۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة المؤمنون، آية ١٠٣

التفسير يعرض الآيات ١٠١ إلى ١١٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلَآ أَنسَابَ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ ١٠١ فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٠٢ وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فِي جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ ١٠٣ تَلۡفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمۡ فِيهَا كَٰلِحُونَ ١٠٤ أَلَمۡ تَكُنۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ١٠٥ قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتۡ عَلَيۡنَا شِقۡوَتُنَا وَكُنَّا قَوۡمٗا ضَآلِّينَ ١٠٦ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡهَا فَإِنۡ عُدۡنَا فَإِنَّا ظَٰلِمُونَ ١٠٧ قَالَ ٱخۡسَـُٔواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ١٠٨ إِنَّهُۥ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١٠٩ فَٱتَّخَذۡتُمُوهُمۡ سِخۡرِيًّا حَتَّىٰٓ أَنسَوۡكُمۡ ذِكۡرِي وَكُنتُم مِّنۡهُمۡ تَضۡحَكُونَ ١١٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

فَإِذَا نُفِخَ فى الصورِ فَلا أَنساب بَيْنَهُمْ يَوْمَئذٍ وَ لا يَتَساءَلُونَ (101) فَمَن ثَقُلَت مَوَزِينُهُ فَأُولَئك هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَ مَنْ خَفّت مَوَزِينُهُ فَأُولَئك الّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسهُمْ فى جَهَنّمَ خَلِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وَ هُمْ فِيهَا كَلِحُونَ (104) أَ لَمْ تَكُنْ ءَايَتى تُتْلى عَلَيْكمْ فَكُنتُم بهَا تُكَذِّبُونَ (105) قَالُوا رَبّنَا غَلَبَت عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَ كنّا قَوْماً ضالِّينَ (106) رَبّنَا أَخْرِجْنَا مِنهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنّا ظلِمُونَ (107) قَالَ اخْسئُوا فِيهَا وَ لا تُكلِّمُونِ (108) إِنّهُ كانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبّنَا ءَامَنّا فَاغْفِرْ لَنَا وَ ارْحمْنَا وَ أَنت خَيرُ الرّحِمِينَ (109) فَاتخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِياّ حَتى أَنسوْكُمْ ذِكْرِى وَ كُنتُم مِّنهُمْ تَضحَكُونَ (110)

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير عاصم شقاوتنا بالألف و فتح الشين و الباقون «شقوتنا» بكسر الشين من غير ألف و قرأ أهل المدينة و أهل الكوفة غير عاصم سخريا بضم السين و الباقون بكسرها و كذلك في سورة ص.

الحجة

قال أبو علي الشقوة مصدر كالرقة و الفطنة و الشقاوة كالسعادة فالقراءة بهما جميعا سائغة و قال أبو زيد اتخذت فلانا سخريا و سخريا إذا هزئت منه و قد سخرت منه أسخر سخريا و سخر قال أبو عبيدة اتخذتموهم سخريا تسخرون منهم و سخريا تسخرونهم و يقال أيضا أن من الهزء سخري و سخري و من السخرية مضمومة لا غير و حكي عن الحسن و قتادة أن ما كان من العبودة فهو سخري بالضم و ما كان من الهزء فبالكسر قال أبو علي الأكثر في الهزء كسر السين فيما حكوه و يروى أنه إنما كان أكثر لأن السخر مصدر سخرت و فعل و فعل قد

يكونان بمعنى نحو المثل و المثل و الشبه و الشبه في حرف آخر فكذلك السخر و السخر إلا أن المكسورة ألزمت ياء النسب دون المفتوحة مما اتفقوا في القسم على الفتح في لعمر الله و لم يعتد بياء النسب كما لم يعتد بها في نحو أحمر و أحمري و دوار و دواري و الوجه في الضم على ما حكي عن يونس أن السخري قد يقال بالضم بمعنى الهزء و اتفق القراء على الضم في الزخرف لأنه من السخرة و انقياد بعضهم لبعض في الأمور و ذلك لا يكون إلا بالضم.

اللغة

اللفح و النفح: بمعنى إلا أن اللفح أشد تأثيرا و أعظم من النفح و هو ضرب من السموم للوجه و النفح ضرب الريح الوجه و الكلوح تقلص الشفتين عن الأسنان حتى تبدو الأسنان قال الأعشى

{و له المقدم لا مثل له --- ساعة الشدق عن الناب}

كلح و خسأت فلانا أخسأه خسأ إذا زجرته ليتباعد فخسأ و هو خاسىء و معنى اخسأ أي تباعد تباعد سخط.

الإعراب

العامل في إذا نفخ و بينهم و يومئذ خبر لا المحذوف تقديره فلا أنساب تثبت بينهم «تلفح وجوههم النار» في موضع النصب على الحال و العامل فيه «خالدون».

