۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة النمل، آية ٢٢

التفسير يعرض الآيات ٢٠ إلى ٢٦

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيۡرَ فَقَالَ مَالِيَ لَآ أَرَى ٱلۡهُدۡهُدَ أَمۡ كَانَ مِنَ ٱلۡغَآئِبِينَ ٢٠ لَأُعَذِّبَنَّهُۥ عَذَابٗا شَدِيدًا أَوۡ لَأَاْذۡبَحَنَّهُۥٓ أَوۡ لَيَأۡتِيَنِّي بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ٢١ فَمَكَثَ غَيۡرَ بَعِيدٖ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ وَجِئۡتُكَ مِن سَبَإِۭ بِنَبَإٖ يَقِينٍ ٢٢ إِنِّي وَجَدتُّ ٱمۡرَأَةٗ تَمۡلِكُهُمۡ وَأُوتِيَتۡ مِن كُلِّ شَيۡءٖ وَلَهَا عَرۡشٌ عَظِيمٞ ٢٣ وَجَدتُّهَا وَقَوۡمَهَا يَسۡجُدُونَ لِلشَّمۡسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمۡ لَا يَهۡتَدُونَ ٢٤ أَلَّاۤ يَسۡجُدُواْۤ لِلَّهِ ٱلَّذِي يُخۡرِجُ ٱلۡخَبۡءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُخۡفُونَ وَمَا تُعۡلِنُونَ ٢٥ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ۩ ٢٦

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ تَفَقّدَ الطيرَ فَقَالَ مَا لىَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغَائبِينَ (20) لأُعَذِّبَنّهُ عَذَاباً شدِيداً أَوْ لأَاذْبحَنّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنى بِسلْطنٍ مّبِينٍ (21) فَمَكَث غَيرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطت بِمَا لَمْ تحِط بِهِ وَ جِئْتُك مِن سبَإِ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنى وَجَدت امْرَأَةً تَمْلِكهُمْ وَ أُوتِيَت مِن كلِّ شىْءٍ وَ لهََا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدتّهَا وَ قَوْمَهَا يَسجُدُونَ لِلشمْسِ مِن دُونِ اللّهِ وَ زَيّنَ لَهُمُ الشيْطنُ أَعْمَلَهُمْ فَصدّهُمْ عَنِ السبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (24) أَلا يَسجُدُوا للّهِ الّذِى يخْرِجُ الْخَبءَ فى السمَوَتِ وَ الأَرْضِ وَ يَعْلَمُ مَا تخْفُونَ وَ مَا تُعْلِنُونَ (25) اللّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَب الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26)

القراءة

قرأ ابن كثير أو ليأتينني بنونين أولاهما مشددة مفتوحة و الباقون بنون واحدة مشددة و قرأ عاصم و يعقوب «فمكث» بفتح الكاف و الباقون بضم الكاف و قرأ أبو عمرو و ابن كثير في رواية البزي من سباء بفتح الهمزة و قرأ ابن كثير في رواية القواس و ابن فليح من سبإ بغير همزة و قرأ الباقون «من سبإ» مجرورة منونة و مثله سواء في سورة سبإ لقد كان لسبإ و قرأ أبو جعفر و الكسائي و رويس عن يعقوب ألا يسجدوا خفيفة اللام و قرأ الباقون «ألا يسجدوا» مثل قوله ألا يقولوا و من خفف وقف على ألا يا و ابتدأ اسجدوا و قرأ الكسائي و حفص عن عاصم «ما تخفون و ما تعلنون» بالتاء و الباقون بالياء.

الحجة

من قرأ «ليأتيني» حذف النون الثالثة التي هي قبل ياء المتكلم لاجتماع النونات و من قرأ ليأتينني فهو على الأصل و مكث و مكث لغتان و مما يقوي الفتح و قوله إنكم ماكثون و قوله ماكثين فيه أبدا و قال سيبويه ثمود و سبأ مرة للقبيلتين و مرة للحيين قال أبو علي يريد أن هذه الأسماء منها ما جاء على أنه اسم الحي نحو معد و قريش و ثقيف و منها ما يستوي فيه الأمران كثمود و سبإ و قال أبو الحسن في سبإ إن شئت صرفت فجعلته اسم أبيهم أو اسم الحي و إن شئت لم تصرف فجعلته اسم القبيلة قال و الصرف أحب إلي لأنه قد عرف أنه اسم أبيهم و إن كان اسم الأب يصير كالقبيلة إلا أني أحمله على الأصل و قال غيره هو اسم رجل و اليمانية كلها تنسب إليه يقولون سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان قال الزجاج من قال إن سبأ اسم رجل فغلط لأن سبأ هي مدينة تعرف بمأرب من اليمن بينها و بين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام قال الشاعر

