۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة طه، آية ٣٧

التفسير يعرض الآيات ٣٧ إلى ٤٤

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَلَقَدۡ مَنَنَّا عَلَيۡكَ مَرَّةً أُخۡرَىٰٓ ٣٧ إِذۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰٓ ٣٨ أَنِ ٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ فَلۡيُلۡقِهِ ٱلۡيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأۡخُذۡهُ عَدُوّٞ لِّي وَعَدُوّٞ لَّهُۥۚ وَأَلۡقَيۡتُ عَلَيۡكَ مَحَبَّةٗ مِّنِّي وَلِتُصۡنَعَ عَلَىٰ عَيۡنِيٓ ٣٩ إِذۡ تَمۡشِيٓ أُخۡتُكَ فَتَقُولُ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ مَن يَكۡفُلُهُۥۖ فَرَجَعۡنَٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَۚ وَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا فَنَجَّيۡنَٰكَ مِنَ ٱلۡغَمِّ وَفَتَنَّٰكَ فُتُونٗاۚ فَلَبِثۡتَ سِنِينَ فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ ثُمَّ جِئۡتَ عَلَىٰ قَدَرٖ يَٰمُوسَىٰ ٤٠ وَٱصۡطَنَعۡتُكَ لِنَفۡسِي ٤١ ٱذۡهَبۡ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـَٔايَٰتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكۡرِي ٤٢ ٱذۡهَبَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ٤٣ فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ ٤٤

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ لَقَدْ مَنَنّا عَلَيْك مَرّةً أُخْرَى (37) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلى أُمِّك مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فى التّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فى الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمّ بِالساحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوّ لى وَ عَدُوّ لّهُ وَ أَلْقَيْت عَلَيْك محَبّةً مِّنى وَ لِتُصنَعَ عَلى عَيْنى (39) إِذْ تَمْشى أُخْتُك فَتَقُولُ هَلْ أَدُلّكمْ عَلى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَك إِلى أُمِّك كىْ تَقَرّ عَيْنهَا وَ لا تحْزَنَ وَ قَتَلْت نَفْساً فَنَجّيْنَك مِنَ الْغَمِّ وَ فَتَنّك فُتُوناً فَلَبِثْت سِنِينَ فى أَهْلِ مَدْيَنَ ثمّ جِئْت عَلى قَدَرٍ يَمُوسى (40) وَ اصطنَعْتُك لِنَفْسى (41) اذْهَب أَنت وَ أَخُوك بِئَايَتى وَ لا تَنِيَا فى ذِكْرِى (42) اذْهَبَا إِلى فِرْعَوْنَ إِنّهُ طغَى (43) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لّيِّناً لّعَلّهُ يَتَذَكّرُ أَوْ يخْشى (44)

القراءة

قرأ أبو جعفر و لتصنع بالجزم و الباقون بكسر اللام و النصب و في الشواذ قراءة أبي نهيك و لتصنع بكسر اللام و فتح التاء.

الحجة

قوله «و لتصنع» بالجزم مثل قولهم و لتعن بحاجتي فالمأمور غائب غير مخاطب لأن العاني بالحاجة غير المخاطب و ليس ذلك مثل قوله «فليفرحوا» فإن المأمور هناك مخاطب به «و لتصنع على عيني» قال أحمد بن يحيى معناه لتكون حركتك و تصرفك على عين مني و قراءة الفراء «و لتصنع على عيني» بضم التاء و فتح العين معناه لتربى و تغذى بمرأى مني.

اللغة

أصل المن القطع و منه أجر غير ممنون و حبل منين أي منقطع فالمن نعمة تقطع لصاحبها من غيره و المرة الكرة الواحدة من المر و القذف الطرح و اليم البحر و الاصطناع افتعال من الصنع و الصنع اتخاذ الخير لصاحبه و ونى في الأمر يني ونيا و ونى ذا افتر فهو وان و متوان فيه قال العجاج:

{فما ونى محمد مذ أن غفر --- له الإله ما مضى و ما غبر}

الإعراب

مرة و يحتمل أن يكون مصدرا و يحتمل أن يكون ظرفا و يكون التقدير مرة أخرى أو وقتا آخر.

«ما يوحى» ما مصدرية و تقديره و أوحينا إلى أمك إيحاء و «إن اقذفيه» في موضع نصب بأنه مفعول أوحينا و لتصنع اللام يتعلق بالقيت أي لتربى «و لتصنع» و قوله «على قدر» في موضع النصب على الحال و تقديره جئت مقدرا ما قدر لك.