المعنى

ثم بين سبحانه حال الفريقين يوم البعث فقال «فإذا نفخ في الصور» قيل أن المراد به نفخة الصعق عن ابن عباس و قيل نفخة البعث عن ابن مسعود و الصور جمع صورة أي إذا نفخ فيه الأرواح و أعيدت أحياء عن الحسن و قيل إن الصور قرن ينفخ فيه إسرافيل (عليه السلام) بالصوت العظيم الهائل على ما وصفه الله تعالى علامة لوقت إعادة الخلق عن أكثر المفسرين «فلا أنساب بينهم يومئذ» أي لا يتواصلون بالأنساب و لا يتعاطفون بها مع معرفة بعضهم بعضا عن الحسن و المعنى أنه لا يرحم قريب قريبه لشغله عنه فإن المقصود بالأنساب دفع ضر أو جر نفع فإذا ذهب هذا المقصود فكان الأنساب قد ذهبت و مثله يوم يفر المرء من أخيه و أمه و أبيه و قيل معناه لا يتفاخرون بالأنساب كما كانوا يفعلونه في الدنيا عن ابن عباس و الجبائي و لا بد من تقدير محذوف في الآية على تأويل فلا أنساب بينهم يومئذ يتفاخرون بها أو يتعاطفون بها و المعنى أنه لا يفضل بعضهم بعضا يومئذ بنسب و إنما يتفاضلون بأعمالهم و قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كل حسب و نسب منقطع يوم القيامة إلا حسبي و نسبي «و لا يتساءلون» أي لا يسأل بعضهم بعضا عن حاله و خبره كما كانوا يسألون في الدنيا لشغل كل واحد بنفسه عن

الجبائي و قيل لا يسأل بعضهم بعضا أن يحمل عنه ذنبه و لا تنافي بين هذه الآية و بين قوله فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون لأن للقيامة أحوالا و مواطن فمنها حال يشغلهم عظم الأمر فيها عن المسألة و منها حال يلتفتون فيها فيتساءلون و هذا معنى قول ابن عباس لما سئل عن الآيتين فقال هذه تارات يوم القيامة و قيل إنما يتساءلون عند دخول الجنة و إنما يسأل بعض أهل الجنة بعضا فإنهم لا يفزعون من أهوال القيامة عن السدي «فمن ثقلت موازينه» بالطاعات «فأولئك هم المفلحون» الناجون «و من خفت موازينه» عن الطاعات «فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون» و قد تقدم تفسير الآيتين و اختلاف المفسرين في كيفية الميزان و الوزن في سورة الأعراف «تلفح وجوههم النار» أي يصيب وجوههم لفح النار و لهبها «و هم فيها كالحون» أي عابسون عن ابن عباس و قيل هو أن تتقلص شفاههم و تبدو أسنانهم كالرءوس المشوية عن الحسن «أ لم تكن آياتي تتلى عليكم» أي و يقال لهم أ و لم يكن القرآن يقرأ عليكم و قيل أ لم تكن حججي و بيناتي و أدلتي تقرأ عليكم في دار الدنيا «فكنتم بها تكذبون قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا» أي شقاوتنا و معناهما واحد و هو المضرة اللاحقة في العافية و السعادة المنفعة اللاحقة في العافية و يقال لمن حصل في الدنيا على مضرة فادحة شقي و المعنى استعلت علينا سيئاتنا التي أوجبت لنا الشقاء «و كنا قوما ضالين» أي ذاهبين عن الحق و لما كانت سيئاتهم التي شقوا بها سبب شقاوتهم سميت شقاوة توسعا و من أكبر الشقاوة أن تترك عبادة الله تعالى إلى عبادة غيره و تترك الأدلة و يتبع الهوى «ربنا أخرجنا منها» أي من النار «فإن عدنا» لما تكره من الكفر و التكذيب و المعاصي «فإنا ظالمون» لأنفسنا قال الحسن هذا آخر كلام يتكلم به أهل النار ثم بعد ذلك يكون لهم شهيق كشهيق الحمار «قال اخسئوا فيها» أي ابعدوا بعد الكلب في النار و هذه اللفظة زجر للكلاب و إذا قيل ذلك للإنسان يكون للإهانة المستحقة للعقوبة «و لا تكلمون» و هذه مبالغة للإذلال و الإهانة و إظهار الغضب عليهم لأن من لا يكلم إهانة له فقد بلغ به الغاية في الإذلال و قيل معناه و لا تكلمون في رفع العذاب فإني لا أرفعه عنكم و هي على صيغة النهي و ليست بنهي لأن الأمر و النهي مرتفعان في الآخرة لارتفاع التكليف «إنه كان فريق من عبادي» أي طائفة من عبادي و هم الأنبياء و المؤمنون «يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا و ارحمنا و أنت خير الراحمين» أي يدعون بهذه الدعوات في الدنيا طلبا لما عندي من الثواب «فاتخذتموهم» أنتم يا معشر الكفار «سخريا» أي كنتم تهزئون و تسخرون منهم و قيل معناه تستعبدونهم و تصرفونهم في أعمالكم و حوائجكم كرها بغير أجر و قيل إنهم كانوا إذا آذوا المؤمنين قالوا انظروا إلى هؤلاء رضوا من الدنيا بالعيش الدني طمعا في ثواب الآخرة و ليس وراءهم آخرة

و لا ثواب فهو مثل قوله و إذا مروا بهم يتغامزون «حتى أنسوكم ذكري» أي نسيتم ذكري لاشتغالكم بالسخرية منهم فنسب الإنساء إلى عبادة المؤمنين و إن لم يفعلوه لما كانوا السبب في ذلك «و كنتم منهم تضحكون» ظاهر المعنى.