۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الفرقان، آية ٧٧

التفسير يعرض الآيات ٧١ إلى ٧٧

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابٗا ٧١ وَٱلَّذِينَ لَا يَشۡهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِٱللَّغۡوِ مَرُّواْ كِرَامٗا ٧٢ وَٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ لَمۡ يَخِرُّواْ عَلَيۡهَا صُمّٗا وَعُمۡيَانٗا ٧٣ وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا ٧٤ أُوْلَٰٓئِكَ يُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوۡنَ فِيهَا تَحِيَّةٗ وَسَلَٰمًا ٧٥ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ حَسُنَتۡ مُسۡتَقَرّٗا وَمُقَامٗا ٧٦ قُلۡ مَا يَعۡبَؤُاْ بِكُمۡ رَبِّي لَوۡلَا دُعَآؤُكُمۡۖ فَقَدۡ كَذَّبۡتُمۡ فَسَوۡفَ يَكُونُ لِزَامَۢا ٧٧

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ مَن تَاب وَ عَمِلَ صلِحاً فَإِنّهُ يَتُوب إِلى اللّهِ مَتَاباً (71) وَ الّذِينَ لا يَشهَدُونَ الزّورَ وَ إِذَا مَرّوا بِاللّغْوِ مَرّوا كرَاماً (72) وَ الّذِينَ إِذَا ذُكرُوا بِئَايَتِ رَبِّهِمْ لَمْ يخِرّوا عَلَيْهَا صمّا وَ عُمْيَاناً (73) وَ الّذِينَ يَقُولُونَ رَبّنَا هَب لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَ ذُرِّيّتِنَا قُرّةَ أَعْينٍ وَ اجْعَلْنَا لِلْمُتّقِينَ إِمَاماً (74) أُولَئك يجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صبرُوا وَ يُلَقّوْنَ فِيهَا تحِيّةً وَ سلَماً (75) خَلِدِينَ فِيهَا حَسنَت مُستَقَرّا وَ مُقَاماً (76) قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكمْ رَبى لَوْ لا دُعَاؤُكمْ فَقَدْ كَذّبْتُمْ فَسوْف يَكونُ لِزَامَا (77)

القراءة

قرأ أبو عمرو و أهل الكوفة غير حفص و ذريتنا و الباقون «ذرياتنا» على الجمع و قرأ يلقون بفتح الياء و التخفيف أهل الكوفة غير حفص و الباقون «يلقون» بضم الياء و التشديد و في قراءة أهل البيت (عليهم السلام) و اجعل لنا من المتقين إماما و القراءة المشهورة «و اجعلنا للمتقين إماما» و في قراءة ابن عباس و ابن الزبير فقد كذب الكافرون.

الحجة

قال أبو علي الذرية تكون واحدة و تكون جمعا فمن قرأ و ذريتنا على الإفراد فإنه أراد به الجمع فاستغنى عن جمعه لما كان جمعا و من جمع فكما يجمع هذه الأسماء التي تدل على الجمع نحو قوم و أقوام و جاء في الحديث صواحبات يوسف و حجة من قرأ «و يلقون» قوله و لقاهم نضرة و سرورا و حجة من خفف فسوف يلقون غيا و من قرأ فقد كذب الكافرون ترك لفظ الحضور إلى الغيبة أ لا ترى أن قبله «قل ما يعبؤ بكم ربي لو لا دعاؤكم».

اللغة

القرة مصدر يقال قرت عينه قرة و يكون من القرور و هو برد العين عند السرور و يكون أيضا من استقرارها عند السرور و قوله إماما مصدر من أم فلان فلانا إماما كما قيل قام قياما و صام صياما و لذلك وحده هنا من جمع إماما فقال أئمة فلأنه قد كثر في معنى الصفة و قيل إنه إنما وحد لأنه جاء على الجواب كقول القائل من أميركم فيقول المجيب هؤلاء أميرنا قال الشاعر.

{يا عاذلاتي لا تردن ملامتي --- إن العواذل لسن لي بأمير}

و قيل إنما وحد لأن المعنى و اجعل كل واحد منا إماما فأجمل فالمعنى معنى التفصيل و قال الزجاج تأويل «ما يعبؤ بكم» أي وزن يكون لكم عنده كما يقال ما عبأت بفلان أي ما كان له عندي وزن و لا قدر و أصل العبء في اللغة الثقل و قيل أصله من تهيئة الشيء يقال عبئت الطيب أعبؤ عبا إذا هيأته قال الشاعر يصف أسدا

{كأن بنحره و بمنكبيه --- عبيرا، بات تعبأه عروس}

أي تهيئة و عبأت الجيش بالتشديد و التخفيف إذا هيأته و ما أعبؤ به أي لا أهيء به أمرا.

