۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة المؤمنون، آية ٩٤

التفسير يعرض الآيات ٩١ إلى ١٠٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٖ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنۡ إِلَٰهٍۚ إِذٗا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهِۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ٩١ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٩٢ قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ ٩٣ رَبِّ فَلَا تَجۡعَلۡنِي فِي ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٩٤ وَإِنَّا عَلَىٰٓ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمۡ لَقَٰدِرُونَ ٩٥ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ ٱلسَّيِّئَةَۚ نَحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ٩٦ وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنۡ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَٰطِينِ ٩٧ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحۡضُرُونِ ٩٨ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ رَبِّ ٱرۡجِعُونِ ٩٩ لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُۚ كـَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ١٠٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

مَا اتخَذَ اللّهُ مِن وَلَدٍ وَ مَا كانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لّذَهَب كلّ إِلَهِ بِمَا خَلَقَ وَ لَعَلا بَعْضهُمْ عَلى بَعْضٍ سبْحَنَ اللّهِ عَمّا يَصِفُونَ (91) عَلِمِ الْغَيْبِ وَ الشهَدَةِ فَتَعَلى عَمّا يُشرِكونَ (92) قُل رّب إِمّا تُرِيَنى مَا يُوعَدُونَ (93) رَب فَلا تجْعَلْنى فى الْقَوْمِ الظلِمِينَ (94) وَ إِنّا عَلى أَن نّرِيَك مَا نَعِدُهُمْ لَقَدِرُونَ (95) ادْفَعْ بِالّتى هِىَ أَحْسنُ السيِّئَةَ نحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96) وَ قُل رّب أَعُوذُ بِك مِنْ هَمَزَتِ الشيَطِينِ (97) وَ أَعُوذُ بِك رَب أَن يحْضرُونِ (98) حَتى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْت قَالَ رَب ارْجِعُونِ (99) لَعَلى أَعْمَلُ صلِحاً فِيمَا تَرَكْت َكلا إِنّهَا كلِمَةٌ هُوَ قَائلُهَا وَ مِن وَرَائهِم بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)

القراءة

قرأ أهل المدينة و أهل الكوفة غير حفص عالم الغيب بالرفع و الباقون بالجر إلا أن رويسا إذا وصل جر و إذا ابتدأ رفع.

الحجة

وجه الرفع أن يكون خبر مبتدإ محذوف و تقديره هو عالم الغيب و وجه الجر أن يكون صفة الله تعالى و يكون إضافة عالم حقيقية بمعنى اللام و يجوز أن يكون بدلا فتكون الإضافة غير حقيقية و الغيب في تقدير النصب الأول يكون بمعنى الماضي و الثاني بمعنى

الحاضر و لا يكون بمعنى المستقبل.

اللغة

الهمزة شدة الدفع و منه الهمزة للحرف الذي يخرج من أقصى الحلق باعتماد شديد و دفع و همزة الشيطان دفعه بالإغواء إلى المعاصي و قوس همزى شديدة الدفع للسهم و البرزخ الحاجز بين الشيئين و كل فصل بين شيئين برزخ و معنى من ورائهم هنا من أمامهم و قدامهم قال الشاعر:

{أ يرجو بنو مروان سمعي و طاعتي --- و قومي تميم و الفلاة ورائيا}

الإعراب

قوله «إذا لذهب كل إله بما خلق» جواب لو مقدر و التقدير و لو كان معه إله إذا لذهب و إذا هنا حشو بين لو و جوابه فهي لغو غير عامل «إما تريني» إن للشرط ضمت إليها ما مسلطة و المعنى أنها سلطت نون التأكيد على دخولها الفعل المضارع و لو لم تكن هي لم يجز أن تريني و جواب الشرط «فلا تجعلني» و رب معترض بين الشرط و الجزاء و «بالتي هي أحسن» الموصولة و الصلة في موضع جر بأنهما صفة محذوف مجرور التقدير ادفع بالخصلة التي هي أحسن و «رب ارجعوني» جاء الخطاب على لفظ الجميع لأنه سبحانه يقول إنا نحن نزلنا الذكر و إنا نحن نحيي و هذا اللفظ يعرفه العرب للجليل الشأن يخبر به الجماعة فكذلك جاء الخطاب في «ارجعوني» و قال المازني أنه جمع الضمير ليدل على التكرار فكأنه قال رب أرجعني أرجعني أرجعني و «إلى يوم يبعثون» إلى تتعلق بما يتعلق به من في قوله «و من ورائهم برزخ» و يوم مضاف إلى «يبعثون» لأن أسماء الزمان تضاف إلى الأفعال.

