۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة المؤمنون، آية ٤٤

التفسير يعرض الآيات ٤١ إلى ٥٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ بِٱلۡحَقِّ فَجَعَلۡنَٰهُمۡ غُثَآءٗۚ فَبُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤١ ثُمَّ أَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قُرُونًا ءَاخَرِينَ ٤٢ مَا تَسۡبِقُ مِنۡ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ ٤٣ ثُمَّ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا تَتۡرَاۖ كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةٗ رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُۖ فَأَتۡبَعۡنَا بَعۡضَهُم بَعۡضٗا وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِيثَۚ فَبُعۡدٗا لِّقَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ ٤٤ ثُمَّ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَٰرُونَ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٤٥ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمًا عَالِينَ ٤٦ فَقَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ لِبَشَرَيۡنِ مِثۡلِنَا وَقَوۡمُهُمَا لَنَا عَٰبِدُونَ ٤٧ فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡلَكِينَ ٤٨ وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ لَعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ٤٩ وَجَعَلۡنَا ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥٓ ءَايَةٗ وَءَاوَيۡنَٰهُمَآ إِلَىٰ رَبۡوَةٖ ذَاتِ قَرَارٖ وَمَعِينٖ ٥٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

فَأَخَذَتهُمُ الصيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَهُمْ غُثَاءً فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ الظلِمِينَ (41) ثُمّ أَنشأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً ءَاخَرِينَ (42) مَا تَسبِقُ مِنْ أُمّةٍ أَجَلَهَا وَ مَا يَستَئْخِرُونَ (43) ثمّ أَرْسلْنَا رُسلَنَا تَترَا كلّ مَا جَاءَ أُمّةً رّسولهَُا كَذّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضهُم بَعْضاً وَ جَعَلْنَهُمْ أَحَادِيث فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (44) ثمّ أَرْسلْنَا مُوسى وَ أَخَاهُ هَرُونَ بِئَايَتِنَا وَ سلْطنٍ مّبِينٍ (45) إِلى فِرْعَوْنَ وَ مَلايهِ فَاستَكْبرُوا وَ كانُوا قَوْماً عَالِينَ (46) فَقَالُوا أَ نُؤْمِنُ لِبَشرَيْنِ مِثْلِنَا وَ قَوْمُهُمَا لَنَا عَبِدُونَ (47) فَكَذّبُوهُمَا فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48) وَ لَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسى الْكِتَب لَعَلّهُمْ يهْتَدُونَ (49) وَ جَعَلْنَا ابْنَ مَرْيمَ وَ أُمّهُ ءَايَةً وَ ءَاوَيْنَهُمَا إِلى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَ مَعِينٍ (50)

القراءة

قرأ ابن كثير و أبو عمرو و أبو جعفر تترى بالتنوين و الباقون بغير تنوين و من نون وقف بالألف لا غير و من لم ينون و مذهبه الإمالة وقف بالياء و هي ألف ممالة و الباقون بالألف و قد ذكرنا اختلافهم في «ربوة» في سورة البقرة.

الحجة

قال أبو علي «تترى» فعلى من المواترة أن يتبع الخبر الخبر و الكتاب الكتاب فلا يكون بينهما فصل كثير و الأقيس أن لا يصرف لأن المصادر قد يلحق أواخرها ألف التأنيث كالدعوى و العدوي و الذكرى و الشورى و لم نعلم شيئا من المصادر لحق آخرها الياء للإلحاق فمن قال «تترى» أمكن أن يريد به فعلى من المواترة فيكون الألف بدلا من التنوين و إن كان في الخط بالياء كان للإلحاق و الإلحاق في غير المصادر ليس بالقليل نحو أرطى و معزى و لزم أن يحمل على فعل دون فعلى و من قال «تترى» و أراد به فعلى فحكمه أن يقف بالألف مفخمة و لا يمليها و من جعل للإلحاق أو للتأنيث أمال الألف إذا وقف عليها.

المعنى

لما قال سبحانه إن هؤلاء الكفار يصبحون نادمين على ما فعلوه عقبه بالإخبار عن إهلاكهم فقال «فأخذتهم الصيحة» صاح بهم جبرائيل صيحة واحدة ماتوا عن آخرهم «بالحق» أي باستحقاقهم العقاب بكفرهم «فجعلناهم غثاء» و هو ما جاء به السيل من نبات قد يبس و كل ما يحمله السيل على رأس الماء من قصب و عيدان شجرة فهو غثاء و المعنى فجعلناهم هلكى قد يبسوا كما يبس الغثاء و همدوا «فبعدا» أي ألزم الله بعدا من الرحمة «للقوم الظالمين» المشركين المكذبين «ثم أنشأنا من بعدهم» أي من بعد هؤلاء «قرونا آخرين» أي أمما و أهل أعصار آخرين «ما تسبق من أمة أجلها و ما يستأخرون» هذا وعيد للمشركين معناه ما تموت أمة قبل أجلها المضروب لها و لا تتأخر عنه و قيل عنى بالعذاب الموعود لهم على التكذيب أنه لا يتقدم على الوقت المضروب لهم لذلك و لا يتأخر