من سبي الحامرين مأرب إذ

يبنون من دون سيله العرما فمن لم يصرف فلأنه اسم مدينة و من صرفه فلأن يكون اسما للبلد قال جرير:

{الواردون و تيم في ذري سبإ --- قد عض أعناقهم جلد الجواميس}

و من قرأ ألا يسجدوا فالتقدير فصدهم عن السبيل لأن لا يسجدوا على أنه مفعول له قال أبو علي و هذا هو الوجه لتجري القصة على سننها و لا يفصل بين بعضها و بعض ما ليس منها و إن كان الفصل بهذا النحو غير ممتنع لأنه يجري مجرى الاعتراض و كأنه لما قيل «و زين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون» فدل هذا الكلام على أنهم لا يسجدون لله قال ألا يا قوم اسجدوا لله خلافا عليهم و وجه دخول حرف التنبيه على الأمر أنه موضع يحتاج فيه إلى استعطاف المأمور لتأكيد ما يؤمر به عليه كما أن النداء موضع يحتاج فيه إلى استعطاف المنادى لما ينادي له من إخبار أو أمر أو نهي و نحو ذلك مما يخاطب به و إذا كان كذلك فيجوز أن لا تريد منادى في نحو قولك ألا يسجدوا كما لا تريد المنادى في نحو قوله:

{يا لعنة الله و الأقوام كلهم --- و الصالحين على سمعان من جار}

و كذلك ما حكي عن أبي عمرو من قوله يا ويل له و يجوز أن يراد بعد يا مأمورون فحذفوا كما حذف في قوله يا لعنة الله فكما أن يا هاهنا لا يجوز أن يكون إلا لغير اللعنة

كذلك يجوز أن يكون المأمورون مرادين و حذفوا من اللفظ و قد جاء هذا في مواضع من الشعر فمن ذلك ما أنشده أبو زيد

{فقالت ألا يا اسمع نعظك بخطة --- فقلت سميعا فانطقي و أصيبي}

و أنشد الزجاج لذي الرمة

{ألا يا أسلمي يا دار مي على البلى --- و لا زال منهلا بجرعائك القتر}

و للأخطل

{ألا يا أسلمي يا هند هند بني بدر --- و لا زال حيانا عدى آخر الدهر}

و مما يؤكد قراءة من قرأ «ألا يسجدوا» بالتشديد أنها لو كانت مخففة لما كانت في يسجدوا ياء لأنها اسجدوا ففي ثبات الياء في المصحف دلالة على التشديد و من قرأ يخفون و يعلنون بالياء فلأن الكلام على الغيبة و قراءة الكسائي فيهما بالتاء لأن الكلام قد دخله خطاب على قراءة اسجدوا لله و من قرأ ألا يا اسجدوا فيجوز أن يكون الخطاب للمؤمنين و الكافرين الذين جرى ذكرهم على لفظ الغيبة.

الإعراب

كان أبو عمرو يسكن الياء في قوله ما لي لا أرى الهدهد و يفتح في قوله و ما لي لا أعبد الذي فطرني لئلا يقف الواقف على ما لي و يبتدىء بلا أعبد و «لا أرى» في موضع نصب على الحال.

«أم كان من الغائبين» أم منقطعة التقدير بل أ هو من الغائبين و كان بمعنى يكون و اللام في «لأعذبنه» جواب قسم مقدر أي و الله لأعذبنه «غير بعيد» منصوب لأنه صفة ظرف أو صفة مصدر تقديره فمكث وقتا غير بعيد أو مكثا غير بعيد و «يسجدون» في موضع نصب على الحال من وجدت.

