۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة طه، آية ٤

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ٨

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

طه ١ مَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لِتَشۡقَىٰٓ ٢ إِلَّا تَذۡكِرَةٗ لِّمَن يَخۡشَىٰ ٣ تَنزِيلٗا مِّمَّنۡ خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلۡعُلَى ٤ ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ ٥ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَمَا تَحۡتَ ٱلثَّرَىٰ ٦ وَإِن تَجۡهَرۡ بِٱلۡقَوۡلِ فَإِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخۡفَى ٧ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ ٨

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ طه (1) مَا أَنزَلْنَا عَلَيْك الْقُرْءَانَ لِتَشقَى (2) إِلا تَذْكرَةً لِّمَن يخْشى (3) تَنزِيلاً مِّمّنْ خَلَقَ الأَرْض وَ السمَوَتِ الْعُلى (4) الرّحْمَنُ عَلى الْعَرْشِ استَوَى (5) لَهُ مَا فى السمَوَتِ وَ مَا فى الأَرْضِ وَ مَا بَيْنهُمَا وَ مَا تحْت الثرَى (6) وَ إِن تجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنّهُ يَعْلَمُ السرّ وَ أَخْفَى (7) اللّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأَسمَاءُ الحُْسنى (8)

القراءة

قرأ أبو عمرو طه بفتح الطاء و كسر الهاء كسرا لطيفا من غير إفراط و قرأ أهل الكوفة غير عاصم إلا يحيى عن أبي بكر بكسر الطاء و الهاء و كذلك عياش عن أبي عمرو و الباقون بفتح الطاء و الهاء و روي عن أبي جعفر و نافع كهيعص و طه و طس و حم و الر كله بين الفتح و الكسر و هو إلى الفتح أقرب.

الحجة

قد مر القول في الإمالة و التفخيم في الحروف فيما تقدم و التفخيم لغة أهل الحجاز و لغة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

اللغة

الشقاء استمرار ما يشق على النفس و نقيضه السعادة و العلى جمع العليا و منه الدنيا و الدنا و القصوى و الثرى التراب الندي و الجهر رفع الصوت يقال جهر يجهر جهرا فهو جاهر و الصوت مجهور و ضده المهموس.

الإعراب

روي عن الحسن أنه قرأ طه بفتح الطاء و سكون الهاء فإن صح ذلك عنه فأصله طإ فأبدل من الهمزة هاء و معناه طاء الأرض بقدميك جميعا و قد روي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يرفع إحدى رجليه في الصلاة ليزيد تعبه فأنزل الله «طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى» فوضعها

و روي ذلك عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال الزجاج و يجوز أن يكون طه أمر من وطأ يطأ على قول من لم يهمز ثم حذفت الألف فصار ط ثم زيدت الهاء في الوقف و يجوز أن يكون «طه» جاريا مجرى القسم فيكون «ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى» جواب القسم و قوله «تذكرة» مفعول له.

«لمن يخشى» الجار و المجرور في موضع الصفة «لتذكرة» و الأولى أن يكون مصدر فعل محذوف و يكون الاستثناء منقطعا و التقدير لكن «تذكرة» و كذلك قوله «تنزيلا» مصدر لفعل محذوف تقديره نزلناه تنزيلا أو نزل تنزيلا و يدل عليه قوله «أنزلنا».

المعنى

«طه» قد بينا في أول البقرة تفسير حروف المعجم في أوائل السور و الاختلاف فيه و قد قيل إن معنى طه يا رجل عن ابن عباس و سعيد بن جبير و الحسن و مجاهد و الكلبي غير أن بعضهم يقول هو بلسان الحبشية أو النبطية و قال الكلبي هي بلغة عك و أنشد لتميم بن نويرة:

{هتفت بطة في القتال فلم يجب --- فخفت لعمري أن يكون موائلا}

قال الآخر:

{إن السفاهة طه من خلائقكم --- لا بارك الله في القوم الملاعين}

و قال الحسن هو جواب للمشركين حين قالوا إنه شقي فقال سبحانه يا رجل «ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى» لكن لتستعد به و تنال الكرامة به في الدنيا و الآخرة قال قتادة و كان يصلي الليل كله و يعلق صدره بحبل حتى لا يغلبه النوم فأمره الله سبحانه بأن يخفف على نفسه و ذكر أنه ما أنزل عليه الوحي ليتعب كل هذا التعب «إلا تذكرة لمن يخشى» قال المبرد معناه لكن أنزلناه تذكرة أي لتذكرة من يخشى الله و التذكرة مصدر كالتذكير «تنزيلا» أي أنزلناه تنزيلا «ممن خلق الأرض» بدأ بالأرض ليستقيم رءوس الآي «و السماوات العلى» أي الرفيعة العالية نبه بذلك على عظم حال خالقهما ثم أكد ذلك بقوله «الرحمن على العرش استوى» أي هو الرحمن لأنه لما قال ممن خلق بينه بعد ذلك فقال هو الرحمن قال أحمد بن يحيى الاستواء الإقبال على الشيء فكأنه أقبل على خلق العرش و قصد إلى ذلك و قد سبق القول في معنى الاستواء في سورة البقرة و الأعراف «له ما في السماوات و ما في الأرض» أي له ملك ما في السماوات و ما في الأرض و تدبيرهما و علمهما يعني أنه مالك كل شيء و مدبره «و ما بينهما» يعني الهواء «و ما تحت الثرى» و الثرى التراب الندي يعني و ما وارى

الثرى من كل شيء عن الضحاك و قيل يعني ما في ضمن الأرض من الكنوز و الأموات «و إن تجهر بالقول» أي إن ترفع صوتك به «فإنه يعلم السر و أخفى» أي فلا تجهد نفسك برفع الصوت فإنك و إن لم تجهر علم الله السر و أخفى من السر و لم يقل و أخفى منه لدلالة الكلام عليه كما يقول القائل فلان كالفيل أو أعظم و قيل تقديره و إن تجهر بالقول أو لا تجهر فإنه يعلم السر و أخفى منه ثم اختلفوا فيما هو أخفى من السر فقيل ما حدث به العبد غيره في خفية و أخفى منه ما أضمره في نفسه ما لم يحدث به غيره عن ابن عباس و قيل السر ما أضمره العبد في نفسه و أخفى منه ما لم يكن و لا أضمره أحد عن قتادة و سعيد بن جبير و ابن زيد و قيل السر ما تحدث به نفسك و أخفى منه ما تريد أن تحدث به نفسك في ثاني الحال و قيل العمل الذي تستره عن الناس و أخفى منه الوسوسة عن مجاهد و قيل معناه يعلم السر أي أسرار الخلق و أخفى أي سر نفسه عن زيد بن أسلم جعله فعلا ماضيا و روي عن السيدين الباقر و الصادق (عليهما السلام) السر ما أخفيته في نفسك و أخفى ما خطر ببالك ثم أنسيته «الله لا إله إلا هو» لا معبود تحق له العبادة غيره «له الأسماء الحسنى» أي الأسماء الدالة على توحيده و على إنعامه على العباد و على المعاني الحسنة فأيها دعوت جاز و روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال إنه لله تعالى تسعة و تسعين اسما من أحصاها دخل الجنة قال الزجاج تأويله من وحد الله تعالى و ذكر هذه الأسماء الحسنى يريد بها توحيد الله و إعظامه دخل الجنة و قد جاء في الحديث من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة فهذا لمن ذكر اسم الله موحدا له به فكيف بمن ذكر أسماءه كلها يريد بها توحيده و الثناء عليه و إنما قال الحسنى بلفظ التوحيد و لم يقل الأحاسن لأن الأسماء مؤنثة تقع عليها هذه كما تقع على الجماعة هذه كأنه اسم واحد للجمع قال الأعشى:

{و سوف يعقبنيه إن ظفرت به --- رب كريم و بيض ذات أطهار}

و في التنزيل حدائق ذات بهجة و مآرب أخرى: