۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة المؤمنون، آية ٨٠

التفسير يعرض الآيات ٧٢ إلى ٨٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ خَرۡجٗا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيۡرٞۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٧٢ وَإِنَّكَ لَتَدۡعُوهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٧٣ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَٰطِ لَنَٰكِبُونَ ٧٤ ۞ وَلَوۡ رَحِمۡنَٰهُمۡ وَكَشَفۡنَا مَا بِهِم مِّن ضُرّٖ لَّلَجُّواْ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ٧٥ وَلَقَدۡ أَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡعَذَابِ فَمَا ٱسۡتَكَانُواْ لِرَبِّهِمۡ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ٧٦ حَتَّىٰٓ إِذَا فَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَابٗا ذَا عَذَابٖ شَدِيدٍ إِذَا هُمۡ فِيهِ مُبۡلِسُونَ ٧٧ وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ٧٨ وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَإِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٧٩ وَهُوَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخۡتِلَٰفُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٨٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

أَمْ تَسئَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّك خَيرٌ وَ هُوَ خَيرُ الرّزِقِينَ (72) وَ إِنّك لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِرَطٍ مّستَقِيمٍ (73) وَ إِنّ الّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالاَخِرَةِ عَنِ الصرَطِ لَنَكِبُونَ (74) وَ لَوْ رَحِمْنَهُمْ وَ كَشفْنَا مَا بِهِم مِّن ضرٍّ لّلَجّوا فى طغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ (75) وَ لَقَدْ أَخَذْنَهُم بِالْعَذَابِ فَمَا استَكانُوا لِرَبهِمْ وَ مَا يَتَضرّعُونَ (76) حَتى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيهِم بَاباً ذَا عَذَابٍ شدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسونَ (77) وَ هُوَ الّذِى أَنشأَ لَكمُ السمْعَ وَ الأَبْصرَ وَ الأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مّا تَشكُرُونَ (78) وَ هُوَ الّذِى ذَرَأَكمْ فى الأَرْضِ وَ إِلَيْهِ تحْشرُونَ (79) وَ هُوَ الّذِى يحْىِ وَ يُمِيت وَ لَهُ اخْتِلَف الّيْلِ وَ النّهَارِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (80)

اللغة

أصل الخراج و الخرج واحد و هو الغلة التي تخرج على سبيل الوظيفة و منه خراج الأرض و هما مصدران يجمعان و قد سبق اختلاف القراء فيه في سورة الكهف و الاستكانة الخضوع و هو استفعل من الكون و المعنى ما طلبوا الكون على صفة الخضوع قال الأزهري أكانه الله يكينه أي أخضعه حتى ذل و مات فلان بكينة سوء أي بحال سوء و قيل إن استكان من السكينة و السكون إلا أن الفتحة أشبعت فنشأت منها ألف فصار استكانوا الأصل استكنوا على افتعلوا قال عنترة في إشباع الفتحة

{ينباع من ذفري غضوب جسرة --- زيافة مثل الفنيق المكدم}

يريد ينبع فأشبع الفتحة و قال آخر

{و أنت من الغوائل حين ترمي --- و من ذم الرجال بمنتزاح}

أي بمنتزح يقال استكن و استكان و تمسكن بمعنى.

المعنى

ثم قال سبحانه «أم تسئلهم» يا محمد على ما جئتهم به من القرآن و الإيمان «خرجا» أي أجرا و مالا يعطونك فيورث ذلك تهمة في حالك أو يثقل عليهم قبول قولك لأجله «فخراج ربك خير» أي فرزق ربك في الدنيا خير منه عن الكلبي و قيل فأجر ربك في الآخرة خير منه عن الحسن «و هو خير الرازقين» أي أفضل من أعطى و آجر و في هذا دلالة على أن في العباد من يرزق غيره بإذن الله «و إنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم» من التوحيد و إخلاص العبادة و العمل بالشريعة «و إن الذين لا يؤمنون بالآخرة» أي لا يصدقون بالنشأة الآخرة «عن الصراط لناكبون» أي عن الدين الحق عادلون و مائلون و قيل معناه أنهم في الآخرة ناكبون عن طريق الجنة يؤخذ بهم يمنة و يسرة إلى النار عن الجبائي «و لو رحمناهم» في الآخرة «و كشفنا ما بهم من ضر» و رددناهم إلى دار التكليف «للجوا في طغيانهم يعمهون» مثل قوله و لو ردوا لعادوا عن الجبائي و أبي مسلم و قيل أنه في الدنيا أي و لو أنا رحمناهم و كشفنا ما بهم من جوع و نحوه لتمادوا في ضلالتهم و غوايتهم يترددون عن ابن جريج «و لقد أخذناهم بالعذاب» معناه إنا قد أخذنا هؤلاء الكفار بالجدب و ضيق الرزق و القتل بالسيف «فما استكانوا لربهم» أي ما تواضعوا و لا انقادوا «و ما يتضرعون» أي و ما يرغبون إلى الله في الدعاء و قال أبو عبد الله (عليه السلام) ) الاستكانة الدعاء و التضرع رفع اليد في الصلاة «حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد» أي هذا دأبهم حتى إذا فتحنا عليهم نوعا آخر من العذاب و ذاك حين دعا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم فقال اللهم سنين كسني يوسف فجاعوا حتى أكلوا العلهز و هو الوبر بالدم عن مجاهد و قيل هو القتل يوم بدر عن ابن عباس و قيل فتحنا عليهم بابا من عذاب جهنم في الآخرة عن الجبائي و قيل ذلك حين فتح مكة و قال أبو جعفر (عليه السلام) هو في الرجعة «إذا هم فيه مبلسون» أي آيسون من كل خير متحيرون ثم بين سبحانه أنه المنعم على خلقه بأنواع النعم فقال «و هو الذي أنشأ لكم السمع و الأبصار و الأفئدة» أي خلق هذه الحواس ابتداء لا من شيء و خص هذه الثلاثة لأن الدلائل مبنية عليها ينظر العاقل و يسمع و يتفكر فيعلم «قليلا ما تشكرون» أي يقل شكركم لها و «قليلا» منصوب على المصدر و تقديره تشكرون قليلا لهذه النعم التي أنعم الله بها عليكم و قيل معناه إنكم لا تشكرون رب هذه النعم فتوحدونه عن مقاتل «و هو الذي ذرأكم» أي خلقكم و أوجدكم «في الأرض و إليه تحشرون» يوم القيامة فيجازيكم على أعمالكم «و هو الذي يحيي و يميت» أي يحييكم في أرحام أمهاتكم و يميتكم عند انقضاء آجالكم «و له اختلاف الليل و النهار» أي و له تدبيرها بالزيادة و النقصان و قيل و له ملك اختلافهما و هو ذهاب أحدهما و مجيء الآخر «أ فلا تعقلون» أي أ فلا تعلمون بأن تفكروا فتعلموا أن لذلك صانعا قادرا

عالما حيا حكيما لا يستحق الإلهية سواه و لا تحسن العبادة إلا له.