المعنى

ثم أخبر سبحانه عن سليمان فقال «و تفقد الطير» أي طلبه عند غيبته «فقال ما لي لا أرى الهدهد» أي ما للهدهد لا أراه تقول العرب ما لي أراك كئيبا و معناه ما لك

و لكنه من القلب الذي يوضح المعنى و اختلف في سبب تفقده الهدهد فقيل إنه احتاج إليه في سفره ليدله على الماء لأنه يقال إنه يرى الماء في بطن الأرض كما يراه في القارورة عن ابن عباس و روى العياشي بالإسناد قال قال أبو حنيفة لأبي عبد الله (عليه السلام) كيف تفقد سليمان الهدهد من بين الطير قال لأن الهدهد يرى الماء في بطن الأرض كما يرى أحدكم الدهن في القارورة فنظر أبو حنيفة إلى أصحابه و ضحك قال أبو عبد الله (عليه السلام) ما يضحكك قال ظفرت بك جعلت فداك قال و كيف ذلك قال الذي يرى الماء في بطن الأرض لا يرى الفخ في التراب حتى يؤخذ بعنقه قال أبو عبد الله (عليه السلام) يا نعمان أ ما علمت أنه إذا نزل القدر أغشى البصر و قيل إنما تفقده لإخلاله بنوبته عن وهب و قيل كانت الطيور تظله من الشمس فلما أخل الهدهد بمكانه بان بطلوع الشمس عليه «أم كان من الغائبين» معناه أ تأخر عصيانا أم غاب لعذر و حاجة قال المبرد لما تفقد سليمان الطير و لم ير الهدهد قال ما لي لا أرى الهدهد على تقدير أنه مع جنوده و هو لا يراه ثم أدركه الشك فشك في غيبته عن ذلك الجمع بحيث لم يره فقال أم كان من الغائبين أي بل أ كان من الغائبين كأنه ترك الكلام الأول و استفهم عن حاله و غيبته ثم أوعده على غيبته فقال «لأعذبنه عذابا شديدا» معناه لأعذبنه بنتف ريشه و إلقائه في الشمس عن ابن عباس و قتادة و مجاهد و قيل بأن أجعله بين أضداده و كما صح نطق الطير و تكليفه في زمانه معجزة له جازت معاتبته على ما وقع منه من تقصير فإنه كان مأمورا بطاعته فاستحق العقاب على غيبته «أو لأذبحنه» أي لأقطعن حلقه عقوبة على عصيانه «أو ليأتيني بسلطان مبين» أي بحجة واضحة تكون له عذرا في الغيبة «فمكث غير بعيد» أي فلم يلبث سليمان إلا زمانا يسيرا حتى جاء الهدهد و قيل معناه فلبث الهدهد في غيبته قليلا ثم رجع و على هذا فيجوز أن يكون التقدير فمكث في مكان غير بعيد قال ابن عباس فأتاه الهدهد بحجة «فقال أحطت بما لم تحط به» أي اطلعت على ما لم تطلع عليه و جئتك بأمر لم يخبرك به و لم يعلم به الإنس و بلغت ما لم تبلغه أنت و لا جنودك و هو قوله «و جئتك من سبإ بنبأ يقين» أي بخبر صادق و علم الإحاطة و هو أن يعلم الشيء من جميع جهاته التي يمكن أن يعلم عليها تشبيها بالسور المحيط بما فيه و في الكلام حذف تقديره ثم جاء الهدهد فسأله سليمان عن سبب غيبته فقال أحطت بما لم تحط به و في هذا دلالة على أنه يجوز أن يكون في زمن الأنبياء من يعرف ما لا يعرفونه و سبأ مدينة بأرض اليمن عن قتادة و قيل إن الله تعالى بعث إلى سبإ اثني عشر نبيا عن السدي و روى علقمة بن وعلة عن ابن عباس قال سئل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن سبإ فقال هو رجل ولد له عشرة من العرب تيامن منهم ستة و تشأم أربعة فالذين تشأموا لخم و جذام و غسان و عاملة و الذين تيامنوا كندة و الأشعرون و الأزد و مذحج و حمير

