۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة المؤمنون، آية ٢٤

التفسير يعرض الآيات ٢٠ إلى ٢٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَشَجَرَةٗ تَخۡرُجُ مِن طُورِ سَيۡنَآءَ تَنۢبُتُ بِٱلدُّهۡنِ وَصِبۡغٖ لِّلۡأٓكِلِينَ ٢٠ وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٢١ وَعَلَيۡهَا وَعَلَى ٱلۡفُلۡكِ تُحۡمَلُونَ ٢٢ وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٢٣ فَقَالَ ٱلۡمَلَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيۡكُمۡ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ مَّا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٤ إِنۡ هُوَ إِلَّا رَجُلُۢ بِهِۦ جِنَّةٞ فَتَرَبَّصُواْ بِهِۦ حَتَّىٰ حِينٖ ٢٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ شجَرَةً تخْرُجُ مِن طورِ سيْنَاءَ تَنبُت بِالدّهْنِ وَ صِبْغٍ لِّلاَكلِينَ (20) وَ إِنّ لَكمْ فى الأَنْعَمِ لَعِبرَةً نّسقِيكم مِّمّا فى بُطونهَا وَ لَكمْ فِيهَا مَنَفِعُ كَثِيرَةٌ وَ مِنهَا تَأْكلُونَ (21) وَ عَلَيهَا وَ عَلى الْفُلْكِ تحْمَلُونَ (22) وَ لَقَدْ أَرْسلْنَا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكم مِّنْ إِلَهٍ غَيرُهُ أَ فَلا تَتّقُونَ (23) فَقَالَ الْمَلَؤُا الّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلا بَشرٌ مِّثْلُكمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضلَ عَلَيْكمْ وَ لَوْ شاءَ اللّهُ لأَنزَلَ مَلَئكَةً مّا سمِعْنَا بهَذَا فى ءَابَائنَا الأَوّلِينَ (24) إِنْ هُوَ إِلا رَجُلُ بِهِ جِنّةٌ فَترَبّصوا بِهِ حَتى حِينٍ (25)

القراءة

قرأ أهل الحجاز و أبو عمرو طور سيناء بكسر السين و الباقون بفتحها و قرأ ابن كثير و أبو عمرو و يعقوب عن روح تنبت بالدهن بضم التاء و الباقون «تنبت» بفتح التاء و ضم الباء و في الشواذ قراءة الحسن و الزهري و الأعرج تنبت بضم التاء و فتح الباء و قد ذكرنا اختلافهم في نسقيكم في سورة النحل.

الحجة

قال أبو عمرو من قرأ «سيناء» بفتح السين لم ينصرف الاسم عنده في معرفة و لا نكرة لأن الهمزة في هذا البناء لا تكون إلا للتأنيث و لا تكون للإلحاق لأن فعلال لا يكون إلا في المضاعف فلا يجوز أن يلحق به شيء فهذا إذا كموضع أو بقعة تسمى بطرفاء أو صحراء و من قرأ سيناء بالكسر فالهمزة فيها منقلبة عن الياء كعلباء و سيساء و هي الياء التي

أظهرت في نحو درحاية و إنما لم ينصرف على هذا القول و إن كان غير مؤنث لأنه جعل اسم بقعة فصار بمنزلة امرأة سميت بجعفر و من قرأ تنبت بالدهن احتمل وجهين ( أحدهما ) أن يجعل الجار زائدا يريد تنبت الدهن كما في قوله «و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة» و قد زيدت هذه الباء مع الفاعل كما زيدت مع المفعول به في نحو قوله:

{أ لم يأتيك و الأنباء تنمي --- بما لاقت لبون بني زياد}

و قد زيدت مع هذه الكلمة بعينها في قوله:

{بواد يمان تنبت الشث حوله --- و أسفله بالمرخ و الشبهان}

حملوه على ينبت أسفله المرخ و يجوز أن تكون الباء متعلقا بغير هذا الفعل الظاهر و يقدر مفعولا محذوفا تقديره تنبت جناها أي ثمرتها و فيها دهن و صبغ كما تقول خرج بثيابه و ركب بسلاحه و من قرأ «تنبت بالدهن» جاز أن يكون الجار فيه للتعدي أنبته و نبت به و يجوز أن يكون الباء في موضع حال كما كان في الوجه الأول و لا يكون للتعدي و لكن تنبت و فيها دهن و قد قالوا أنبت بمعنى نبت فكان الهمزة في أنبت مرة للتعدي و مرة لغيرها و يكون من باب أخال و أجرب و أقطف أي صار ذا خال و جرب و من قرأ تنبت فهو على معنى تنبت و فيها دهنها و تؤكد ذلك قراءة عبد الله تخرج بالدهن أي تخرج من الأرض و دهنها معها قال ابن جني ذهبوا في بيت زهير