عنه و الأجل هو الوقت المضروب لحدوث أمر من الأمور و الأجل المحتوم لا يتأخر و لا يتقدم و الأجل المشروط بحسب الشرط و المراد بالأجل المذكور في الآية الأجل المحتوم «ثم أرسلنا رسلنا تترى» أي متواترة يتبع بعضهم بعضا عن ابن عباس و مجاهد و قيل متقاربة الأوقات و أصله الاتصال لاتصاله بمكانه من القوس و منه الوتر و هو الفرد عن الجمع المتصل قال الأصمعي يقال واترت الخبر اتبعت بعضه بعضا و بين الخبرين هنيهة «كلما جاء أمة رسولها كذبوه» و لم يقروا بنبوته «فأتبعنا بعضهم بعضا» يعني في الإهلاك أي أهلكنا بعضهم في إثر بعض «و جعلناهم أحاديث» أي يتحدث بهم على طريق المثل في الشر و هو جمع أحدوثة و لا يقال هذا في الخير و المعنى إنا صيرناهم بحيث لم يبق بين الناس منهم إلا حديثهم «فبعدا لقوم لا يؤمنون» ظاهر المعنى «ثم أرسلنا موسى و أخاه هارون بآياتنا» أي بدلائلنا الواضحة «و سلطان مبين» أي و برهان ظاهر بين «إلى فرعون و ملإيه» خص الملأ و هم الأشراف بالذكر لأن الآخرين كانوا أتباعا لهم «فاستكبروا» أي تجبروا و تعظموا عن قبول الحق «و كانوا قوما عالين» أي متكبرين قاهرين قهروا أهل أرضهم و اتخذوهم خولا «فقالوا أ نؤمن لبشرين مثلنا» أي أ نصدق لإنسانين خلقهم مثل خلقنا و يسمى الإنسان بشرا لانكشاف بشرته و هي جلدته الظاهرة حتى احتاج إلى لباس يكنه و غيره من الحيوان مغطى البشرة بصوف أو ريش أو غيره لطفا من الله سبحانه بخلقه إذ لم يكن هناك عقل يدبر أمره مع حاجته إلى ما يكنه و الإنسان يهتدي إلى ما يستعين به في هذا الباب «و قومهما لنا عابدون» أي مطيعون طاعة العبد لمولاه قال الحسن كان بنو إسرائيل يعبدون فرعون و فرعون يعبد الأوثان «فكذبوهما فكانوا من المهلكين» أي فكذبوا موسى و هارون فكان عاقبة تكذيبهم أن أهلكهم الله و غرقهم «و لقد آتينا موسى الكتاب» أي التوراة «لعلهم يهتدون» أي لكي يهتدوا إلى طريق الحق و الصواب «و جعلنا ابن مريم و أمه آية» و هذا مثل قوله و جعلناها و ابنها آية للعالمين أي حجة على قدرتنا على الاختراع و آية عيسى أنه خلق من غير ذكر و آية مريم أنها حملت من غير فحل «و آويناهما إلى ربوة» أي جعلنا مأواهما مكانا مرتفعا مستويا واسعا يقال أوى إليه يأوي أويا و أواه غيره يؤويه إيواء أي جعله مأوى له و الربوة التي أويا إليها هي الرملة من فلسطين عن أبي هريرة و قيل دمشق عن سعيد بن المسيب و قيل مصر عن ابن زيد و قيل بيت المقدس عن قتادة و كعب قال كعب و هي أقرب الأرض إلى السماء و قيل هي حيرة الكوفة و سوادها و القرار مسجد الكوفة و المعين الفرات عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) و قيل «ذات قرار و معين» معناه أي ذات موضع قرار أي هي أرض مستوية يستقر عليها ساكنوها عن الضحاك و سعيد و قيل ذات ثمار عن قتادة ذهب إلى أنه لأجل الثمار

يستقر فيها ساكنوها و معين ماء جار ظاهر العيون مفعول من عنته أعينه و يجوز أن يكون فعيلا من معن يمعن معانة و الماعون الشيء القليل في قول الزجاج قال الراعي

{قوم على الإسلام لما يمنعوا --- ماعونهم و يبدلوا التنزيلا}

قالوا معناه رفدهم و قيل زكائهم و قال عبيد بن الأبرص

{واهية أو معين ممعن --- أو هضبة دونها لهوب}

و اللهب شق في الجبل ممعن مار و المعن الشيء السهل الذي ينقاد و لا يعتاص و أمعن بحقه و أذعن أي أقر قال ابن الأعرابي سألت معانه أي مسائله و مجاريه.