۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الفرقان، آية ٢٩

التفسير يعرض الآيات ٢١ إلى ٣٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

۞ وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ نَرَىٰ رَبَّنَاۗ لَقَدِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ وَعَتَوۡ عُتُوّٗا كَبِيرٗا ٢١ يَوۡمَ يَرَوۡنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ لَا بُشۡرَىٰ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُجۡرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا ٢٢ وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا ٢٣ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ يَوۡمَئِذٍ خَيۡرٞ مُّسۡتَقَرّٗا وَأَحۡسَنُ مَقِيلٗا ٢٤ وَيَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلۡغَمَٰمِ وَنُزِّلَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ تَنزِيلًا ٢٥ ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّ لِلرَّحۡمَٰنِۚ وَكَانَ يَوۡمًا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ عَسِيرٗا ٢٦ وَيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا ٢٧ يَٰوَيۡلَتَىٰ لَيۡتَنِي لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِيلٗا ٢٨ لَّقَدۡ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَنِيۗ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِلۡإِنسَٰنِ خَذُولٗا ٢٩ وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا ٣٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ قَالَ الّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْ لا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَئكَةُ أَوْ نَرَى رَبّنَا لَقَدِ استَكْبرُوا فى أَنفُسِهِمْ وَ عَتَوْ عُتُوّا كَبِيراً (21) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَئكَةَ لا بُشرَى يَوْمَئذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَ يَقُولُونَ حِجْراً محْجُوراً (22) وَ قَدِمْنَا إِلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَاءً مّنثُوراً (23) أَصحَب الْجَنّةِ يَوْمَئذٍ خَيرٌ مّستَقَرّا وَ أَحْسنُ مَقِيلاً (24) وَ يَوْمَ تَشقّقُ السمَاءُ بِالْغَمَمِ وَ نُزِّلَ المَْلَئكَةُ تَنزِيلاً (25) الْمُلْك يَوْمَئذٍ الْحَقّ لِلرّحْمَنِ وَ كانَ يَوْماً عَلى الْكَفِرِينَ عَسِيراً (26) وَ يَوْمَ يَعَض الظالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنى اتخَذْت مَعَ الرّسولِ سبِيلاً (27) يَوَيْلَتى لَيْتَنى لَمْ أَتخِذْ فُلاناً خَلِيلاً (28) لّقَدْ أَضلّنى عَنِ الذِّكرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنى وَ كانَ الشيْطنُ لِلانسنِ خَذُولاً (29) وَ قَالَ الرّسولُ يَرَب إِنّ قَوْمِى اتخَذُوا هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُوراً (30)

القراءة

قرأ أهل الكوفة و أبو عمرو تشقق خفيفة الشين هاهنا و في سورة ق و الباقون «تشقق» مشددة الشين و قرأ ابن كثير ننزل بنونين خفيفة الملائكة بالنصب و الباقون و «نزل» بنون واحدة و تشديد الزاي و فتح اللام و «الملائكة» بالرفع.

الحجة

تشقق أصله تتشقق فأدغم التاء في الشين و التخفيف أكثر في الكلام لأن الحذف أخف عليهم من الإدغام و من قرأ و ننزل الملائكة تنزيلا فإن أنزل مثل نزل و مثله في التنزيل و تبتل إليه تبتيلا فجاء المصدر على فعل قال الشاعر

{و قد تطويت انطواء الخصب}

اللغة

الرجاء ترقب الخير الذي يقوى في النفس وقوعه و مثله الطمع و الأمل و اللقاء المصير إلى الشيء من غير حائل و العتو الخروج إلى أفحش الظلم و أصل الحجر الضيق

و سمي الحرام حجرا لضيقه بالنهي عنه قال المتلمس:

{حنت إلى النخلة القصوى فقلت لها --- حجر حرام ألا تلك الدهاريس}

و منه حجر الكعبة لأنه لا يدخل عليه في الطواف و إنما يطاف من ورائه لتضييقه بالنهي عنه و الحجر العقل لما فيه من التضييق في القبيح و الهباء غبار كالشعاع لا يمكن القبض عليه و فلان كناية عن واحد بعينه من الناس لأنه معرفة و قال ابن دريد عن أبي حاتم عن العرب أنهم كنوا عن كل مذكر بفلان و عن كل مؤنثة بفلانة فإذا كنوا عن البهائم أدخلوا عليه الألف و اللام فقالوا الفلان و الفلانة.

