۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الشعراء، آية ٥٩

التفسير يعرض الآيات ٥١ إلى ٦٨

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

إِنَّا نَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَٰيَٰنَآ أَن كُنَّآ أَوَّلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٥١ ۞ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِيٓ إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ٥٢ فَأَرۡسَلَ فِرۡعَوۡنُ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ٥٣ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَشِرۡذِمَةٞ قَلِيلُونَ ٥٤ وَإِنَّهُمۡ لَنَا لَغَآئِظُونَ ٥٥ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَٰذِرُونَ ٥٦ فَأَخۡرَجۡنَٰهُم مِّن جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ٥٧ وَكُنُوزٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ ٥٨ كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٥٩ فَأَتۡبَعُوهُم مُّشۡرِقِينَ ٦٠ فَلَمَّا تَرَٰٓءَا ٱلۡجَمۡعَانِ قَالَ أَصۡحَٰبُ مُوسَىٰٓ إِنَّا لَمُدۡرَكُونَ ٦١ قَالَ كـَلَّآۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهۡدِينِ ٦٢ فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقٖ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِيمِ ٦٣ وَأَزۡلَفۡنَا ثَمَّ ٱلۡأٓخَرِينَ ٦٤ وَأَنجَيۡنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ أَجۡمَعِينَ ٦٥ ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ ٦٦ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ٦٧ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٦٨

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

إِنّا نَطمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبّنَا خَطيَنَا أَن كُنّا أَوّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51) وَ أَوْحَيْنَا إِلى مُوسى أَنْ أَسرِ بِعِبَادِى إِنّكم مّتّبَعُونَ (52) فَأَرْسلَ فِرْعَوْنُ فى الْمَدَائنِ حَشِرِينَ (53) إِنّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَ إِنهُمْ لَنَا لَغَائظونَ (55) وَ إِنّا لجََمِيعٌ حَذِرُونَ (56) فَأَخْرَجْنَهُم مِّن جَنّتٍ وَ عُيُونٍ (57) وَ كُنُوزٍ وَ مَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِك وَ أَوْرَثْنَهَا بَنى إِسرءِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُم مّشرِقِينَ (60) فَلَمّا تَرءَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصحَب مُوسى إِنّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ َكلا إِنّ مَعِىَ رَبى سيهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلى مُوسى أَنِ اضرِب بِّعَصاك الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكانَ كلّ فِرْقٍ كالطوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَ أَزْلَفْنَا ثَمّ الاَخَرِينَ (64) وَ أَنجَيْنَا مُوسى وَ مَن مّعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمّ أَغْرَقْنَا الاَخَرِينَ (66) إِنّ فى ذَلِك لاَيَةً وَ مَا كانَ أَكْثرُهُم مّؤْمِنِينَ (67) وَ إِنّ رَبّك لهَُوَ الْعَزِيزُ الرّحِيمُ (68)

القراءة

قرأ ابن عامر و أهل الكوفة حاذرون بالألف و الباقون بغير ألف و قرأ فاتبعوهم موصولة الألف مشددة التاء زيد عن يعقوب و قرأ الباقون «فأتبعوهم» بقطع الألف و سكون التاء و قرأ حمزة و نصير عن الكسائي و خلف ترىء الجمعان بكسر الراء و الباقون بفتحها و في الشواذ قراءة أبان بن تغلب إن كنا أول المؤمنين بكسر الهمزة من أن و قراءة ابن أبي عامر حادرون بالدال غير المعجمة و قراءة الأعرج و عبيد بن عمير إنا لمدركون بتشديد الدال و قراءة عبد الله بن الحرث و أزلقنا بالقاف.

الحجة

قال أبو علي قال أبو عبيدة رجل حذر و حذر و حاذر قال ابن أحمر:

{هل ينسان يومي إلى غيره --- أني حوالي و أني حذر حوالي}

أي ذو حيلة و قال العباس بن مرداس:

{و إني حاذر أنمي سلاحي --- إلى أوصال ذيال منيع}

و وجه إمالة الحركة على الراء من تراءى أن قياسه أن يكون تراآى في الموقف مثال تراعى فأمال فتحة الراء لإمالة فتحة الهمزة التي أميلت ليميل الألف نحو الياء كما قالوا رأى

أمالوا فتحة الراء لإمالة فتحة الهمزة فإن قيل فإذا وصل و قيل تراه الجمعان فهلا لم يجز إمالة الفتحة التي على الراء لأنه إذا كان إمالتها لإمالة فتحة الهمزة و ما يوجب إمالة الفتحة فقد سقط و هو الألف المنقلبة من الياء التي سقطت لالتقاء الساكنين فإذا سقطت لم يجز إمالة فتحة الهمزة فإذا لم يجز إمالة فتحة الهمزة وجب أن لا يجوز إمالة فتحة الراء فقيل إن إمالة فتحة الراء في تراآى جائزة في الوصل مع سقوط الألف من تفاعل لالتقاء الساكنين و ما سقط الألف عن تفاعل لالتقاء الساكنين فهو عندهم في حكم الثابت يدل على ذلك قولهم