المعنى

ثم قال سبحانه «و من تاب» أي أقلع عن معاصيه و ندم عليها «و عمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا» أي يرجع إليه مرجعا عظيما جميلا و فرق علي بن عيسى بين التوبة إلى الله و التوبة من القبيح لقبحه بأن التوبة إلى الله تقتضي طلب ثوابه و ليس كذلك التوبة من القبيح لقبحه فعلى هذا يكون المعنى من عزم على التوبة من المعاصي فإنه ينبغي أن يوجه توبته إلى الله بالقصد إلى طلب جزائه و رضائه عنه فإنه يرجع إلى الله فيكافيه و قيل معناه من تاب و عمل صالحا فقد انقطع إلى الله فاعرفوا ذلك له فإن من انقطع إلى خدمة بعض الملوك فقد أحرز شرفا فكيف المنقطع إلى الله سبحانه ثم عاد سبحانه إلى وصف عباده المخلصين فقال «و الذين لا يشهدون الزور» أي لا يحضرون مجالس الباطل و يدخل فيه مجالس الغناء و الفحش و الخنا و قيل الزور الشرك عن الضحاك قال الزجاج الزور في اللغة الكذب و لا كذب فوق الشرك بالله و قيل الزور أعياد أهل الذمة كالسعانين و غيرها عن محمد بن سيرين و قيل هو الغناء عن مجاهد و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) و أبي عبد الله (عليه السلام) و قيل يعني شهادة الزور عن علي بن أبي طلحة فيكون المراد أنهم لا يشهدون شهادة الزور فحذف المضاف و كان عمر بن الخطاب يجلد شاهد الزور أربعين جلدة و يسخم وجهه و يطوف به في السوق و أصل الزور تمويه الباطل بما يوهم أنه حق «و إذا مروا باللغو مروا كراما» و اللغو المعاصي كلها أي مروا به مر الكرماء الذين لا يرضون باللغو لأنهم يجلون عن الدخول فيه و الاختلاط بأهله عن الحسن و الكلبي و التقدير إذا مروا بأهل اللغو و ذوي اللغو مروا منزهين أنفسهم معرضين عنهم فلم يجاروهم فيه و لم يخوضوا معهم في ذلك فهذه صفة الكرام يقال تكرم فلان عما يشينه إذا تنزه و أكرم نفسه عنه و قيل مرورهم كراما هو أن يمروا بمن يسبهم فيصفحون عنه و بمن يستعين بهم على حق فيعينونه و قيل هم الذين إذا أرادوا ذكر الفرج كنوا عنه عن أبي جعفر (عليه السلام) و مجاهد و أصل اللغو هو الفعل الذي لا فائدة فيه و لهذا يقال للكلمة التي لا تفيد لغو و ليس المراد به القبيح فإن فعل الساهي و النائم لغو و ليس بحسن و لا قبيح إلا ما يتعدى إلى الغير على الخلاف فيه «و الذين إذا ذكروا

بآيات ربهم لم يخروا عليها صما و عميانا» أي إذا وعظوا بالقرآن و الأدلة التي نصبها الله لهم نظروا فيها و تفكروا في مقتضاها و لم يقعوا عليها صما كأنهم لم يسمعوها و عميانا كأنهم لهم يروها لكنهم سمعوها و أبصروها و انتفعوا بها و تدبروا لها قال الحسن كم من قارىء يقرؤها فخر عليها أصم و أعمى و قال الأخفش «لم يخروا عليها» أي لم يقيموا و قال ابن قتيبة لم يتغافلوا عنها كأنهم صم لم يسمعوها و عمي لم يروها «و الذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا و ذرياتنا قرة أعين» أي اجعل أزواجنا و ذرياتنا قرة أعين بأن نراهم يطيعون الله عن الحسن و قيل معناه ارزقنا من أزواجنا أولادا و من ذريتنا أعقابا قرة أعين أي أهل طاعة تقر بهم أعيننا في الدنيا بالصلاح و في الآخرة بالجنة «و اجعلنا للمتقين إماما» أي اجعلنا ممن يقتدي بنا المتقون طلبوا العز بالتقوى لا بالدنيا و قيل معناه اجعلنا نأتم بمن قبلنا حتى يأتم أي يقتدي بنا من بعدنا و على هذا فيجوز أن يكون اللام في اللفظ في المتقين و في المعنى في نا و التقدير و اجعل المتقين لنا إماما و مثله قول الشاعر