الإعراب

«يوم يرون الملائكة» العامل في «يوم» معنى قوله «لا بشرى يومئذ للمجرمين» فإنه يدل على يحزنون و «يومئذ» توكيد ليوم يرون و لا يجوز أن يكون «يوم يرون» منصوبا بلا بشرى لأن ما يتصل بلا لم يعمل فيما قبلها و «حجرا» منصوب لأنه مفعول ثاني لفعل مقدر و هو جعل الله عليكم الجنة حجرا محجورا.

«أصحاب الجنة يومئذ خير» العامل في يومئذ خير.

«و يوم تشقق» العامل فيه محذوف تقديره و اذكر يوم تشقق.

«الملك يومئذ الحق للرحمن» يومئذ من صلة «الملك» الذي هو المصدر و «الحق» صفة له و الجار و المجرور الذي هو «للرحمن» في موضع خبر المبتدأ الذي هو «الملك» و يجوز أن يكون يومئذ ظرفا و هو بدل من «يوم تشقق» و يكون العامل فيهما الظرف الذي هو قوله «للرحمن» و أن تقدما عليه.

«و يوم يعض» يجوز أن يكون العامل فيه اذكر و يجوز أن يكون معطوفا على ما قبله و«و يقول» جملة في موضع الحال.

«يا ليتني» المنادى محذوف و تقديره يا صاحبي ليتني.

و «يا ويلتا» منادى مضاف أصله يا ويلتي تعالي فإنه وقتك فأبدل من الكسرة فتحة و من الياء ألفا لثقل الكسرة و الياء و خفة الفتحة و الألف.

النزول

قال ابن عباس نزل قوله «و يوم يعض الظالم» في عقبة بن أبي معيط و أبي بن خلف و كانا متخالين و ذلك أن عقبة كان لا يقدم من سفر إلا صنع طعاما فدعا إليه أشراف قومه و كان يكثر مجالسة الرسول فقدم من سفره ذات يوم فصنع طعاما و دعا الناس

فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى طعامه فلما قربوا الطعام قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما أنا بأكل من طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله و أني رسول الله فقال عقبة أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمدا رسول الله و بلغ ذلك أبي بن خلف فقال صبات يا عقبة قال لا و الله ما صبات و لكن دخل علي رجل فأبى أن يطعم من طعامي إلا أن أشهد له فاستحييت أن يخرج من بيتي و لم يطعم فشهدت له فطعم فقال أبي ما كنت براض عنك أبدا حتى تأتيه فتبزق في وجهه ففعل ذلك عقبة و ارتد و أخذ رحم دابة فألقاها بين كتفيه فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف فضرب عنقه يوم بدر صبرا و أما أبي بن خلف فقتله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم أحد بيده في المبارزة و قال الضحاك لما بزق عقبة في وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عاد بزاقه في وجهه فأحرق خديه و كان أثر ذلك فيه حتى مات و قيل نزلت في كل كافر أو ظالم تبع غيره في الكفر أو الظلم و ترك متابعة أمر الله تعالى و قال أبو عبد الله (عليه السلام) ليس رجل من قريش إلا و قد نزلت فيه آية أو آيتان تقوده إلى جنة أو تسوقه إلى نار تجري فيمن بعده إن خيرا فخيرا و إن شرا فشرا.

المعنى

ثم حكى سبحانه عن حال الكفار بقوله «و قال الذين لا يرجون لقاءنا» أي لا يأملون لقاء جزائنا و هذا عبارة عن إنكارهم البعث و المعاد و قيل معناه لا يخافون فهي لغة تهامة و هذيل يضعون الرجاء موضع الخوف إذا كان معه جحد لأن من رجا شيئا خاف فوته فإنه إذا لم يخف كان يقينا و من خاف شيئا رجا الخلاص منه فوضع أحدهما موضع الآخر «لو لا أنزل علينا الملائكة» أي هلا أنزل الملائكة ليخبرونا بأن محمد نبي «أو نرى ربنا» فيخبرنا بذلك و يأمرنا باتباعه و تصديقه قال الجبائي و هذا يدل على أنهم كانوا مجسمة فلذلك جوزوا الرؤية على الله ثم أقسم الله عز اسمه فقال «لقد استكبروا» بهذا القول «في أنفسهم» أي طلبوا الكبر و التجبر بغير حق «و عتوا» بذلك أي طغوا و عاندوا «عتوا كبيرا» أي طغيانا و عنادا عظيما و تمردوا في رد أمر الله تعالى غاية التمرد ثم أعلم سبحانه أن الوقت الذي يرون فيه الملائكة هو يوم القيامة و إن الله تعالى قد حرمهم البشرى في ذلك اليوم فقال «يوم يرون الملائكة» يعني يوم القيامة «بشرى يومئذ للمجرمين» أي لا بشارة لهم بالجنة و الثواب قال الزجاج و المجرمون الذين أجرموا الذنوب و هم في هذا الموضع الذين اجترموا الكفر بالله عز و جل «و يقولون حجرا محجورا» أي و يقول

الملائكة لهم حراما محرما عليكم سماع البشرى عن قتادة و الضحاك و قيل معناه و يقول المجرمون للملائكة كما كانوا يقولون في الدنيا إذا لقوا من يخافون منه القتل حجرا محجورا دماؤنا عن مجاهد و ابن جريج قال الخليل كان الرجل يرى الرجل الذي يخاف منه القتل في الجاهلية في الأشهر الحرم فيقول حجرا أي حرام عليك حرمتي في هذا الشهر فلا يبدأه بشر فإذا كان يوم القيامة رأوا الملائكة فقالوا ذلك ظنا منهم أنه ينفعهم و قيل معناه يقول الملائكة حراما محرما أن يدخل الجنة إلا من قال لا إله إلا الله عن عطا عن ابن عباس و قيل يقولون حجرا محجورا عليكم أن تتعوذوا فلا معاذ لكم «و قدمنا إلى ما عملوا من عمل» أي قصدنا و عمدنا كما في قول الشاعر:

{و قدم الخوارج الضلال --- إلى عباد ربهم فقالوا}

إن دماءكم لنا حلال و في هذا بلاغة عجيبة لأن التقدير قصدنا إليه قصد القادم على ما يكرهه مما لم يكن رآه قبل فيغيره و أراد به العمل الذي عمله الكفار في الدنيا مما رجوا به النفع و الأجر و طلبوا به الثواب و البر نحو إنصافهم لمن يعاملهم و نصرهم للمظلوم و أعتاقهم و صدقاتهم و ما كانوا يتقربون به إلى الأصنام «فجعلناه هباء منثورا» و هو الغبار يدخل الكوة من شعاع الشمس عن الحسن و مجاهد و عكرمة و قيل هو رهج الدواب عن ابن زيد و قيل هو ما تسفيه الرياح و تذريه من التراب عن قتادة و سعيد بن جبير و قيل هو الماء المهراق عن ابن عباس و المنثور المتفرق و هذا مثل و المعنى تذهب أعمالهم باطلا فلم ينتفعوا بها من حيث عملوها لغير الله ثم ذكر سبحانه فضل أهل الجنة على أهل النار فقال «أصحاب الجنة يومئذ» يعني يوم القيامة «خير مستقرا» أي أفضل منزلا في الجنة «و أحسن مقيلا» أي موضع قائلة قال الأزهري القيلولة عند العرب الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر و إن لم يكن مع ذلك نوم و الدليل على ذلك أن الجنة لا نوم فيها و قال ابن عباس و ابن مسعود لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة و أهل النار في النار قال البلخي معنى خير و أحسن هنا أنه خير في نفسه و حسن في نفسه لا بمعنى أنه أفعل من غيره كما في قوله و هو أهون عليه أي هو هين عليه و كما يقال الله أكبر لا بمعنى أنه أكبر من شيء غيره «و يوم تشقق السماء بالغمام» عطف على قوله «يوم يرون» المعنى تتشقق السماء و عليها غمام كما يقال ركب الأمير بسلاحه و خرج بثيابه أي و عليه سلاحه و ثيابه عن أبي علي الفارسي و قيل تتشقق السماء

