۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الأنبياء، آية ٩١

التفسير يعرض الآيات ٩١ إلى ٩٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلۡنَٰهَا وَٱبۡنَهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ٩١ إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ ٩٢ وَتَقَطَّعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡۖ كُلٌّ إِلَيۡنَا رَٰجِعُونَ ٩٣ فَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَا كُفۡرَانَ لِسَعۡيِهِۦ وَإِنَّا لَهُۥ كَٰتِبُونَ ٩٤ وَحَرَٰمٌ عَلَىٰ قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَآ أَنَّهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ٩٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ الّتى أَحْصنَت فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رّوحِنَا وَ جَعَلْنَهَا وَ ابْنَهَا ءَايَةً لِّلْعَلَمِينَ (91) إِنّ هَذِهِ أُمّتُكُمْ أُمّةً وَحِدَةً وَ أَنَا رَبّكمْ فَاعْبُدُونِ (92) وَ تَقَطعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ كلّ إِلَيْنَا رَجِعُونَ (93) فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصلِحَتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كفْرَانَ لِسعْيِهِ وَ إِنّا لَهُ كتِبُونَ (94) وَ حَرَمٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا أَنّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (95)

القراءة

قرأ حمزة و الكسائي و أبو بكر و حرم بكسر الحاء بغير ألف و الباقون «و حرام» و هو قراءة الصادق (عليه السلام) و في الشواذ قراءة الحسن و ابن أبي إسحاق أمة واحدة بالرفع و قرأ ابن عباس و قتادة و حرم و في رواية أخرى عن ابن عباس و حرم و هي قراءة عكرمة و أبي العالية.

الحجة

قال أبو علي حرم و حرام لغتان و كذلك حل و حلال و كل واحد من حرم و حرام إن شئت رفعته بالابتداء لاختصاصه بما جاء بعده من الكلام و خبره محذوف و تقديره و حرام على قرية أهلكناها بأنهم لا يرجعون مقضي أو ثابت أو محكوم عليه و إن شئت جعلته خبر مبتدإ محذوف و جعلت لا زائدة و المعنى حرام على قرية أهلكناها رجوعهم كما قال فلا يستطيعون توصية و لا إلى أهلهم يرجعون و إن شئت جعلته خبر مبتدإ و أضمرت مبتدأ كما ذكرت و يكون المعنى حرام على قرية أهلكناها بالاستئصال رجوعهم لأنهم لا يرجعون و تكون لا غير زائدة و المعنى حرام عليهم أنهم ممنوعون من ذلك و قال الزجاج تقديره و حرام على قرية أهلكناها أن يتقبل منهم عمل لأنهم لا يرجعون أي لا يتوبون أبدا كما قال سبحانه «ختم الله على قلوبهم» الآية فعلى هذا يكون حرام خبر مبتدإ محذوف و هو قوله أن يتقبل منهم عمل و «أنهم لا يرجعون» في موضع نصب لأنه مفعول له فأما من قرأ حرم على قرية فإنه من حرم فهو حرم أي قمر ماله قال زهير:

{و إن أتاه خليل يوم مسغبة --- يقول لا غائب مالي و لا حرم}

و أما حرم فمعناه ظاهر و من قرأ أمة بالرفع جعله بدلا من «أمتكم» و يجوز أن يكون خبرا بعد خبر و أمة منصوبة على الحال و العامل فيها معنى الإشارة و ذو الحال الأمة الأولى و في الحقيقة الحال الأولى قوله «واحدة» التي هي صفة الأمة كقوله تعالى «قرآنا عربيا» و التقدير «إن هذه أمتكم أمة واحدة» ) أي مجتمعة غير متفرقة.