###

و أنمار و من الأنمار خثعم و بجيلة «إني وجدت امرأة تملكهم» أي تتصرف فيهم بحيث لا يعترض عليها أحد «و أوتيت من كل شيء» و هذا اختار عن سعة ملكها أي من كل شيء من الأموال و ما يحتاج إليه الملوك من زينة الدنيا و قال الحسن و هي بلقيس بنت شراحيل ملكة سبإ و قيل شرحبيل ولدها أربعون ملكا آخرهم أبوها " شرحبيل " قال قتادة و كان أولوا مشورتها ثلاثمائة و اثني عشر قيلا كل قيل منهم تحت رايته ألف مقاتل «و لها عرش عظيم» أي سرير أعظم من سريرك و كان مقدمه من ذهب مرصع بالياقوت الأحمر و الزمرد الأخضر و مؤخرة من فضة مكلل بألوان الجواهر و عليه سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق و عن ابن عباس قال كان عرش بلقيس ثلاثين ذراعا في ثلاثين ذراعا و طوله في الهواء ثلاثون ذراعا و قال أبو مسلم المراد بالعرش الملك «وجدتها و قومها يسجدون للشمس من دون الله و زين لهم الشيطان أعمالهم» أي عبادتهم للشمس من دون الله «فصدهم عن السبيل» أي صرفهم عن سبيل الحق «فهم لا يهتدون» قال الجبائي لم يكن الهدهد عارفا بالله تعالى و إنما أخبر بذلك كما يخبر مراهقو صبياننا لأنه لا تكليف إلا على الملائكة و الإنس و الجن فيرانا الصبي على عبادة الله فيتصوران ما خالفها باطل فكذلك الهدهد تصور له أن ما خالف فعل سليمان باطل و هذا الذي ذكره خلاف ظاهر القرآن لأنه لا يجوز أن يفرق بين الحق الذي هو السجود لله و بين الباطل الذي هو السجود للشمس و أن أحدها حسن و الآخر قبيح إلا العارف بالله سبحانه و بما يجوز عليه و ما لا يجوز أن يفرق بين الحق الذي هو السجود لله و بين الباطل الذي هو السجود للشمس و أن أحدها حسن و الآخر قبيح إلا العارف بالله سبحانه و بما يجوز عليه و ما لا يجوز هذا مع نسبة تزين أعمالهم و صدهم عن طريق الحق إلى الشيطان و هذا مقالة من يعرف العدل و أن القبيح غير جائز على الله سبحانه «ألا يسجدوا لله» قد بينا أن التخفيف إنما هو على معنى الأمر بالسجود و دخلت الياء للتنبيه أو على تقدير ألا يا قوم اسجدوا لله و قيل إنه أمر من الله تعالى لجميع خلقه بالسجود له اعترض في الكلام و قيل إنه من كلام الهدهد قاله لقوم بلقيس حين وجدهم يسجدون لغير الله و قاله لسليمان عند عوده إليه استنكارا لما وجدهم عليه و القراءة بالتشديد على معنى زين لهم الشيطان ضلالتهم لئلا يسجدوا لله و ذكر الفراء أن القراءة بالتشديد لا توجب سجدة التلاوة و هذا غير صحيح لأن الكلام قد تضمن الذم على ترك السجود فيه دلالة على وجوب السجود و هو كقوله و إذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا و ما الرحمن الآية «الذي يخرج الخبء في السموات و الأرض»

الخبء المخبوء و هو ما أحاط به غيره حتى منع من إدراكه و هو مصدر وصف به يقال خبأته أخبؤه خبأ و ما يوجده الله تعالى فيخرجه من العدم إلى الوجود يكون بهذه المنزلة و قيل الخبء الغيب و هو كل ما غاب عن الإدراك فالمعنى يعلم غيب السماوات و الأرض عن عكرمة و مجاهد و قيل إن خبء السماوات المطر و خبء الأرض النبات و الأشجار عن ابن زيد «و يعلم ما تخفون و ما تعلنون» أي يعلم السر و العلانية «الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم» إلى هاهنا تمام الحكاية لما قاله الهدهد و يحتمل أن يكون ابتداء إخبار من الله تعالى و العرش سرير الملك الذي عظمه الله و رفعه فوق السماوات السبع و جعل الملائكة تحف به و ترفع أعمال العباد إليه و تنشأ البركات من جهته فهو عظيم الشأن كما وصفه الله تعالى و هو أعظم خلق الله تعالى.