۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الأنبياء، آية ٨٧

التفسير يعرض الآيات ٨٧ إلى ٩٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٧ فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡغَمِّۚ وَكَذَٰلِكَ نُـۨجِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٨٨ وَزَكَرِيَّآ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ رَبِّ لَا تَذَرۡنِي فَرۡدٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡوَٰرِثِينَ ٨٩ فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَوَهَبۡنَا لَهُۥ يَحۡيَىٰ وَأَصۡلَحۡنَا لَهُۥ زَوۡجَهُۥٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ ٩٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ ذَا النّونِ إِذ ذّهَب مُغَضِباً فَظنّ أَن لّن نّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فى الظلُمَتِ أَن لا إِلَهَ إِلا أَنت سبْحَنَك إِنى كنت مِنَ الظلِمِينَ (87) فَاستَجَبْنَا لَهُ وَ نجّيْنَهُ مِنَ الْغَمِّ وَ كَذَلِك نُجِى الْمُؤْمِنِينَ (88) وَ زَكرِيّا إِذْ نَادَى رَبّهُ رَب لا تَذَرْنى فَرْداً وَ أَنت خَيرُ الْوَرِثِينَ (89) فَاستَجَبْنَا لَهُ وَ وَهَبْنَا لَهُ يَحْيى وَ أَصلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنّهُمْ كانُوا يُسرِعُونَ فى الْخَيرَتِ وَ يَدْعُونَنَا رَغَباً وَ رَهَباً وَ كانُوا لَنَا خَشِعِينَ (90)

القراءة

قرأ يعقوب فظن أن لن يقدر بضم الياء و الباقون «نقدر» بالنون و كسر الدال و قرأ ابن عامر و أبو بكر نجي بنون واحدة و تشديد الجيم و الباقون «ننجي» بالنونين.

الحجة

قوله «أن لن نقدر عليه» أن هذه مخففة من الثقيلة و تقديره ظن أنه لن نقدر

عليه أي لن نضيق عليه و من قرأ لن يقدر عليه فهو مثل الأول في المعنى بني الفعل للمفعول به و أقيم الجار و المجرور مقام الفاعل و من قرأ نجي المؤمنين بنون واحدة قال أبو بكر السراج هو وهم لأن النون لا تدغم في الجيم و إنما خفيت لأنها ساكنة تخرج من الخياشيم فحذفت في الكتابة و هي في اللفظ ثابتة قال أبو علي و القول في ذلك إن عاصما ينبغي أن يكون قرأ بنونين و أخفى الثانية فظن السامع أنه مدغم و كذلك غيره.

المعنى

ثم ذكر سبحانه قصة يونس (عليه السلام) فقال «و ذا النون» أي و اذكر ذا النون و النون الحوت و صاحبها يونس بن متى «إذ ذهب» أي حين ذهب «مغاضبا» لقومه عن ابن عباس و الضحاك أي مراغما لهم من حيث أنه دعاهم إلى الإيمان مدة طويلة فلم يؤمنوا حتى أوعدهم الله بالعذاب فخرج من بينهم مغاضبا لهم قبل أن يؤذن له «فظن أن لن نقدر عليه» أي لن نضيق عليه عن عطا و جماعة من المفسرين و قيل ظن أن لن نقضي عليه ما قضيناه و القدر بمعنى القضاء عن مجاهد و قتادة و الكلبي و الجبائي قال الجبائي ضيق الله عليه الطريق حتى ألجأه إلى ركوب البحر ثم قذف فيه فابتلعته السمكة و من قال أنه خرج مغاضبا لربه و أنه ظن أن لن يقدر الله على أخذه بمعنى أنه يعجز عنه فقد أساء الثناء على الأنبياء فإن مغاضبة الله كفر أو كبيرة عظيمة و تجويز العجز على الله سبحانه كذلك فكيف يجوز ذلك على نبي من أنبياء الله تعالى و قال ابن زيد إنه استفهام معناه التوبيخ و تقديره فظن إن لن نقدر عليه و أنكره علي بن عيسى و قال لا يجوز حذف الاستفهام من غير دليل عليه و قد جاء في كلام العرب حذفه على خلاف ما قاله أنشد النحويون قول عمر بن أبي ربيعة:

{ثم قالوا تحبها قلت بهرا --- عدد القطر و الحصى و التراب}

أي أ تحبها «فنادى في الظلمات» قيل إنها ظلمة الليل و ظلمة البحر و ظلمة بطن الحوت عن ابن عباس و قتادة و قيل كان حوت في بطن حوت عن سالم بن أبي الجعد «أن لا إله إلا أنت سبحانك» لما أراد السؤال و الدعاء قدم ذكر التوحيد و العدل ثم قال «إني كنت من الظالمين» أي من الذين يقع منهم الظلم و إنما قاله على سبيل الخشوع و الخضوع لأن جنس البشر لا يمتنع منه وقوع الظلم قال الجبائي لم يكن يونس في بطن الحوت على جهة العقوبة من الله تعالى لأن العقوبة عداوة للمعاقب لكن كان ذلك على وجه التأديب و التأديب يجوز للمكلف و غير المكلف كتأديب الصبي و غيره و بقاؤه في بطن الحوت حيا

معجزة له «فاستجبنا له و نجيناه من الغم» أي من بطن الحوت «و كذلك ننجي المؤمنين» أي ننجيهم إذا دعونا به كما أنجينا ذا النون ثم قال سبحانه «و زكريا» أي و اذكر زكريا «إذ نادى ربه» و دعاه يا «رب لا تذرني فردا» بغير وارث و لا ولد يعينني على أمر الدين و الدنيا في حياتي و يرثني بعد وفاتي «و أنت خير الوارثين» هذا ثناء على الله سبحانه بأنه الباقي بعد فناء خلقه و أنه خير من بقي حيا بعد ميت و إن الخلق كلهم يموتون و يبقى هو سبحانه «فاستجبنا له و وهبنا له يحيى» روى الحرث بن المغيرة قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ) إني من أهل بيت قد انقرضوا و ليس لي ولد فقال ادع و أنت ساجد رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء «رب لا تذرني فردا و أنت خير الوارثين» قال ففعلت فولد لي علي و الحسين «و أصلحنا له زوجه» بأن كانت عقيمة فجعلناها ولودا عن قتادة و قيل كانت هرمة فرددنا عليها شبابها عن أبي مسلم و قيل كانت سيئة الخلق فجعلناها حسنة الخلق «إنهم» يعني زكريا و يحيى و قيل معناه أن الأنبياء الذين تقدم ذكرهم «كانوا يسارعون في الخيرات» أي يبادرون إلى الطاعات و العبادات «و يدعوننا رغبا و رهبا» أي للرغبة و الرهبة رغبة في الثواب و رهبة من العقاب و قيل راغبين و راهبين عن الضحاك و قيل رغبا ببطون الأكف و رهبا بظهور الأكف «و كانوا لنا خاشعين» أي متواضعين عن ابن عباس و قيل الخشوع المخافة الثابتة في القلب عن الحسن و قيل معناه أنهم قالوا حال النعمة اللهم لا تجعلها استدراجا و حال السيئة اللهم لا تجعلها عقوبة بذنب سلف منا و في قوله سبحانه «يسارعون في الخيرات» دلالة على أن المسارعة إلى كل طاعة مرغب فيها و على أن الصلاة في أول الوقت أفضل.