۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الأنبياء، آية ٢

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

ٱقۡتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمۡ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ مُّعۡرِضُونَ ١ مَا يَأۡتِيهِم مِّن ذِكۡرٖ مِّن رَّبِّهِم مُّحۡدَثٍ إِلَّا ٱسۡتَمَعُوهُ وَهُمۡ يَلۡعَبُونَ ٢ لَاهِيَةٗ قُلُوبُهُمۡۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلۡ هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡۖ أَفَتَأۡتُونَ ٱلسِّحۡرَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ ٣ قَالَ رَبِّي يَعۡلَمُ ٱلۡقَوۡلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٤ بَلۡ قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمِۭ بَلِ ٱفۡتَرَىٰهُ بَلۡ هُوَ شَاعِرٞ فَلۡيَأۡتِنَا بِـَٔايَةٖ كَمَآ أُرۡسِلَ ٱلۡأَوَّلُونَ ٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ اقْترَب لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَ هُمْ فى غَفْلَةٍ مّعْرِضونَ (1) مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكرٍ مِّن رّبِّهِم محْدَثٍ إِلا استَمَعُوهُ وَ هُمْ يَلْعَبُونَ (2) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَ أَسرّوا النّجْوَى الّذِينَ ظلَمُوا هَلْ هَذَا إِلا بَشرٌ مِّثْلُكمْ أَ فَتَأْتُونَ السحْرَ وَ أَنتُمْ تُبْصِرُونَ (3) قَالَ رَبى يَعْلَمُ الْقَوْلَ فى السمَاءِ وَ الأَرْضِ وَ هُوَ السمِيعُ الْعَلِيمُ (4) بَلْ قَالُوا أَضغَث أَحْلَمِ بَلِ افْترَاهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِئَايَةٍ كمَا أُرْسِلَ الأَوّلُونَ (5)

القراءة

قرأ حمزة و الكسائي و حفص قال ربي بالألف و الباقون قل ربي.

الحجة

من قرأ «قال» فإنه على إضافة القول إلى الرسول و الخبر عنه و من قرأ قل فإنه على الخطاب.

الإعراب

«من ذكر» في موضع رفع و من مزيدة.

«من ربهم» صفة لذكر فيجوز أن يكون في موضع جر على لفظه و يجوز أن يكون في موضع رفع على محل الجار و المجرور.

«استمعوه» في محل النصب على الحال بإضمار قد و تقديره ما يأتيهم ذكر رباني إلا مستمعا.

«و هم يلعبون» حال من الواو و في استمعوه.

«لاهية قلوبهم» حال من الواو في «يلعبون» و إن شئت كان حالا بعد حال و قوله «و أسروا النجوى الذين ظلموا» موضع الذين ظلموا يجوز أن يكون رفعا على وجوه ( أحدها ) أن يكون على البدل من الواو في أسروا ( و الثاني ) أن يكون مرفوعا على الذم فيكون خبر مبتدإ محذوف أي هم الذين ظلموا ( و الثالث ) أن يكون فاعل أسروا على لغة من يقول أكلوني البراغيث و تكون الواو في أسروا حرفا لعلامة الجمع كالتاء في قالت و لا يكون اسما و يجوز أن يكون في موضع نصب على الذم بإضمار أعني.

المعنى

«اقترب للناس حسابهم» اقترب افتعل من القرب و المعنى اقترب للناس وقت حسابهم يعني القيامة كما قال «اقتربت الساعة» أي دنا وقت محاسبة الله إياهم و مسألتهم عن نعمه هل قابلوها بالشكر و عن أوامره هل امتثلوها و عن نواهيه هل اجتنبوها و إنما وصف ذلك بالقرب لأنه آت و كل ما هو آت قريب و لأن أحد أشراط الساعة مبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد قال بعثت أنا و الساعة كهاتين و أيضا فإن الزمان يقرب بكثرة ما مضى و قلة ما بقي فيكون يسيرا بالإضافة إلى ما مضى «و هم في غفلة» من دنوها و كونها «معرضون» عن التفكر فيها و التأهب لها و قيل عن الإيمان بها و تضمنت الآية الحث على الاستعداد ليوم القيامة «ما يأتيهم من ذكر من ربهم» يعني القرآن «محدث» أي محدث التنزيل مبتدأ التلاوة كنزول سورة و آية بعد آية «إلا استمعوه و هم يلعبون لاهية قلوبهم» أي لم يستمعوه استماع نظر و تدبر و قبول و تفكر و إنما استمعوه استماع لعب

و استهزاء و قال ابن عباس معناه يستمعون القرآن مستهزئين غافلة قلوبهم عما يراد بهم «و أسروا النجوى» أي تناجوا فيما بينهم يعني المشركين ثم بين من هم فقال «الذين ظلموا» أي أشركوا بالله ثم بين سبحانه سرهم الذي تناجوا به فقال «هل هذا إلا بشر مثلكم» أي أنه آدمي مثلكم ليس مثل الملائكة «أ فتأتون السحر و أنتم تبصرون» أي أ فتقبلون السحر و أنتم تعلمون أنه سحر نفروا الناس عنه بشيئين ( أحدهما ) أنه بشر ( و الآخر ) أن ما أتى به سحر و قيل إن أسروا معناه أظهروا هذا القول فإن هذا اللفظ مشترك بين الإخفاء و الإظهار و الأول أصح ثم أمر سبحانه نبيه فقال «قال» يا محمد «ربي» الذي خلقني و اصطفاني «يعلم القول في السماء و الأرض» أي يعلم أسرار المتناجين لا يخفى عليه شيء من ذلك «و هو السميع» لأقوالهم «العليم» بأفعالهم و ضمائرهم «بل قالوا أضغاث أحلام» بل للإضراب عما حكى سبحانه أنهم قالوه أولا و للإخبار عما قالوه ثانيا أي قالوا إن القرآن تخاليط أحلام رآها في المنام عن قتادة «بل افتراه» أي ثم قالوا لا بل افتراه أي تخرصه و افتعله «بل هو شاعر» أي ثم قالوا بل هو شاعر و هذا قول المتحير الذي بهره ما سمع فمرة يقول سحر و مرة يقول شعر و مرة يقول حلم و لا يجزم على أمر واحد و هذه مناقضة ظاهرة «فليأتنا بآية كما أرسل الأولون» معناه فليأتنا بآية ظاهرة يستدركها الخاص و العام كما أتى بها الأولون من الأنبياء قال ابن عباس بآية مثل الناقة و العصا و قال الزجاج اقترحوا بالآيات التي لا يكون معها إمهال و في قوله سبحانه «ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث» دلالة ظاهرة على أن القرآن محدث لأنه تعالى أراد بالذكر القرآن بدلالة قوله «و هذا ذكر مبارك أنزلناه» و قوله «إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون» و قد وصفه بأنه محدث و يوضحه قوله «ألا استمعوه».