حتى إذا أنبت البقل إلى أنه في معنى نبت و قد يجوز أن يكون محذوف المفعول بمعنى حتى إذا أنبت البقل ثمره قال و من ذهب إلى زيادة الباء في قوله تنبت بالدهن فمضعوف المذهب لأنه يزيد حرفا لا حاجة له إلى اعتقاد زيادته.

المعنى

ثم عطف سبحانه على ما تقدم فقال «و شجرة تخرج من طور سيناء» أي و أنشأنا لكم بذلك المطر شجرة يعني شجرة الزيتون و خصت بالذكر لما فيها من العبرة بأنه لا يتعاهدها إنسان بالسقي و هي تخرج الثمرة التي يكون منها الدهن الذي تعظم به المنفعة و سيناء اسم المكان الذي به هذا الجبل في أصح الأقوال و هي نبطية في قول الضحاك و حبشية في قول عكرمة و هي اسم حجارة بعينها أضيف الجبل إليها عن مجاهد

و قيل سيناء البركة فكأنه قيل جعل البركة عن ابن عباس و قتادة و قيل طور سيناء الجبل المشجر أي كثير الشجر عن الكلبي و قيل هو الجبل الحسن عن عطاء و هو الجبل الذي نودي منه موسى (عليه السلام) و هو ما بين مصر و إيلة عن ابن زيد «تنبت بالدهن» أي تنبت ثمرها بالدهن لأنه يعصر من الزيتون الزيت «و صبغ للآكلين» و الصبغ ما يصطبغ به من الأدم و ذلك أن الخبز يلون بالصبغ إذا غمس فيه و الاصطباغ بالزيت الغمس فيه للائتدام به و المراد بالصبغ الزيت عن ابن عباس فإنه يدهن به و يؤتدم جعل الله في هذه الشجرة آدما و دهنا فالآدم الزيتون و الدهن الزيت و قد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال الزيت شجرة مباركة فأتدموا به و أدهنوا «و إن لكم في الأنعام لعبرة» أي دلالة تستدلون بها على قدرة الله تعالى «نسقيكم مما في بطونها» أراد به اللبن و من قرأ بضم النون أراد أنا جعلنا ما في ضروعها من اللبن سقيا لكم و من فتح النون جعل ذلك مختصا بالسقاة و هو مفسر في سورة النحل «و لكم فيها منافع كثيرة» في ظهورها و ألبانها و أوبارها و أصوافها و أشعارها «و منها تأكلون» أي من لحومها و أولادها و التكسب بها «و عليها» يعني على الإبل خاصة «و على الفلك تحملون» و هذا كقوله «و حملناهم في البر و البحر» أما في البر فالإبل و أما في البحر فالسفن و لما قدم سبحانه ذكر الأدلة الدالة على كمال قدرته فأتبعها بذكر شمول نعمته على كافة خليقته عقب ذلك بذكر إنعامه عليهم بإرسال الرسل فقال «و لقد أرسلنا نوحا إلى قومه» قيل إنما سمي نوحا لكثرة نوحه على نفسه عن ابن عباس و قيل في سبب نوحه أنه كان يدعو على قومه بالهلاك و قيل هو مراجعته ربه في شأن ابنه «فقال يا قوم اعبدوا الله» أي أطيعوه و وحدوه «ما لكم من إله غيره» بدأ بالتوحيد لأنه الأهم «أ فلا تتقون» عذاب الله في ترك الإيمان به «فقال الملأ» أي الأشراف «الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم» أي يتشرف و يترأس عليكم بأن يصير متبوعا و أنتم له تبع فيكون له الفضل عليكم «و لو شاء الله» أن لا يعبد شيء سواه «لأنزل ملائكة» و لم يرسل بشرا آدميا «ما سمعنا بهذا» الذي يدعونا إليه نوح من التوحيد «في آبائنا الأولين» أي في الأمم الماضية «إن هو إلا رجل به جنة» أي حالة جنون «فتربصوا به حتى حين» أي انتظروا موته فتستريحوا منه و قيل فانتظروا إفاقته من جنونه فيرجع عما هو عليه و قيل معناه احبسوه مدة ليرجع عن قوله.