۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الفرقان، آية ٥٢

التفسير يعرض الآيات ٥١ إلى ٦٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَلَوۡ شِئۡنَا لَبَعَثۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٖ نَّذِيرٗا ٥١ فَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَجَٰهِدۡهُم بِهِۦ جِهَادٗا كَبِيرٗا ٥٢ ۞ وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞ وَجَعَلَ بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٗا وَحِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا ٥٣ وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلۡمَآءِ بَشَرٗا فَجَعَلَهُۥ نَسَبٗا وَصِهۡرٗاۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرٗا ٥٤ وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمۡ وَلَا يَضُرُّهُمۡۗ وَكَانَ ٱلۡكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِۦ ظَهِيرٗا ٥٥ وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٥٦ قُلۡ مَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍ إِلَّا مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلٗا ٥٧ وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡحَيِّ ٱلَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِهِۦۚ وَكَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًا ٥٨ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَسۡـَٔلۡ بِهِۦ خَبِيرٗا ٥٩ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسۡجُدُواْۤ لِلرَّحۡمَٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحۡمَٰنُ أَنَسۡجُدُ لِمَا تَأۡمُرُنَا وَزَادَهُمۡ نُفُورٗا۩ ٦٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ لَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فى كلِّ قَرْيَةٍ نّذِيراً (51) فَلا تُطِع الْكفِرِينَ وَ جَهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كبِيراً (52) وَ هُوَ الّذِى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَ هَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَ جَعَلَ بَيْنهُمَا بَرْزَخاً وَ حِجْراً محْجُوراً (53) وَ هُوَ الّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشراً فَجَعَلَهُ نَسباً وَ صِهْراً وَ كانَ رَبّك قَدِيراً (54) وَ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَ لا يَضرّهُمْ وَ كانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظهِيراً (55) وَ مَا أَرْسلْنَك إِلا مُبَشراً وَ نَذِيراً (56) قُلْ مَا أَسئَلُكمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلا مَن شاءَ أَن يَتّخِذَ إِلى رَبِّهِ سبِيلاً (57) وَ تَوَكلْ عَلى الْحَىِّ الّذِى لا يَمُوت وَ سبِّحْ بحَمْدِهِ وَ كفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً (58) الّذِى خَلَقَ السمَوَتِ وَ الأَرْض وَ مَا بَيْنَهُمَا فى سِتّةِ أَيّامٍ ثُمّ استَوَى عَلى الْعَرْشِ الرّحْمَنُ فَسئَلْ بِهِ خَبِيراً (59) وَ إِذَا قِيلَ لَهُمُ اسجُدُوا لِلرّحْمَنِ قَالُوا وَ مَا الرّحْمَنُ أَ نَسجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَ زَادَهُمْ نُفُوراً (60)

القراءة

قرأ حمزة و الكسائي لما يأمرنا بالياء و الباقون بالتاء.

الحجة

قال أبو علي من قرأ بالتاء قال إنهم تلقوا أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إياهم بالرد و زادهم أمره إياهم بالسجود نفورا عما أمروا به و من قرأ بالياء فالمعنى أ نسجد لما يأمرنا محمد بالسجود على وجه الإنكار منهم لذلك و لا يكون أ نسجد لما يأمرنا الرحمن بالسجود له لأنهم أنكروا الرحمن تعالى بقولهم و ما الرحمن و أقول إذا جعلت ما بمعنى الذي على ما ذكره فالتقدير أ نسجد لما يأمرنا بالسجود له و ترتيب الحذف فيه على الوجه الذي تقدم بيانه في قوله سبحانه فاصدع بما تؤمر فلا وجه لإعادته و إن جعلت ما مصدرية فإنك لا تحتاج إلى حذف شيء و يكون تقديره أ نسجد لأمرك أو لأمره.

اللغة

أصل المرج الخلط و منه أمر مريج أي مختلط و في الحديث مرجت عهودهم أي اختلطت و مرجت الدابة و أمرجتها إذا خليتها ترعى و عذب الماء عذوبة فهو عذب و الفرات أعذب المياه يقال فرت الماء يفرت فروتة فهو فرات إذا عذب و الملح الأجاج الشديد الملوحة و النسب ما يرجع إلى ولادة قريبة و الصهر خلطة تشبه النسب القرابة و المصاهرة في النكاح المقاربة و في الحديث كان يؤسس مسجد قبا فيصهر الحجر العظيم إلى بطنه أي يدنيه يقال صهره و أصهره.

الإعراب

«هذا عذب فرات» مبتدأ و خبر في موضع نصب على الحال و كذلك قوله «و هذا ملح أجاج» بالعطف عليه و ذو الحال أحد البحرين «مبشرا و نذيرا» نصب على الحال «من شاء» نصب على الاستثناء و المستثنى منه الكاف و الميم في أسألكم و «أن يتخذ» في موضع نصب بأنه مفعول شاء «الذي خلق السماوات و الأرض» في موضع جر تقديره و توكل على الحي الذي لا يموت خالق السماوات و الأرض و يحتمل أن يكون في موضع نصب أو رفع على المدح و الثناء على تقدير أعني الذي خلق أو هو الذي خلق و «الرحمن» بالرفع القراءة و ورد عن بعضهم في الشواذ بالجر ففي الرفع وجوه ( أحدها ) الابتداء و خبره «فاسأل به» عن الزجاج و فيه نظر لأن الفاء إنما يجوز في خبر ما فيه الألف و اللام إذا جاز فيه معنى الشرط و لا يصح ذلك هنا ( و الثاني ) أن يكون خبر مبتدإ محذوف أي هو الرحمن ( و الثالث ) أن يكون بدلا من الضمير المستكن في استوى ( و الرابع ) أن يكون فاعل استوى و أما الجر فعلى أن يكون صفة و تقديره و توكل على الحي الخالق الرحمن و نفورا مفعول ثان لزاد.

المعنى

«و لو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا» ينذرهم و لكن بعثناك يا محمد إلى القرى كلها رسولا لعظيم منزلتك لدينا و النذير هو الداعي إلى ما يؤمن معه الخوف من العقاب و قيل إنه إخبار عن قدرته سبحانه و المعنى لو شئنا لقسمنا بينهم النذر كما قسمنا الأمطار بينهم و لكنا نفعل ما هو الأصلح لهم و الأعود عليهم في دينهم و دنياهم فبعثناك إليهم كافة «فلا تطع الكافرين» فيما يدعونك إليه من المداهنة و الإجابة إلى ما يريدون «و جاهدهم» في الله «به» أي بالقرآن عن ابن عباس «جهادا كبيرا» أي تاما شديدا و في هذا دلالة على أن من أجل الجهاد و أعظمه منزلة عند الله سبحانه جهاد المتكلمين في حل شبه المبطلين و أعداء الدين و يمكن أن يتأول عليه قوله رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر «و هو الذي مرج البحرين» أي أرسلهما في مجاريهما و خلاهما كما يرسل الخيل في المرج و هما يلتقيان فلا يختلط الملح بالعذب و لا العذب بالملح و هو قوله «هذا» يعني أحد البحرين «عذب فرات» أي طيب شديد الطيب «و هذا ملح أجاج» شديد الملوحة و قيل الفرات البارد و الأجاج الحار و قيل الأجاج المر عن قتادة «و جعل بينهما برزخا» أي حجابا و حاجزا من قدرة الله تعالى يمنعها من الاختلاط «و حجرا محجورا» أي حراما محرما أن يفسد الملح العذب «و هو الذي خلق من الماء بشرا» أي خلق من النطفة إنسانا و قيل أراد به آدم (عليه السلام) فإنه خلق من التراب الذي خلق من الماء و قيل أراد به أولاد آدم فإنهم المخلوقون من الماء «فجعله نسبا و صهرا» أي فجعله ذا نسب و صهر و الصهر حرمة الختونة و قيل النسب الذي لا يحل نكاحه و الصهر النسب الذي يحل نكاحه كبنات العم و الخال عن الفراء و قيل النسب سبعة أصناف و الصهر خمسة ذكرهم الله في قوله «حرمت عليكم أمهاتكم» عن قتادة و الضحاك و قد تقدم بيانه في سورة النساء و قيل النسب البنون و الصهر البنات اللاتي يستفيد الإنسان بهن الأصهار فكأنه قال فجعل منه البنين و البنات و قال ابن سيرين نزلت في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و علي بن أبي طالب زوج فاطمة (عليها السلام) عليا (عليه السلام) فهو ابن عمه و زوج ابنته فكان نسبا و صهرا «و كان ربك قديرا» أي قادرا على ما أراد ثم أخبر سبحانه عن الكفار فقال «و يعبدون من دون الله ما لا ينفعهم و لا يضرهم» من الأصنام و الأوثان «و كان الكافر على ربه ظهيرا» الظهير العون و المعين أي معينا للشيطان على ربه بالمعاصي عن الحسن و مجاهد و قال الزجاج لأنه يتابع الشيطان و يعاونه على معصية الله فإن عبادتهم الأصنام معاونة للشيطان و قيل ظهيرا أي هينا كالمطرح من قولهم ظهر فلان بحاجته إذا جعلها خلف ظهره فلم يلتفت إليها و استهان بها و الظهير بمعنى المظهور و هو المتروك المستخف به و منه قوله «و اتخذتموه ورائكم ظهريا» و الأول أوجه و قالوا عنى بالكافر أبا جهل «و ما

أرسلناك» يا محمد «إلا مبشرا» بالجنة «و نذيرا» من النار و قد سبق معناه «قل» يا محمد لهؤلاء الكفار «ما أسألكم عليه» أي على القرآن و تبليغ الوحي «من أجر» تعطونيه «إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا» بإنفاقه ماله في طاعة الله و اتباع مرضاته و المعنى إني لا أسألكم لنفسي أجرا و لكني لا أمنع من إنفاق المال في طلب مرضاة الله سبحانه بل أرغب فيه و أحث عليه و في هذا تأكيد لصدقه لأنه لو طلب على تبليغ الرسالة أجرا لقالوا إنما يطلب أموالنا «و توكل على الحي الذي لا يموت» أي فوض أمورك إليه فإنه ينتقم لك و لو بعد حين فإنه الحي الذي لا يموت فلن يفوته الانتقام «و سبح بحمده» أي احمده منزها له عما لا يجوز عليه في صفاته بأن تقول الحمد لله رب العالمين الحمد لله على نعمه و إحسانه الذي لا يقدر عليه غيره الحمد لله حمدا يكافىء نعمه في عظيم المنزلة و علة المرتبة و ما أشبه ذلك و قيل معناه و أعبده و صل له شكرا منك له على نعمه «و كفى به بذنوب عباده خبيرا» أي عليما فيحاسبهم و يجازيهم بها فحقيق بهم أن يخافوه و يراقبوه «الذي خلق السماوات و الأرض و ما بينهما» أي ما بين هذين الصنفين «في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن» قد سبق تفسيره في سورة الأعراف «فسئل به خبيرا» اختلف في تأويله فقيل إن المعنى فاسأل عنه خبيرا و الباء بمعنى عن و الخبير هاهنا هو الله تعالى عن ابن جريج و أنشد في قيام الباء مقام عن قول علقمة بن عبدة

{فإن تسألوني بالنساء فإنني --- خبير بإغواء النساء طبيب} {يردن ثراء المال حيث وجدنه --- و شرخ الشباب عندهن عجيب} {إذا شاب رأس المرء أو قل ماله --- فليس له في و دهن نصيب}

و قول الأخطل

{دع المعمر لا تسأل بمصرعه --- و أسأل بمصقلة البكري ما فعلا}

و قيل إن الخبير هنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و المعنى ليسأل كل منكم عن الله تعالى محمدا فإنه الخبير العارف به قيل إن الباء على أصلها و المعنى فاسأل بسؤالك أيها الإنسان خبيرا يخبرك بالحق في صفته و دل قوله «فاسأل» على السؤال كما قالت العرب من كذب كان شرا له أي كان الكذب شرا له و دل عليه كذب و قد مر ذكر أمثاله و قيل إن الباء فيه مثل الباء في قولك لقيت بفلان ليثا إذا وصفت شجاعته و لقيت به غيثا إذا وصفت سماحته و المعنى أنك إذا رأيته رأيت

الشيء المشبه به و المعنى فاسأله عنه فإنه لخبير به و روي أن اليهود حكوا عن ابتداء خلق الأشياء بخلاف ما أخبر الله تعالى عنه فقال سبحانه «فاسأل به خبيرا» قال نفطويه أي سلني عنه فإنك تسأل بسؤالك خبيرا «و إذا قيل لهم» أي لهؤلاء المشركين «اسجدوا للرحمن قالوا و ما الرحمن» أي و أي شيء الرحمن و المعنى أنا لا نعرف الرحمن قال الزجاج الرحمن اسم من أسماء الله عز اسمه مذكور في الكتب الأولى و لم يكونوا يعرفونه من أسماء الله فقيل لهم إنه من أسماء الله و معناه عند أهل اللغة ذو الرحمة التي لا غاية بعدها في الرحمة لأن فعلان من أبنية المبالغة تقول رجل ريان و عطشان في النهاية من الري و العطش و فرحان و جذلان إذا كان في النهاية من الفرح و الجذل «أ نسجد لما تأمرنا» مر تفسيره «و زادهم نفورا» أي زادهم ذكر الرحمن تباعدا من الإيمان عن مقاتل و المعنى أنهم ازدادوا عند ذلك نفورا عن الحق و قبول قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

النظم

###

وجه اتصال الآية بما قبلها أن فيها إخبار أنه سبحانه أفرده بالإرسال مراعاة لحسن التدبير في تمييزه بالإكرام و الإجلال لعلمه بما فيه من الخلال الموجبة في الحكمة إرساله إلى الخلق على غاية الكمال فعلى هذا يتعلق بقوله و لقد صرفناه بينهم ليذكروا ثم ذكر من التصريف للآيات بقوله و هو الذي مرج البحرين ما يدل على وحدانيته و كمال قدرته ثم عجب سبحانه من إعراضهم عن الآيات مع وضوحها و ظهورها و مقابلتهم لنعمه بالكفران بقوله «و يعبدون من دون الله» الآية ثم بين أنه أراد بتصريف الآيات الخير و الإحسان بقوله «و ما أرسلناك» الآية ثم بين أنه لا يسألهم عليه أجرا لئلا ينفروا عنه ثم بين سبحانه أنه كما لا يسألهم أجرا أنه يتوكل عليه في أمره و يفوض إليه علم المصالح فيما كلفه ثم هدد سبحانه عباده بقوله «و كفى به بذنوب عباده خبيرا» فإنه إذا لم يذهب عليه ذنوبهم لا يذهب عليه جزاؤهم.