المعنى

ثم أكد سبحانه ما قدمه من أدلة التوحيد بقوله «ما اتخذ الله من ولد» أي لم يجعل ولد غيره ولد نفسه لاستحالة ذلك عليه فمن المحال أن يكون له ولد فلا يجوز عليه التشبيه بما هو مستحيل ممتنع إلا على النفي و التبعيد و اتخاذ الولد هو أن يجعل الجاعل ولد غيره يقوم مقام ولده لو كان له و كذلك التبني إنما هو جعل الجاعل ابن غيره و من يصح أن يكون ابنا له مقام ابنه و لذلك لا يقال تبنى شاب شيخا و لا تبني الإنسان بهيمة لما استحال أن يكون ذلك ولدا له «و ما كان معه من إله» من هاهنا و في قوله «من ولد» مؤكدة فهو آكد من أن يقول ما اتخذ الله ولدا و ما كان معه إله نفى عن نفسه الولد و الشريك على آكد الوجوه «إذا لذهب كل إله بما خلق» و التقدير إذ لو كان معه إله آخر لذهب كل إله بما خلق أي لميز كل إله خلقه عن خلق غيره و منعه من الاستيلاء على ما خلقه أو نصب دليلا يميز به بين خلقه و خلق غيره فإنه كان لا يرضى أن يضاف خلقه و إنعامه إلى غيره «و لعلا بعضهم على بعض» أي و لطلب بعضهم قهر بعض و مغالبته و هذا معنى قول المفسرين و لقاتل بعضهم بعضا كما

يفعل الملوك في الدنيا و قيل معناه و لمنع بعضهم بعضا عن مراده و هو مثل قوله لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا و في هذا دلالة عجيبة في التوحيد و هو أن كل واحد من الآلهة من حيث يكون إلها يكون قادرا لذاته فيؤدي إلى أن يكون قادرا على كل ما يقدر عليه غيره من الآلهة فيكون غالبا و مغلوبا من حيث إنه قادر لذاته و أيضا فإن من ضرورة كل قادرين صحة التمانع بينهما فلو صح وجود إلهين صح التمانع بينهما من حيث أنهما قادران و امتنع التمانع بينهما من حيث أنهما قادران للذات و هذا محال و في هذا دلالة على إعجاز القرآن لأنه لا يوجد في كلام العرب كلمة وجيزة تضمنت ما تضمنته هذه فإنها قد تضمنت دليلين باهرين على وحدانية الله و كمال قدرته ثم نزه نفسه عما وصفوه به فقال «سبحان الله عما يصفون» أي عما يصفه به المشركون من اتخاذه الولد و الشريك «عالم الغيب و الشهادة» أي يعلم ما غاب و ما حضر فلا يخفى عليه شيء «فتعالى الله عما يشركون» و المعنى أنه عالم بما كان و بما سيكون و بما لم يكن أن لو كان كيف يكون و من كان بهذه الصفة لا يكون له شريك لأنه الأعلى من كل شيء في صفته ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) «قل» يا محمد «رب إما تريني ما يوعدون» أي إن أريتني ما يوعدون من العذاب و النقمة يعني القتل يوم بدر «رب فلا تجعلني في القوم الظالمين» أي مع القوم الظالمين و المعنى فأخرجني من بينهم عند ما تريد إحلال العذاب بهم لئلا يصيبني ما يصيبهم و في هذا دلالة على جواز أن يدعو الإنسان بما يعلم أن الله يفعله لا محالة لأن من المعلوم أن الله تعالى لا يعذب أنبياءه مع المعذبين و يكون الفائدة في ذلك إظهار الرغبة إلى الله «و إنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون» هذا ابتداء كلام من الله تعالى معناه إنا لا نعاجلهم بالعقوبة مع قدرتنا على ذلك و لكن ننظرهم و نمهلهم لمصلحة توجب ذلك قال الكلبي هذا أمر شهده أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد موته و روى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده عن أبي صالح عن ابن عباس و جابر بن عبد الله أنهما سمعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول في حجة الوداع و هو بمنى لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض و أيم الله لئن فعلتموها لتعرفني في كتيبة يضاربونكم قال فغمز من خلف منكبه الأيسر فالتفت فقال أ و علي فنزل «قل رب أما تريني» الآيات ثم أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصبر إلى أن ينقضي الأجل المضروب للعذاب فقال «ادفع بالتي هي أحسن السيئة» أي ادفع بالإغضاء و الصفح إساءة المسيء عن مجاهد و الحسن و هذا قبل الأمر بالقتال و قيل معناه ادفع باطلهم ببيان الحجج على ألطف الوجوه و أوضحها و أقربها إلى الإجابة و القبول «نحن أعلم بما يصفون» أي بما يكذبون و يقولون من الشرك و المعنى إنا نجازيهم بما يستحقونه ثم أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال «قل» يا محمد «رب أعوذ بك» أي أعتصم بك «من همزات الشياطين» أي من

نزعاتهم و وساوسهم عن ابن عباس و الحسن و المعنى من دعائهم إلى الباطل و العصيان و من شرورهم في كل شيء يخاف فيه من ذلك «و أعوذ بك رب إن يحضرون» أي يشهدوني و يقاربوني و يصدوني عن طاعتك و قيل معناه أن يحضروني في الصلاة عند تلاوة القرآن و قيل في الأحوال كلها ثم عاد سبحانه إلى قوله أ إذا متنا و كنا ترابا و عظاما فقال «حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون» يعني أن هؤلاء الكفار إذا أشرفوا على الموت سألوا الله تعالى عند ذلك الرجعة إلى دار التكليف فيقول أحدهم رب أرجعون على لفظ الجمع و في معناه قولان ( أحدهما ) أنهم استغاثوا أولا بالله ثم رجعوا إلى مسائلة الملائكة فقالوا لهم ارجعون أي ردوني إلى الدنيا عن ابن جرير ( و الآخر ) أنه على عادة العرب في تعظيم المخاطب كما قال قرة عين لي و لك لا تقتلوه و روى النضر بن شميل قال سألوا الخليل عن هذا ففكر ثم قال سألتموني عن شيء لا أحسنه و لا أعرف معناه فاستحسن الناس منه ذلك «لعلي أعمل صالحا فيما تركت» أي في تركتي و المعنى أؤدي عنها حق الله تعالى و قيل معناه في دنياي فإنه ترك الدنيا و صار إلى الآخرة و قيل معناه أعمل صالحا فيما فرطت و ضيعت أي في صلاتي و صيامي و طاعاتي و قال الصادق (عليه السلام) أنه في مانع الزكاة يسأل الرجعة عند الموت ثم قال سبحانه في الجواب عن سؤالهم «كلا» أي لا يرجع إلى الدنيا «إنها» أي مسألة الرجعة «كلمة هو قائلها» أي كلام يقوله و لا فائدة له في ذلك و قيل معناه و هي كلمة يقولها بلسانه و ليس لها حقيقة مثل قوله و لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه و روى العياشي بإسناده عن الفتح بن يزيد الجرجاني قال قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) جعلت فداك يعرف القديم سبحانه الشيء الذي لم يكن أن لو كان كيف كان يكون قال ويحك إن مسألتك لصعبة أ ما قرأت قوله عز و جل لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا «و لعلا بعضهم على بعض» لقد عرف الشيء الذي لم يكن و لا يكون إن لو كان كيف كان يكون و قال و يحكي قول الأشقياء «رب ارجعوني لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها» و قال و لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه و إنهم لكاذبون فقد علم الشيء الذي لم يكن لو كان كيف كان يكون و هو السميع البصير الخبير العليم «من ورائهم» أي و من بين أيديهم «برزخ إلى يوم يبعثون» أي حاجز بين الموت و البعث في يوم القيامة من القبور عن ابن زيد و قيل حاجز بينهم و بين الرجوع إلى الدنيا و هم فيه إلى يوم يبعثون عن ابن عباس و مجاهد و قيل البرزخ الإمهال إلى يوم القيامة و هو القبر و كل فصل بين شيئين هو برزخ عن علي بن عيسى و في الآية دلالة على أن أحدا لا يموت حتى يعرف منزلته عند الله تعالى اضطرارا و أنه من أهل الثواب أو العقاب عن الجبائي.