۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة المؤمنون، آية ٥١

التفسير يعرض الآيات ٥١ إلى ٥٦

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٥١ وَإِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ ٥٢ فَتَقَطَّعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ زُبُرٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ ٥٣ فَذَرۡهُمۡ فِي غَمۡرَتِهِمۡ حَتَّىٰ حِينٍ ٥٤ أَيَحۡسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٖ وَبَنِينَ ٥٥ نُسَارِعُ لَهُمۡ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ بَل لَّا يَشۡعُرُونَ ٥٦

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

يَأَيهَا الرّسلُ كلُوا مِنَ الطيِّبَتِ وَ اعْمَلُوا صلِحاً إِنى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) وَ إِنّ هَذِهِ أُمّتُكمْ أُمّةً وَحِدَةً وَ أَنَا رَبّكمْ فَاتّقُونِ (52) فَتَقَطعُوا أَمْرَهُم بَيْنهُمْ زُبُراً كلّ حِزْبِ بِمَا لَدَيهِمْ فَرِحُونَ (53) فَذَرْهُمْ فى غَمْرَتِهِمْ حَتى حِينٍ (54) أَ يحْسبُونَ أَنّمَا نُمِدّهُم بِهِ مِن مّالٍ وَ بَنِينَ (55) نُسارِعُ لهَُمْ فى الخَْيرَتِ بَل لا يَشعُرُونَ (56)

القراءة

قرأ أهل الكوفة «و إن هذه» بالكسر و قرأ ابن عامر و أن بالفتح و التخفيف و الباقون و أن هذه بالفتح.

الحجة

قال أبو علي من قرأ و أن هذه بالفتح فالمعنى على قول الخليل و سيبويه أنه محمول على الجار و التقدير لأن هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاتقون أي اتقوني لهذا و مثل ذلك عندهم قوله و أن المساجد أي و لأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا و كذلك عندهما لإيلاف قريش فكأنه قال فليعبدوا رب هذا البيت لإيلاف قريش أي ليقابلوا هذه النعمة

بالشكر و العبادة للمنعم بها و على هذا التقدير يحمل قراءة ابن عامر أ لا ترى أن إذا خففت اقتضت ما يتعلق بها اقتضاءها و هي غير مخففة و قال بعض النحويين موضع أن المفتوحة جر عطفا على قوله «بما تعملون» و «أمة واحدة» نصب على الحال و الكوفيون يسمونه قطعا و من كسر لم يحملها على الفعل كما يحملها من فتح و لكن يجعلها كلاما مستأنف.

المعنى

لما أخبر الله سبحانه عن إيتائه الكتاب للاهتداء ثم عما أولاه من سايغ النعماء خاطب الرسل بعد ذلك فقال «يا أيها الرسل كلوا من الطيبات» قيل هو خطاب للرسل كلهم و أمر لهم أن يأكلوا من الحلال عن السدي و روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا و أنه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال «يا أيها الرسل كلوا من الطيبات» و قال يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم و قيل أراد به محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) وحده على مذهب العرب في مخاطبة الواحد مخاطبة الجمع عن الحسن و مجاهد و قتادة و الكلبي و يتضمن هذا أن الرسل جميعا كذا أمروا قال الحسن أما و الله ما عنى به أصفركم و لا أحمركم و لا حلوكم و لا حامضكم و لكنه قال انتهوا إلى الحلال منه «و اعملوا صالحا» أي ما أمركم الله به و قيل إنه خطاب عيسى (عليه السلام) خاصة «إني بما تعملون عليم» هذا بيان السبب الداعي إلى إصلاح العمل فإن العاقل إذا عمل لمن يعلم عمله و يجازيه على حسب ما يعمل من عمله و بقدر استحقاقه أصلح العمل «و إن هذه أمتكم أمة واحدة» أي دينكم دين واحد عن الحسن و ابن جريج و يعضده قوله إنا وجدنا آبائنا على أمة أي على دين قال النابغة

{حلفت فلم أترك لنفسي ريبة --- و هل يأثمن ذو أمة و هو طائع}

و قيل هذه جماعتكم و جماعة من قبلكم واحدة كلكم عباد الله تعالى عن الجبائي «و أنا ربكم فاتقون» أي لهذا فاتقوا «فتقطعوا أمرهم بينهم» تفسير الآيتين قد تقدم في سورة الأنبياء «زبرا» أي كتبا و هو جمع زبور عن الحسن و قتادة و مجاهد و المعنى تفرقوا في دينهم و جعلوه كتبا دانوا بها و كفروا بما سواها كاليهود و كفروا بالإنجيل و القرآن و النصارى كفروا بالقرآن و قيل معناه أحدثوا كتبا يحتجون بها لمذهبهم عن ابن زيد و من قرأ زبرا و هو ابن عامر فمعناه جماعات مختلفة فهي جمع زبرة أي تفرقوا أحزابا و انتصب «زبرا» على الحال من «أمرهم» و العامل فيه تقطع و قال الزجاج معناه جعلوا دينهم كتبا مختلفة على قراءة من قرأ زبرا فعلى هذا يكون زبرا مفعولا ثانيا «كل حزب بما لديهم فرحون» أي كل فريق بما عندهم من الدين راضون يرون أنهم على الحق ثم خاطب نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال «فذرهم» يا محمد «في غمرتهم» أي جهلهم و ضلالتهم و قيل في حيرتهم و قيل في غفلتهم و هي متقاربة «حتى

حين» أي وقت الموت و قيل وقت العذاب ثم قال «أ يحسبون أنما نمدهم به من مال و بنين نسارع لهم في الخيرات» معناه أ يظن هؤلاء الكفار أن ما نعطيهم و نزيدهم من أموال و أولاد أنما نعطيهم ثوابا و مجازاة لهم على أعمالهم أو لرضانا عنهم و لكرامتهم علينا ليس الأمر كما يظنون بل ذلك إملاء لهم و استدراج لهوانهم علينا و للابتلاء في التعذيب لهم و نظيره قوله فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه و نعمه فيقول ربي أكرمن و روى السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن أبيه عن آبائه قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إن الله تعالى يقول يحزن عبدي المؤمن إذا أقترت عليه شيئا من الدنيا و ذلك أقرب له مني و يفرح إذا بسطت له الدنيا و ذلك أبعد له مني ثم تلا هذه الآية إلى قوله «بل لا يشعرون» ثم قال إن ذلك فتنة لهم و معنى نسارع نسرع و نتعجل و تقديره نسارع لهم به في الخيرات فحذف به للعلم بذلك كما حذف الضمير من قولهم السمن منوان بدرهم أي منوان منه بدرهم و الخيرات المنافع التي يعظم شأنها و نقيضها الشرور و هي المضار التي يشتد أمرها و الشعور العلم الذي يدق معلومه و فهمه على صاحبه كدقة الشعر و قيل هو العلم من جهة المشاعر و هن الحواس و لهذا لا يوصف القديم سبحانه به.