۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة النور، آية ١٢

التفسير يعرض الآيات ١١ إلى ١٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلۡإِفۡكِ عُصۡبَةٞ مِّنكُمۡۚ لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّٗا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُم مَّا ٱكۡتَسَبَ مِنَ ٱلۡإِثۡمِۚ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١١ لَّوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ ظَنَّ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمۡ خَيۡرٗا وَقَالُواْ هَٰذَآ إِفۡكٞ مُّبِينٞ ١٢ لَّوۡلَا جَآءُو عَلَيۡهِ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَۚ فَإِذۡ لَمۡ يَأۡتُواْ بِٱلشُّهَدَآءِ فَأُوْلَٰٓئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٣ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ لَمَسَّكُمۡ فِي مَآ أَفَضۡتُمۡ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٤ إِذۡ تَلَقَّوۡنَهُۥ بِأَلۡسِنَتِكُمۡ وَتَقُولُونَ بِأَفۡوَاهِكُم مَّا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ وَتَحۡسَبُونَهُۥ هَيِّنٗا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٞ ١٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

إِنّ الّذِينَ جَاءُو بِالافْكِ عُصبَةٌ مِّنكمْ لا تحْسبُوهُ شرّا لّكُم بَلْ هُوَ خَيرٌ لّكمْ لِكلِّ امْرِىٍ مِّنهُم مّا اكْتَسب مِنَ الاثْمِ وَ الّذِى تَوَلى كِبرَهُ مِنهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) لّوْ لا إِذْ سمِعْتُمُوهُ ظنّ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِنَت بِأَنفُسِهِمْ خَيراً وَ قَالُوا هَذَا إِفْكٌ مّبِينٌ (12) لّوْ لا جَاءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشهَدَاءِ فَأُولَئك عِندَ اللّهِ هُمُ الْكَذِبُونَ (13) وَ لَوْ لا فَضلُ اللّهِ عَلَيْكمْ وَ رَحْمَتُهُ فى الدّنْيَا وَ الاَخِرَةِ لَمَسكمْ فى مَا أَفَضتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) إِذْ تَلَقّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكمْ وَ تَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكم مّا لَيْس لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَ تحْسبُونَهُ هَيِّناً وَ هُوَ عِندَ اللّهِ عَظِيمٌ (15)

القراءة

قرأ يعقوب كبره بضم الكاف و هو قراءة أبي رجا و حميد الأعرج و قراءة القراء «كبره» بكسر الكاف و في الشواذ قراءة عائشة و ابن عباس و ابن معمر إذ تلقونه و قراءة ابن السميفع تلقونه و القراءة المشهورة «تلقونه».

الحجة

من ضم كبره أراد عظمه و من كسر أراد وزره و إثمه قال قيس بن الخطيم:

{تنام عن كبر شأنها فإذا --- قامت رويدا تكاد تتغرف}

أي عن معظم شأنها و أما قوله «تلقونه» فمعناه تسرعون فيه و تخفون إليه قال الراجز

جاءت به عنس من الشام تلق أي تخف و أصله تلقون فيه أو إليه فحذف حرف الجر فوصل الفعل إلى المفعول و قيل إن الولق الكذب فكان الكاذب يستمر في الكذب و يسرع فيه و جاء في حديث علي (عليه السلام) كذبت و ولقت و أما تلقونه فمعناه تلقونه بأفواهكم و أما تلقونه فهو من تلقيت الحديث من فلان أي أخذته منه قبلته.

النزول

روى الزهري عن عروة بن الزبير و سعيد بن المسيب و غيرهما عن عائشة أنها قالت كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيهن خرج سهمها خرج بها فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي و ذلك بعد ما أنزل الحجاب فخرجت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى فرغ من غزوة و قفل و روي أنها كانت غزوة بني المصطلق من خزاعة قالت و دنونا من المدينة فقمت حين أذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرحل فلمست صدرتي فإذا عقد من جزع ظفار قد انقطع فرجعت فالتمست