و لا ذاكرا لله إلا قليلا فنصب مع سقوط التنوين لالتقاء الساكنين كما ينصب إذا ثبت و زعم أبو الحسن أنه قد قرأ في القتلى الحر بإمالة فتحة اللام مع سقوط الألف و قال ابن جني قوله إن كنا أول المؤمنين من الكلام الذي يعتاده المستظهر المدل بما عنده يقول الرجل لصاحبه أنا أحفظه عليك إن كنت وافيا و لن يضيع لك جميل عندي إن كنت شاكرا أي فكما تعلم إن هذا معروف من حالي فثق بوفائي و شكري و مثله بيت كتاب سيبويه:

{أ تغضب أن أذنا قتيبة حزتا --- جهارا و لم تغضب لقتل ابن حازم}

فشرط بذلك و قد كان و وقع قبل ذلك و قد جاء به أبو تمام فقال:

{و مكارما عتق النجار تليدة --- إن كان هضب عمايتين تليدا}

أي كما كان هضب عمايتين تليدا فكذلك هذه المكارم و أما قوله حادرون فالحادر القوي الشديد و منه الحادرة الشاعرة و حدر الرجل إذا قوي جسمه و امتلأ لحما و شحما قال الأعشى:

{و عسير أدماء حادرة العين --- خنوف عير أنة شملال}

و يقال أدركت الشيء و أدركته بمعنى و من قرأ «و أزلفنا» بالفاء فالآخرون موسى و أصحابه و من قرأ بالقاف فالآخرون فرعون و أصحابه أي أهلكناهم.

اللغة

سرى و أسرى لغتان و قد فرق بينهما و الشرذمة العصبة الباقية من عصب كثيرة

و شرذمة كل شيء بقيته القليلة قال الراجز:

{جاه الشتاء و قميصي أخلاق --- شراذم يضحك منها التواق}

و الفرق بين الحذر و الحاذر أن الحاذر الفاعل للحذر و الحذر المطبوع على الحذر و الكنوز الأموال المخباة في مواضع غامضة من الأرض بعضها على بعض و منه كناز التمر و غيره مما يعبأ بعضه على بعض و المقام الموضع الذي يقام فيه و الكريم الحقيق بإعطاء الخير الجزيل و هي صفة تعظيم في المدح و اتبع فلان فلانا و تبعه إذا اقتفى أثره و الإشراق الدخول في وقت شروق الشمس و يقال شرقت الشمس إذا طلعت و أشرقت إذا أضاءت و صفت و أشرقنا دخلنا في الشروق و تراءا الجمعان أي تقابلا بحيث يرى كل منهما صاحبه و يقال تراءى نارا هما إذا تقابلا و إنما جاز تثنية الجمع لأنه يقع عليه صفة التوحيد فتقول هذا جمع واحد كما تقول جملة واحدة و الإدراك اللحاق يقال أدرك قتادة الحسن أي لحقه و أدرك الزرع أي لحق ببلوغه و أدرك الغلام أي بلغ و أدركت القدر نضجت و الطود الجبل قال الأسود بن يعفر:

{حلوا بانقرة يجيش عليهم --- ماء الفرات يجيء من أطواد}

و الإزدلاف الإدناء و التقريب و منه المزدلفة أبو عبيدة أزلفنا جمعنا و ليلة المزدلفة ليلة جمع قال الشاعر:

{و كل يوم مضى أو ليلة سلفت --- فيها النفوس إلى الآجال تزدلف}

و الآخر بفتح الخاء الثاني من قسمي أحد يقال نجى الله أحدهما و أهلك الآخر و بكسر الخاء هو الثاني من قسمي الأول يقال نجى الأول و هلك الآخر.

المعنى

ثم أخبر سبحانه عن السحرة أنهم قالوا لفرعون حين آمنوا «إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا» أي ما فعلناه من السحر و غيره «أن كنا أول المؤمنين» أي لأنا كنا أول من صدق موسى و أقر بنبوته و بما دعانا إليه من التوحيد و نفي التشبيه و قيل أنهم أول من آمن عند تلك الآية أو أول من آمن من آل فرعون لأن بني إسرائيل كانوا آمنوا به «و أوحينا