المعنى

ثم عطف سبحانه على ما تقدم بقصة عيسى (عليه السلام) فقال «و التي أحصنت فرجها» يعني مريم ابنة عمران أي و اذكر مريم التي حفظت فرجها و حصنته و عفت و امتنعت من الفساد «فنفخنا فيها من روحنا» أي أجرينا فيها روح المسيح كما يجري الهواء بالنفخ فأضاف الروح إلى نفسه على وجه الملك تشريفا له في الاختصاص بالذكر و قيل إن معناه أمرنا جبرائيل فنفخ في جيب درعها فخلقنا المسيح في رحمها «و جعلناها و ابنها آية

للعالمين» إنما قال آية و لم يقل آيتين لأنه في موضع دلالة فلا يحتاج إلى أن تثنى الآية فيهما أنها جاءت به من غير فحل فتكلم في المهد بما يوجب براءة ساحتها من العيب «إن هذه أمتكم أمة واحدة» أي هذا دينكم دين واحد عن ابن عباس و مجاهد و الحسن و أصل الأمة الجماعة التي على مقصد واحد فجعلت الشريعة أمة واحدة لاجتماعهم بها على مقصد واحد و قيل معناه جماعة واحدة في أنها مخلوقة مملوكة لله تعالى أي فلا تكونوا إلا على دين واحد و قيل معناه هؤلاء الذين تقدم ذكرهم من الأنبياء فريقكم الذي يلزمكم الاقتداء بهم في حال اجتماعهم على الحق كما يقال هؤلاء أمتنا أي فريقنا و موافقونا على مذهبنا «و أنا ربكم» الذي خلقكم «فاعبدوني» و لا تشركوا بي شيئا ثم ذكر اليهود و النصارى بالاختلاف فقال «و تقطعوا أمرهم بينهم» أي فرقوا دينهم فيما بينهم يلعن بعضهم بعضا و يتبرأ بعضهم من بعض عن الكلبي و ابن زيد و التقطع هذا بمنزلة التقطيع ثم قال مهددا لهم «كل إلينا راجعون» أي كل ممن اجتمع و افترق راجع إلى حكمنا في الوقت الذي لا يقدر على الحكم سوانا فنجازيهم بأعمالهم «فمن يعمل من الصالحات» التقدير فمن يعمل من الصالحات شيئا مثل صلة الرحم و معونة الضعيف و نصر المظلوم و التنفيس عن المكروب و غير ذلك من أنواع الطاعات «و هو مؤمن» شرط الإيمان لأن هذه الأشياء لو فعلها الكافر لم ينتفع بها عند الله تعالى «فلا كفران لسعيه» أي فلا جحود لإحسانه في عمله بل يشكر و يثاب عليه «و إنا له كاتبون» أي نأمر ملائكتنا أن يكتبوا ذلك و يثبتوه فلا يضيع منه شيء و قيل كاتبون أي ضامنون جزاءه حتى نوفر على عاملها مجموعة و منه الكتيبة لأنه ضم رجال إلى رجال «و حرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون» اختلف في معناه على وجوه ( أحدها ) أن لا مزيدة و المعنى حرام على قرية مهلكة بالعقوبة أن يرجعوا إلى دار الدنيا عن الجبائي و قيل إن معناه واجب عليها إنها إذا أهلكت لا ترجع إلى دنياها عن قتادة و عكرمة و الكلبي قال عطا يريد حتم مني و المراد إن الله تعالى كتب على من أهلك أن لا يرجع إلى الدنيا قضاء منه حتما و في ذلك تخويف لكفار مكة بأنهم إن عذبوا و أهلكوا لم يرجعوا إلى الدنيا كغيرهم من الأمم المهلكة و قد جاء الحرام بمعنى الواجب في شعر الخنساء:

{و إن حراما لا أرى الدهر باكيا --- على شجوة إلا بكيت على صخر}

( و ثانيها ) إن معناه حرام على قرية وجدناها هالكة بالذنوب أن يتقبل منهم عمل لأنهم

لا يرجعون إلى التوبة ( و ثالثها ) إن معناه حرام أن لا يرجعوا بعد الممات بل يرجعون أحياء للمجازاة عن أبي مسلم و روى محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال كل قرية أهلكها الله بعذاب فإنهم لا يرجعون.