۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة النور، آية ٢٥

التفسير يعرض الآيات ٢١ إلى ٢٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ وَمَن يَتَّبِعۡ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۚ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ أَبَدٗا وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢١ وَلَا يَأۡتَلِ أُوْلُواْ ٱلۡفَضۡلِ مِنكُمۡ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤۡتُوٓاْ أُوْلِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَلۡيَعۡفُواْ وَلۡيَصۡفَحُوٓاْۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ٢٢ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡغَٰفِلَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٢٣ يَوۡمَ تَشۡهَدُ عَلَيۡهِمۡ أَلۡسِنَتُهُمۡ وَأَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٤ يَوۡمَئِذٖ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلۡحَقَّ وَيَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ ٱلۡمُبِينُ ٢٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

يَأَيهَا الّذِينَ ءَامَنُوا لا تَتّبِعُوا خُطوَتِ الشيْطنِ وَ مَن يَتّبِعْ خُطوَتِ الشيْطنِ فَإِنّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَ الْمُنكَرِ وَ لَوْ لا فَضلُ اللّهِ عَلَيْكمْ وَ رَحْمَتُهُ مَا زَكى مِنكم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَ لَكِنّ اللّهَ يُزَكى مَن يَشاءُ وَ اللّهُ سمِيعٌ عَلِيمٌ (21) وَ لا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضلِ مِنكمْ وَ السعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولى الْقُرْبى وَ الْمَسكِينَ وَ الْمُهَجِرِينَ فى سبِيلِ اللّهِ وَ لْيَعْفُوا وَ لْيَصفَحُوا أَ لا تحِبّونَ أَن يَغْفِرَ اللّهُ لَكمْ وَ اللّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ (22) إِنّ الّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصنَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ لُعِنُوا فى الدّنْيَا وَ الاَخِرَةِ وَ لهَُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23) يَوْمَ تَشهَدُ عَلَيهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُم بِمَا كانُوا يَعْمَلُونَ (24) يَوْمَئذٍ يُوَفِّيهِمُ اللّهُ دِينَهُمُ الْحَقّ وَ يَعْلَمُونَ أَنّ اللّهَ هُوَ الْحَقّ الْمُبِينُ (25)

القراءة

قرأ روح عن يعقوب ما زكى منكم بالتشديد و الباقون بالتخفيف و قرأ أبو جعفر و لا يتأل و هو قراءة زيد بن أسلم و أبي رجا و أبي مجلز و الباقون «لا يأتل» و روي عن علي (عليه السلام) و لتعفوا و لتصفحوا بالتاء كما يروى بالياء أيضا و قرأ أهل الكوفة غير عاصم يوم يشهد عليهم بالياء و الباقون «تشهد» و في الشواذ قراءة مجاهد و أبي روق يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق بالرفع.

الحجة

الوجه في قوله «ما زكى» بالتشديد أنه قال و الله يزكي و أما قوله «و لا يتأل» فإنه من تألى إذا حلف و في الحديث و من يتأل على الله يكذبه و هو الذي يحلف فيقول و الله لا يدخل فلان الجنة و فلان النار و أنشد الأصمعي:

عجاجة هجاجة تألى لأصبحن الأحقر الأذلاء و أما «لا يأتل» ففيه ثلاثة أقوال ( أحدها ) من الآلية التي هي اليمين أيضا يقال ايتلي و تألى و إلى بمعنى و الآخر أنه من قولهم ما ألوت في كذا أي ما قصرت و المعنى و لا يقصر و قال الأخفش أنه يحتمل الأمرين و قوله «و لتعفوا و لتصفحوا» بالتاء مثل ما روي فلتفرحوا بالتاء على الأصل و قد تقدم القول فيه و من قرأ يوم يشهد بالياء فلأن تأنيث الألسنة ليس بحقيقي و لأنه حصل بين الفعل و الفاعل فصل و من قرأ بالتاء فعلى أن الألسنة مؤنثة و من قرأ الحق بالرفع جعله وصفا لله تعالى أي يوفيهم الله الحق دينهم مثل قوله «إلى الله مولاهم الحق».

النزول

قيل إن قوله «و لا يأتل أولوا الفضل منكم» الآية نزلت في أبي بكر و مسطح بن أثاثة و كان ابن خالة أبي بكر و كان من المهاجرين و من جملة البدريين و كان فقيرا و كان أبو بكر يجري عليه و يقوم بنفقته فلما خاض في الإفك قطعها و حلف أن لا ينفعه بنفع أبدا فلما نزلت الآية عاد أبو بكر إلى ما كان و قال و الله إني لأحب أن يغفر الله لي و الله لا أنزعها عنه أبدا عن ابن عباس و عائشة و ابن زيد و قيل نزلت في يتيم كان في حجر أبي بكر حلف لا ينفق عليه عن الحسن و مجاهد و قيل نزلت في جماعة من الصحابة أقسموا على أن لا يتصدقوا على رجل تكلم بشيء من الإفك و لا يواسوهم عن ابن عباس و غيره.