عقدي فحبسني ابتغاؤه و أقبل الرهط الذي كانوا يرحلونني فحملوا هودجي على بعيري الذي كنت أركب و هم يحسبون أني فيه و كانت النساء إذا ذاك خفافا لم يهبلهن اللحم ( و لم يغشهن اللحم خ ل ) إنما يأكلن العلقة من الطعام فبعثوا الجمل و ساروا و وجدت عقدي و جئت منازلهم و ليس بها داع و لا مجيب فسموت منزلي الذي كنت فيه و ظننت أن القوم سيفقدوني فيرجعون إلي فبينا أنا جالسة إذ غلبتني عيناي فنمت و كان صفوان بن المعطل السلمي قد عرس من وراء الجيش فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فعرفني حين رآني فخمرت وجهي بجلبابي و و الله ما كلمني بكلمة حتى أناخ راحلته فركبتها فانطلق يقود الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في حر الظهيرة فهلك من هلك في و كان الذي تولى كبره منهم عبد الله بن أبي سلول فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمتها شهرا و الناس يفيضون في قول أهل الإفك و لا أشعر بشيء من ذلك و هو يرثيني في وجعي غير أني لا أعرف من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اللطف الذي كنت أرى منه حين اشتكى إنما يدخل فيسلم ثم يقول كيف تيكم فذلك يحزنني و لا أشعر بالسر حتى خرجت بعد ما نقهت و خرجت معي أم مسطح قبل المصانع و هو متبرزنا و لا نخرج إلا ليلا إلى ليل و ذلك قبل أن نتخذ الكنف و أمرنا أمر العرب الأول في التنزه و كنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا و انطلقت أنا و أم مسطح و أمها بنت ضخرة بن عامر خالة أبي فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت تعس مسطح فقلت لها بئس ما قلت أ تسبين رجلا قد شهد بدرا فقالت أي بنتاه أ لم تسمعي ما قال قلت و ما ذا قال فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى مرضي فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم قال كيف تيكم قلت تأذن لي أن آتي أبوي قالت و أنا أريد أن أتيقن الخبر من قبله فأذن لي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فجئت أبوي و قلت لأمي يا أماه ما ذا يتحدث الناس فقالت أي بنية هوني عليك فو الله لقل ما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها و لها ضرائر إلا أكثرن عليها قلت سبحان الله أ و قد يحدث الناس بهذا قالت نعم فمكثت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع و لا أكتحل بنوم ثم أصبحت أبكي و دعا رسول الله أسامة بن زيد و علي بن أبي طالب (عليه السلام) حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله فأما أسامة فأشار على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالذي علم من براءة أهله و بالذي يعلم في نفسه لهم من الود فقال يا رسول الله هم أهلك و لا نعلم إلا خيرا فأما علي بن أبي طالب عليه أفضل الصلوات فقال لم يضيق الله عليك و النساء سواها كثيرة و إن تسأل الجارية تصدقك فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بريرة فقال يا بريرة هل رأيت شيئا يريبك من عائشة قالت بريرة و الذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا قط

أغمضه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها قالت و أنا و الله أعلم أني بريئة و ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى و لكني كنت أرجو أن يرى رسول الله رؤيا يبرئني الله بها فأنزل الله تعالى على نبيه و أخذه ما كان يأخذه من برحاء الوحي حتى أنه لينحدر عنه مثل الجمان من العرق في اليوم الثاني من ثقل القول الذي أنزل عليه فلما سرى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال أبشري يا عائشة أما الله فقد برأك فقالت لي أمي قومي إليه فقلت و الله لا أقوم إليه و لا أحمد إلا الله فهو الذي أنزل براءتي فأنزل الله تعالى «إن الذين جاءوا بالإفك» الآيات العشر.

المعنى

«إن الذين جاءوا بالإفك» أي بالكذب العظيم الذي قلب فيه الأمر عن وجهه «عصبة منكم» أيها المسلمون قال ابن عباس و عائشة منهم عبد الله بن أبي سلول و هو الذي تولى كبره و مسطح بن أثاثة و حسان بن ثابت و حمنة بنت جحش «لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم» هذا خطاب لعائشة و صفوان لأنهما قصدا بالإفك و لمن اغتم بسبب ذلك و خطاب لكل من رمى بسبب عن ابن عباس أي لا تحسبوا غم الإفك شرا لكم بل هو خير لكم لأن الله تعالى يبريء عائشة و يأجرها بصبرها و احتسابها و يلزم أصحاب الإفك ما استحقوه بالإثم الذي ارتكبوه في أمرها و قال الحسن هذا خطاب للقاذفين من المؤمنين و المعنى لا تحسبوا أيها القذفة هذا التأديب شرا لكم بل هو خير لكم فإنه يدعوكم إلى التوبة و يمنعكم عن المعاودة إلى مثله «لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم» أي لكل امرىء من القذفة جزاء ما اكتسبه من الإثم بقدر ما خاض و أفاض فيه و قيل معناه على كل امرىء منهم عقاب ما اكتسب كقوله «و إن أسأتم فلها» أي فعليها «و الذي تولى كبره» أي تحمل معظمه «منهم له عذاب عظيم» المراد به عبد الله بن أبي سلول أي فإنه كان رأس أصحاب الإفك كان يجتمع الناس عنده و يحدثهم بحديث الإفك و يشيع ذلك بين الناس و يقول قال امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقودها و الله ما نجت منه و لا نجا منها و العذاب العظيم عذاب جهنم في الآخرة و قيل المراد به مسطح بن أثاثة و قيل حسان بن ثابت فإنه روي أنه دخل على عائشة بعد ما كف بصره فقيل لها أنه يدخل عليك و قد قال فيك ما قال و قد قال الله تعالى و الذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم فقالت عائشة أ ليس قد كف بصره فأنشد حسان قوله فيها:

{حصان رزان ما تزن بريبة --- و تصبح غرثى من لحوم الغوافل}

فقالت عائشة لكنك لست كذلك «لو لا إذ سمعتموه ظن المؤمنون و المؤمنات بأنفسهم خيرا» معناه هلا حين سمعتم هذا الإفك من القائلين له ظن المؤمنون و المؤمنات بالذين هم كأنفسهم خيرا لأن المؤمنين كلهم كالنفس الواحدة فيما يجري عليها من الأمور فإذا جرى على أحدهم محنة فكأنها جرت على جماعتهم فهو كقوله «فسلموا على أنفسكم» عن مجاهد و على هذا يكون خطابا لمن سمعه فسكت و لم يصدق و لم يكذب و قيل هو خطاب لمن أشاعه و المعنى هلا إذا سمعتم هذا الحديث ظننتم بها ما تظنونه بأنفسكم لو خلوتم بها و ذلك لأنها كانت أم المؤمنين و من خلا بأمه فإنه لا يطمع فيها و هي لا تطمع فيه «و قالوا هذا إفك مبين» أي و هلا قالوا هذا القول كذب ظاهر «لو لا جاءوا عليه بأربعة شهداء» أي هلا جاءوا على ما قالوه ببينة و هي أربعة شهداء يشهدون بما قالوه «فإذا لم يأتوا بالشهداء» أي فحين لم يأتوا بالشهداء «فأولئك» الذين قالوا هذا الإفك «عند الله» أي في حكمه «هم الكاذبون و لو لا فضل الله عليكم و رحمته في الدنيا و الآخرة» بأن أمهلكم لتتوبوا و لم يعاجلكم بالعقوبة «لمسكم» أي أصابكم «فيما أفضتم» أي خضتم «فيه» من الإفك «عذاب عظيم» أي عذاب لا انقطاع له عن ابن عباس ثم ذكر الوقت الذي كان يصيبهم العذاب فيه لو لا فضله فقال «إذ تلقونه بألسنتكم» أي يرويه بعضكم عن بعض عن مجاهد و مقاتل و قيل معناه تقبلونه من غير دليل و لذلك إضافة إلى اللسان و قيل معناه يلقيه بعضكم إلى بعض عن الزجاج «و تقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم و تحسبونه هينا» أي تظنون أن ذلك سهل لا إثم فيه «و هو عند الله عظيم» في الوزر لأنه كذب و افتراء.