المعنى

لما أخبر سبحانه موسى بأنه آتاه طلبته و أعطاه سؤله عدد عقيبه ما تقدم ذلك من نعمه عليه و مننه لديه فقال «و لقد مننا عليك مرة أخرى» أي أنعمنا عليك من صغرك إلى كبرك جارية نعمتنا عليك متوالية فإجابتنا الآن دعاك تلوها ثم فسر سبحانه تلك النعمة فقال «إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى» أي حين أوحينا إلى أمك أي ألهمناها ما يلهم و هو ما

كان فيه سبب نجاتك من القتل حتى عنيت بأمرك و قيل كانت رأت في المنام عن الجبائي ثم فسر ذلك الإيحاء فقال «أن اقذفيه في التابوت» أي اجعليه فيه بأن ترميه فيه «فاقذفيه في اليم» يريد النيل «فليلقه اليم بالساحل» و هو شط البحر لفظه أمر فكأنه أمر البحر كما أمر أم موسى و المراد به الخبر و المعنى حتى يلقيه البحر بالشط «يأخذه عدو لي و عدو له» يعني فرعون كان عدوا لله و لأنبيائه و عدوا لموسى خاصة لتصوره إن ملكه ينقرض على يده و كانت هذه المنة من الله سبحانه على موسى أن فرعون كان يقتل غلمان بني إسرائيل ثم خشي أن يفنى نسلهم فكان يقتل بعد ذلك في سنة و لا يقتل في سنة فولد موسى في السنة التي كان يقتل الغلمان فيها فنجاه الله تعالى منه «و ألقيت عليك محبة مني» أي جعلتك بحيث يحبك من يراك حتى أحبك فرعون فسلمت من شره و أحبتك امرأته آسية بنت مزاحم فتبنتك و ربتك في حجرها عن عكرمة و قيل معناه حببتك إلى عبادي فلا يلقاك أحد مؤمن و لا كافر إلا أحبك عن ابن عباس و هذا كما يقال ألبسه الله جمالا و ألقى عليه جمالا و قال قتادة ملاحة كانت في عين موسى فما رآه أحد إلا عشقه «و لتصنع على عيني» أي لتربى و تغذى بمرأى مني أي يجري أمرك على ما أريد بك من الرفاهة في غذائك عن قتادة و ذلك أن من صنع لإنسان شيئا و هو ينظر إليه صنعه كما يحب و لا يتهيأ له خلافه و قيل لتربى و يطلب لك الرضاع على علم مني و معرفة لتصل إلى أمك عن الجبائي و قيل لتربى و تغذى بحياطتي و كلاءتي و حفظي كما يقال في الدعاء بالحفظ و الحياطة عين الله عليك عن أبي مسلم «إذ تمشي أختك فتقول» الظرف يتعلق بتصنع و المعنى و لتصنع على عيني قدرنا مشي أختك و قولها «هل أدلكم على من يكفله» لأن هذا كان من أسباب تربية موسى على ما أراده الله و هو قوله «إذ تمشي أختك» يعني حين قالت لها أم موسى قصيه فاتبعت موسى على إثر الماء و ذلك أن أم موسى اتخذت تابوتا و جعلت فيه قطنا و وضعته فيه و ألقته في النيل و كان يشرع من النيل نهر كبير في باغ فرعون فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذ التابوت يجيء على رأس الماء فأمر بإخراجه فلما فتحوا رأسه إذا صبي به من أحسن الناس وجها فأحبه فرعون بحيث لا يتمالك و جعل موسى يبكي و يطلب اللبن فأمر فرعون حتى أتته النساء اللاتي كن حول داره فلم يأخذ موسى من لبن واحدة منهن و كانت أخت موسى واقفة هناك إذا أمرتها أمها أن تتبع التابوت فقالت إني آتي بامرأة ترضعه و ذلك قوله «فتقول هل أدلكم على من يكفله» أي أدلكم على امرأة تربيه و ترضعه و هي ناصحة له فقالوا نعم فجاءت بالأم فقبل ثديها فذلك قوله «فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها» برؤيتك و بقائك «و لا تحزن» من خوف قتله أو غرقه و ذلك أنها حملته إلى بيتها آمنة مطمئنة قد جعل لها

فرعون أجرة على الرضاع «و قتلت نفسا» كان قتل قبطيا كافرا عن ابن عباس و روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال رحم الله أخي موسى قتل رجلا خطأ و كان ابن اثنتي عشرة سنة «فنجيناك من الغم» أي من غم القتل و كربه لأنه خاف أن يقتصوا منه بالقبطي فالمعنى خلصناك من غم القصاص و آمناك من الخوف «و فتناك فتونا» أي اختبرناك اختبارا و معناه أنا عاملناك معاملة المختبر حتى خلصت للاصطفاء بالرسالة و كان هذا من أكبر نعمه سبحانه عليه و قيل معناه و خلصناك من محنة بعد محنة منها أنه حملته في السنة التي كان فرعون يذبح الأطفال فيها ثم إلقاؤه في اليم ثم منعه من الرضاع إلا من ثدي أمه ثم جره لحية فرعون حتى هم بقتله ثم تناوله الجمرة بدل الدرة فدرأ ذلك عنه قتل فرعون ثم مجيء رجل من شيعته يسعى ليخبره بما عزموا عليه من قتله عن ابن عباس فعلى هذا يكون المعنى و خلصناك من المحن تخليصا و قيل معناه و شددنا عليك التعمد في أمر المعاش حتى رعيت لشعيب عشر سنين ثم بين ذلك فقال «فلبثت سنين في أهل مدين» أي لبثت فيهم حين كنت راعيا لشعيب «ثم جئت على قدر يا موسى» أي في الوقت الذي قدر لإرسالك نبيا قال الشاعر:

{نال الخلافة أو كانت له قدرا --- كما أتى ربه موسى على قدر}

و قيل معناه جئت على الوقت الذي يوحى فيه إلى الأنبياء و هو على رأس أربعين سنة و قيل على المقدار الذي قدره الله لمجيئك و كتبه في اللوح المحفوظ و المعنى جئت في الوقت الذي قدره الله لكلامك و نبوتك و الوحي إليك «و اصطنعتك لنفسي» أي لوحيي و رسالتي عن ابن عباس و المعنى اخترتك و اتخذتك صنيعتي و أخلصتك لتنصرف على إرادتي و محبتي و إنما قال لنفسي لأن المحبة أخص شيء بالنفس و تبليغه الرسالة و قيامه بأدائها تصرف على إرادة الله و محبته و قيل معناه اخترتك لإقامة حجتي و جعلتك بيني و بين خلقي حتى صرت في التبليغ عني بالمنزلة التي أنا أكون بها لو خاطبتهم و احتججت عليهم عن الزجاج «اذهب أنت و أخوك بآياتي» أي بحججي و دلالاتي و قيل بالآيات التسع عن ابن عباس «و لا تنيا في ذكري» أي و لا تضعفا في رسالتي عن ابن عباس و قيل و لا تفترا في أمري عن السدي و قيل و لا تقصرا عن محمد بن كعب أي لا يحملنكما خوف فرعون على أن تقصرا في أمري «اذهبا إلى فرعون» كرر الأمر بالذهاب للتأكيد و قيل إن في الأول خص موسى بالأمر و في الثاني أمرهما ليصيرا نبيين و شريكين في الأمر ثم بين من يذهبان إليه «أنه

طغى» أي جاوز الحد في الطغيان «فقولا له قولا لينا» أي ارفقا به في الدعاء و القول و لا تغلظا له في ذلك عن ابن عباس و قيل معناه كنياه عن السدي و عكرمة و كنيته أبو الوليد و قيل أبو العباس و قيل أبو مرة و قيل إن القول اللين هو هل لك إلى أن تزكى و أهديك إلى ربك فتخشى عن مقاتل و قيل هو أن موسى أتاه فقال له تسلم و تؤمن برب العالمين على أن لك شبابك فلا تهرم و تكون ملكا لا ينزع الملك منك حتى تموت و لا تنزع منك لذة الطعام و الشراب و الجماع حتى تموت فإذا مت دخلت الجنة فأعجبه ذلك و كان لا يقطع أمرا دون هامان و كان غائبا فلما قدم هامان أخبره بالذي دعاه إليه و أنه يريد أن يقبل منه فقال هامان قد كنت أرى أن لك عقلا و إن لك رأيا بينا أنت رب و تريد أن تكون مربوبا و بينا أنت تعبد و تريد أن تعبد فقلبه عن رأيه و كان يحيى بن معاذ يقول هذا رفقك بمن يدعي الربوبية فكيف رفقك بمن يدعي العبودية «لعله يتذكر أو يخشى» أي ادعواه على الرجاء و الطمع لا على اليأس من فلاحه فوقع التعبد لهما على هذا الوجه لأنه أبلغ لهما في دعائه إلى الحق قال الزجاج و المعنى في هذا عند سيبويه اذهبا على رجائكما و طمعكما و العلم من الله قد أتى من وراء ما يكون و إنما يبعث الرسل و هم يرجون و يطمعون أن يقبل منهم و المراد بيان الغرض بالبعثة أي ليتذكر ما أغفل عنه من ربوبية الله تعالى و عبودية نفسه و يخشى العقاب و الوعيد في قوله سبحانه «فقولا له قولا لينا» على دلالة و جواب يرفق في الدعاء إلى الله و في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ليكون أسرع إلى القبول و أبعد من النفور و قيل إن هارون كان بمصر فلما أوحى الله تعالى إلى موسى أن يأتي مصر أوحى إلى هارون أن يتلقى موسى فتلقاه على مرحلة ثم ائتمرا و ذهبا إلى فرعون.