المعنى

ثم نهى سبحانه عن اتباع الشيطان فقال «يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان» أي آثاره و طرقه التي تؤدي إلى مرضاته و قيل وساوسه «و من يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء و المنكر» هذا بيان سبب المنع من اتباعه «و لو لا فضل الله عليكم و رحمته» بأن لطف لكن و أمركم بما تصيرون به أزكياء و نهاكم عما تصبرون بتركه أزكياء «ما زكى منكم من أحد أبدا» أي ما صار منكم أحد زكيا و من في من أحد مزيدة و قيل معناه ما طهر منكم أحد من وسوسة الشيطان و ما صلح «و لكن الله يزكي من يشاء» أي يطهر بلطفه من يشاء و هو من له لطف يفعله سبحانه به ليزكو عنده «و الله سميع عليم» يفعل المصالح و الألطاف بالمكلفين لأنه يسمع أصواتهم و أقوالهم و يعلم أحوالهم و أفعالهم و في الآية دلالة على أن الله سبحانه يريد من خلقه خلاف ما يريده الشيطان لأنه إذا ذم سبحانه الأمر بالفحشاء و المنكر فخالق الفحشاء و المنكر و مريدهما أولى بالذم تعالى و تقدس عن ذلك و فيها دلالة على أن أحدا لا يصلح إلا بلطفه «و لا يأتل» أي و لا يحلف أولا يقصر و لا يترك «أولو الفضل منكم و السعة» أي أولو الغنى و السعة في المال «أن يؤتوا أولي القربى» قال الزجاج معناه أن لا يؤتوا فحذف لا أي لا يحلفوا أن لا يؤتوا و قيل لا يقصروا أن يؤتوا و لا يتركوا جهدا في الإنفاق على أقربائهم «و المساكين و المهاجرين في

سبيل الله» و قد اجتمع في مسطح الصفات الثلاث كان قرينا لأبي بكر مسكينا مهاجرا قال الجبائي و في قصة مسطح دلالة على أنه قد يجوز أن تقع المعاصي ممن شهد بدرا بخلاف قول النوائب «و ليعفوا و ليصفحوا» هذا أمر من الله تعالى للمرادين بالآية بالعفو عمن أساء إليهم و الصفح عنهم و قال لهم «أ لا تحبون أن يغفر الله لكم» معاصيكم جزاء على عفوكم و صفحكم عمن أساء إليكم «و الله غفور رحيم إن الذين يرمون المحصنات» أي يقذفون العفائف من النساء «الغافلات» عن الفواحش «المؤمنات» بالله و رسوله و اليوم الآخر «لعنوا في الدنيا و الآخرة» أي أبعدوا من رحمة الله في الدارين و قيل استحقوا اللعنة فيهما و قيل عذبوا في الدنيا بالجلد و رد الشهادة و في الآخرة بعذاب النار «و لهم» مع ذلك «عذاب عظيم» و هذا الوعيد عام لجميع المكلفين عن ابن عباس و ابن زيد «يوم تشهد عليهم ألسنتهم و أيديهم و أرجلهم بما كانوا يعملون» بين الله سبحانه أن ذلك العذاب يكون في يوم تشهد ألسنتهم فيه عليهم بالقذف و سائر أعضائهم بمعاصيهم و في كيفية شهادة الجوارح أقوال ( أحدها ) أن الله تعالى يبنيها بنية يمكنها النطق و الكلام من جهتها فتكون ناطقة ( و الثاني ) إن الله تعالى يفعل فيها كلاما يتضمن الشهادة فيكون المتكلم هو الله دون الجوارح و أضيف الكلام إليها على التوسع لأنها محل الكلام ( و الثالث ) إن الله تعالى يجعل فيها علامة تقوم مقام النطق بالشهادة و أما شهادة الألسن فبأن يشهدوا بألسنتهم إذا رأوا أنه لا ينفعهم الجحود و أما قوله «اليوم نختم على أفواههم» فإنه يجوز أن تخرج الألسنة و يختم على الأفواه و يجوز أن يكون الختم على الأفواه في حال شهادة الأيدي و الأرجل «يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق» أي يتمم الله لهم جزاءهم الحق فالدين هنا بمعنى الجزاء و يجوز أن يكون المراد جزاء دينهم الحق فحذف المضاف و أقام المضاف إليه مقامه «و يعلمون أن الله هو الحق» أي يعلمون الله ضرورة في ذلك اليوم و يقرون أنه الحق لأنه يقضي بالحق و يعطي بالحق و يأخذ بالحق «المبين» أي الذي يظهر لهم حقائق الأمور و يبين جلائل الآيات.

النظم

بدأ سبحانه فبين حكم القاذف أولا و أوجب عليه الحد و رد شهادته و سماه فاسقا فعلم أن المراد به أهل الملة ثم عقبه بحديث الإفك لاتصاله به ثم ذكر صنفا آخر من القذفة و هم المنافقون بقوله «إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا» و بين ما لهم من الغضب و اللعنة ثم عم الجميع بالوعيد في قوله «إن الذين يرمون المحصنات» الآيات عن أبي مسلم.