كأننا رعن قف يرفع الآلا و التقدير يرفعه الآل ثم أخبر سبحانه عن جميع هذه الأوصاف فقال «أولئك يجزون الغرفة» أي يثابون الدرجة الرفيعة في الجنة «بما صبروا» على أمر ربهم و طاعة نبيهم و على مشاق الدنيا و صعوبة التكليف و قيل هي غرف الزبرجد و الدر و الياقوت عن عطا و الغرفة في الأصل بناء فوق بناء و قيل الغرفة اسم لأعلى منازل الجنة و أفضلها كما أنها في الدنيا أعلى المساكن «و يلقون فيها تحية و سلاما» أي تتلقاهم الملائكة فيها بالتحية و هي كل قول يسر به الإنسان و بالسلام بشارة لهم بعظيم الثواب و قيل التحية الملك العظيم و السلام جميع أنواع السلامة و قيل التحية البقاء الدائم و قال الكلبي يحيي بعضهم بعضا بالسلام و يرسل إليهم الرب بالسلام «خالدين» أي مقيمين «فيها» من غير موت و لا زوال «حسنت» الغرفة «مستقرا و مقاما» أي موضع قرار و استقامة «قل» يا محمد «ما يعبؤ بكم ربي» أي ما يصنع بكم ربي عن مجاهد و ابن زيد و قيل ما يبالي بكم ربي عن أبي عمرو بن العلاء و ما لا يعبأ به فوجوده و عدمه سواء «لو لا دعاؤكم» أي لو لا دعاؤه إياكم إلى الدين و الإسلام عن ابن عباس فيكون المصدر مضافا إلى المفعول و المعنى قل للمشركين ما يفعل بكم ربي أي أي نفع له فيكم و أي ضرر يعود إليه من عدمكم و أي قدر لكم عند الله حتى يدعوكم إلى الإيمان لكن الواجب في الحكمة دعاؤكم إلى الدين و إرسال الرسول و قد فعل و قيل معناه لو لا عبادتكم له و إيمانكم به و توحيدكم إياه عن الكلبي و مقاتل و الزجاج فيكون الدعاء بمعنى

العبادة و في هذا دلالة على أن من لا يعبد الله و لا يطيعه فلا وزن له عند الله و قيل معناه ما يعبأ بعذابكم ربي لو لا دعاء بعضكم بعضا إلى الشرك و الشر عن البلخي و دليله ما يفعل الله بعذابكم الآية و قيل معناه لو لا دعاؤكم له إذا مسكم ضر أو أصابكم سوء رغبة له و خضوعا له و روى العياشي بإسناده عن يزيد بن معاوية العجلي قال قلت لأبي جعفر (عليه السلام) كثرة القراءة أفضل أم كثرة الدعاء أفضل قال كثرة الدعاء أفضل و قرأ هذه الآية «فقد كذبتم» الخطاب لأهل مكة أي أن الله دعاكم بالرسول إلى توحيده و عبادته فقد كذبتم يا معاشر الكفار الرسول «فسوف يكون لزاما» أي فسوف يكون عقابه لتكذيبكم إياه لازما لكم قال صخر الغي:

{فأما ينجوا من حتف أرضي --- فقد لقيا حتوفهما لزاما}

أي أنه واقع لا محالة قال الزجاج تأويله فسوف يكون تكذيبكم لزاما يلزمكم فلا تعطون التوبة و تلزمكم به العقوبة و قال أبو عبيدة لزاما فيصلا و قيل في تفسير اللزام أنه القتل يوم بدر عن ابن مسعود و أبي بن كعب و قيل هو عذاب الآخرة و قال أبو ذؤيب في اللزام:

{ففاجأه بعادية لزام --- كما يتفجر الحوض اللقيف}

فلزام معناه كثيرة يلزم بعضها بعضا و لقيف متساقط متهدم و بالله التوفيق.