الخَْلْقَ ثُمّ يُعِيدُهُ وَ مَن يَرْزُقُكم مِّنَ السمَاءِ وَ الأَرْضِ أَ ءِلَهٌ مّعَ اللّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صدِقِينَ (64) قُل لا يَعْلَمُ مَن فى السمَوَتِ وَ الأَرْضِ الْغَيْب إِلا اللّهُ وَ مَا يَشعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ (65)

القراءة

قرأ أبو عمرو و هشام ما يذكرون بالياء و الباقون بالتاء و الوجه فيهما ظاهر.

اللغة

الحديقة البستان الذي عليه حائط و كل ما أحاط به البناء فهو حديقة و قيل الحديقة البستان الذي فيه النخل و القرار المكان المطمئن الذي يستقر فيه الماء و يقال للروضة المنخفضة قرارة و منه حديث ابن عباس قال علمي في علم علي (عليه السلام) كالقرارة في المثعنجر أي كالغدير في البحر و البرهان البيان بحجة.

الإعراب

«أ من» استفهام في محل الرفع على الابتداء و خبره «خلق» و «قرارا» نصب على الحال لأن جعل بمعنى خلق و إن كان بمعنى صير فهو مفعول ثان له «أ إله مع الله» مبتدأ و خبر تقديره أ إله ثبت مع الله و إنما جاز أن تكون النكرة مبتدأ لأنه استفهام و يجوز أن يكون خبر المبتدأ محذوفا أو يكون تقديره أ إله في الوجود مع الله «قليلا ما تذكرون» صفة مصدر محذوف تقديره تذكرون تذكرا قليلا و ما مزيدة و «بشرا» نصب على الحال و «بين يدي رحمته» ظرف منه

أيان في محل نصب لأنه ظرف زمان و العامل فيه «يبعثون».

المعنى

ثم عدد سبحانه الدلائل على توحيده و نعمه الشاملة لعبيدة فقال «أ من خلق السموات و الأرض» و تقديره أ ما تشركون خير أم من خلق السموات و الأرض أي أنشأهما و اخترعهما «و أنزل لكم من السماء ماء» أي غيثا و مطرا لكم أي لمنافعكم و لأجل معاشكم عرفهم سبحانه أن غيره لا يقدر على ذلك «فأنبتنا به حدائق» أي رياضا و بساتين و ما لم يكن عليه حائط لا يقال له حديقة «ذات بهجة» أي ذات منظر حسن يبتهج به من رآه و لم يقل ذوات بهجة لأنه أراد تأنيث الجماعة و لو أراد تأنيث الأعيان لقال ذوات و قال الشاعر:

{و سوف يعقبنيه إن ظفرت به --- رب كريم و بيض ذات أطهار}

«ما كان لكم أن تنبتوا شجرها» ما هنا للنفي أي لم يكونوا يقدرون على إنبات شجرها «أ إله مع الله» و هذا استفهام إنكار معناه هل معه معبود سواه أعانه على صنعه «بل» ليس معه إله «هم قوم يعدلون» يشركون بالله غيره يعني كفار مكة «أ من جعل الأرض قرارا» أي مستقرة لا تميل و لا تميد بأهلها «و جعل خلالها أنهارا» أي و جعل وسط الأرض و في مسالكها و نواحيها أنهارا جارية ينبت بها الزرع و يحيا بها الخلق «و جعل لها رواسي» أي جبالا ثوابت أثبت بها الأرض «و جعل بين البحرين حاجزا» أي مانعا من قدرته بين العذاب و الملح فلا يختلط أحدهما بالآخر «أ إله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون» توحيد ربهم و كمال قدرته و سلطانه «أ من يجيب المضطر إذا دعاه» أي يجيب المكروب المجهود فيكشف ضره و كربه و إجابة دعاء المضطر هي فعل ما يدعو به و هذا لا يكون إلا من قادر على الإجابة مختار لها و رأس المضطرين المذنب الذي يدعوه و يسأله المغفرة و منهم الخائف الذي يسأله الأمن و المريض الذي يطلب العافية و المحبوس الذي يطلب الخلاص فإن الكل إذا ضاق بهم الأمر فزعوا إلى رب العالمين و أكرم الأكرمين و إنما خص المضطر و إن كان قد يجيب غير المضطر لأن رغبته أقوى و سؤاله أخضع «و يكشف السوء» أي يدفع الشدة و كل ما يسوء «و يجعلكم خلفاء الأرض» يخلف كل قرن منكم القرن الذي قبله فيهلك قرنا و ينشىء قرنا و قيل يجعلكم خلفاء من الكفار بنزول بلادهم و طاعة الله تعالى بعد شركهم

و عنادهم «أ إله مع الله قليلا ما تذكرون» أي قليلا ما تتعظون عن ابن عباس و من قرأ بالياء فالمعنى قليلا ما يتذكر هؤلاء المشركون «أ من يهديكم في ظلمات البر و البحر» أي أ ما تشركون خير أم من يرشدكم إلى القصد و السمت في البر و البحر بما نصب لكم من الدلالات من الكواكب و القمر و إذا ظللتم و هو كقوله و هو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر و البحر «و من يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته» قد مضى تفسيره و وجوه القراءات فيه «أ إله مع الله تعالى الله عما يشركون» أي جل و تنزه عن الشريك كما يزعمه المشركون «أ من يبدأ الخلق» بأن يخترعه و يوجده و ينشئه على غير مثال و احتذاء ثم يميته و يفنيه «ثم يعيده» بعد الإفناء و إنما قال ذلك لأنهم أقروا بأنه الخالق فيلزمهم الإقرار بالبعث من حيث إن من قدر على الإنشاء قدر على الإعادة «و من يرزقكم من السماء و الأرض» بإنزال المطر و بإخراج الثمار و النبات «أ إله مع الله» يقدر على ذلك «قل» لهم يا محمد «هاتوا برهانكم» أي حجتكم «إن كنتم صادقين» إن لي شريكا صنع شيئا من هذه الأشياء فإذا لم يقدروا على إقامة البرهان على ذلك فاعلموا أنه لا إله معي و لا يستحق العبادة سواي «قل» يا محمد «لا يعلم من في السموات و الأرض» من الملائكة و الإنس و الجن «الغيب» و هو ما غاب علمه عن الخلق مما يكون في المستقبل «إلا الله» وحده أو من أعلمه الله تعالى «و ما يشعرون أيان يبعثون» أي متى يحشرون يوم القيامة دل سبحانه بهذه الآية كما دل بما تقدمها على قدرته.