###

عن الغمام الأبيض عن الفراء و إنما تتشقق السماء لنزول الملائكة و هو قوله «و نزل الملائكة تنزيلا» و قال ابن عباس تتشقق السماء الدنيا فينزل أهلها و هم أكثر ممن في الأرض من الجن و الإنس ثم تتشقق السماء الثانية فينزل أهلها و هم أكثر ممن في السماء الدنيا من الإنس و الجن ثم كذلك حتى تتشقق السماء السابعة و أهل كل سماء يزيدون على أهل السماء التي قبلها «الملك يومئذ الحق للرحمن» أي الملك الذي هو الملك حقا ملك الرحمن يوم القيامة و يزول ملك سائر الملوك فيه و قيل إن الملك ثلاثة أضرب ملك عظمة و هو لله تعالى وحده و ملك ديانة و هو بتمليك الله تعالى و ملك جبرية و هو بالغلبة «و كان يوما على الكافرين عسيرا» أعسر عليهم ذلك اليوم لشدته و مشقته و يهون على المؤمنين كأدنى صلاة صلوها في دار الدنيا و في هذا بشارة للمؤمنين حيث خص بشدة ذلك اليوم الكافرين «و يوم يعض الظالم على يديه» ندما و أسفا و قيل هو عقبة بن أبي معيط بن أمية بن عبد شمس على ما مضى ذكره عن ابن عباس و قيل هو عام في كل ظالم نادم يوم القيامة و كل خليل يخال غيره في غير ذات الله قال عطاء يأكل يديه حتى تذهبا إلى المرفقين ثم تنبتان و لا يزال هكذا كلما نبتت يده أكلها ندامة على ما فعل «يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا» أي ليتني اتبعت محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) و اتخذت معه سبيلا إلى الهدى «يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا» يعني أبيا «خليلا» و قيل أراد به الشيطان عن مجاهد و إن قلنا إن المراد بالظالم هنا جنس الظلمة فالمراد به كل خليل يضل عن الدين و لو قال لما اتخذ فرعون و هامان و إبليس و جميع المضلين لطال فقال فلانا حتى يتناول كل خليل مضل عن الدين «لقد أضلني» أي صرفني و ردني «عن الذكر» أي عن القرآن و الإيمان به «بعد إذ جاءني» مع الرسول و تم الكلام هنا ثم قال الله «و كان الشيطان للإنسان خذولا» لأنه يتبرأ منه في الآخرة و يسلمه إلى الهلاك و لا يغني عنه شيئا «و قال الرسول» يعني محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) يشكو قومه «يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا» يعني هجروا القرآن و هجروني و كذبوني عن ابن عباس و المعنى جعلوه متروكا لا يسمعونه و لا يتفهمونه و قيل إن قوله «و قال الرسول» معناه و يقول كما في قول الشاعر:

{مثل العصافير أحلاما و مقدرة --- لو يوزنون بزف الريش ما وزنوا}

أي ما يزنون.