إلى موسى أن أسر بعبادي» سبق تفسيره في سورة طه «إنكم متبعون» بتبعكم فرعون و جنوده ليحولوا بينكم و بين الخروج من أرض مصر «فأرسل فرعون في المدائن حاشرين» يحشرون إليه الناس و يجمعون له الجيوش ليقبضوا على موسى و قومه لما ساروا بأمر الله عز و جل فلما حضروا عنده قال لهم «إن هؤلاء» يعني أصحاب موسى «لشرذمة قليلون» أي عصابة من الناس قليلة قال الفراء يقال عصبة قليلة و قليلون و كثيرة و كثيرون قال المفسرون و كان الشرذمة الذين قللهم فرعون ستمائة ألف و لا يحصى عدد أصحاب فرعون «و إنهم لنا لغائظون» يقال غاظه و اغتاظه و غيظه إذا أغضبه أي أنهم غاظونا لمخالفتهم إيانا في الدين ثم لخروجهم من أرضنا على كره منا و ذهابهم بالحلي الذي استعاروها و خلوصهم من استعبادنا «و إنا لجميع حاذرون» أي خائفون شرهم و حاذرون أي مؤدون مقوون أي ذوو أداة و قوة مستعدون شاكون في السلاح و قال الزجاج الحاذر المستعد و الحذر المتيقظ ثم أخبر سبحانه عن كيفية إهلاكهم بقوله «فأخرجناهم» يعني آل فرعون «من جنات» أي بساتين «و عيون» جارية فيها «و كنوز» أي أموال مخبأة و خزائن و دفائن «و مقام كريم» أي منابر يخطب عليها الخطباء عن ابن عباس و قيل هو مجالس الأمراء و الرؤساء التي كان يحف بها الأتباع فيأتمرون بأمرهم و قيل المنازل الحسان التي كانوا مقيمين فيها في كرامة و قيل يريد مرابط الحيل لتفرد الرؤساء بارتباطها عدة و زينة فصار مقامها أكرم مقام متروك «كذلك» أي كما وصفنا لك أخبارهم «و أورثناها بني إسرائيل» و ذلك إن الله سبحانه رد بني إسرائيل إلى مصر بعد ما أغرق فرعون و قومه و أعطاهم جميع ما كان لفرعون و قومه من الأموال و العقار و المساكن و الديار «فأتبعوهم مشرقين» يعني قوم فرعون أدركوا موسى و أصحابه حين شرقت الشمس و ظهر ضوءها و ذلك قوله «فلما تراءا الجمعان» أي تقابلا بحيث يرى كل فريق صاحبه «قال أصحاب موسى إنا لمدركون» أي سيدركنا جمع فرعون و لا طاقة لنا بهم «قال» موسى ثقة بنصر الله تعالى «كلا» لن يدركونا و لا يكون ما تظنون فانتهوا عن هذا القول «إن معي ربي» بنصره «سيهدين» أي سيرشدني إلى طريق النجاة و قيل سيكفيني عن السدي «فأوحينا إلى موسى أن أضرب بعصاك البحر» و هو نهر النيل ما بين إيلة و مصر و قيل هو بحر قلزم ما بين اليمن و مكة إلى مصر و فيه حذف أي فضرب «فانفلق» أي فانشق البحر و ظهر فيه اثنا عشر طريقا و قام الماء عن يمين الطريق و يساره كالجبل العظيم و ذلك قوله «فكان كل فرق كالطود العظيم» أي فكان كل قطعة من البحر كالجبل العظيم و الفرق الاسم لما انفرق و الفرق مصدر «و أزلفنا ثم الآخرين» أي قربنا إلى البحر فرعون و قومه حتى أغرقناهم عن

ابن عباس و قتادة و قيل معناه جمعنا في البحر فرعون و قومه عن أبي عبيدة و قيل معناه و قربناهم إلى المنية لمجيء وقت هلاكهم «و أنجينا موسى و من معه أجمعين» يعني بني إسرائيل أنجينا جميعهم من الغرق و الهلاك «ثم أغرقنا الآخرين» فرعون و جنوده «إن في ذلك لآية» معناه إن في فرق البحر و إنجاء موسى و قومه و إغراق فرعون و قومه لدلالة واضحة على توحيد الله و صفاته التي لا يشاركه فيها غيره «و ما كان أكثرهم مؤمنين» معناه أنهم مع هذا السلطان الظاهر و البرهان الباهر و المعجز القاهر ما آمن أكثرهم فلا تستوحش يا محمد من قعود قومك عن الحق الذي تأتيهم به و تدلهم عليه فقد جروا على عادة أسلافهم في إنكار الحق و قبول الباطل «و إن ربك لهو العزيز» في سلطانه «الرحيم» بخلقه و قيل العزيز في انتقامه من أعدائه الرحيم في إنجائه من الهلاك لأوليائه و قيل أنه لم يؤمن من أهل مصر غير آسية امرأة فرعون و مؤمن آل فرعون و مريم التي دلت على عظام يوسف.