۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة طه، آية ٢٤

التفسير يعرض الآيات ١٧ إلى ٣٦

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَمَا تِلۡكَ بِيَمِينِكَ يَٰمُوسَىٰ ١٧ قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّؤُاْ عَلَيۡهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخۡرَىٰ ١٨ قَالَ أَلۡقِهَا يَٰمُوسَىٰ ١٩ فَأَلۡقَىٰهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٞ تَسۡعَىٰ ٢٠ قَالَ خُذۡهَا وَلَا تَخَفۡۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلۡأُولَىٰ ٢١ وَٱضۡمُمۡ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٍ ءَايَةً أُخۡرَىٰ ٢٢ لِنُرِيَكَ مِنۡ ءَايَٰتِنَا ٱلۡكُبۡرَى ٢٣ ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ٢٤ قَالَ رَبِّ ٱشۡرَحۡ لِي صَدۡرِي ٢٥ وَيَسِّرۡ لِيٓ أَمۡرِي ٢٦ وَٱحۡلُلۡ عُقۡدَةٗ مِّن لِّسَانِي ٢٧ يَفۡقَهُواْ قَوۡلِي ٢٨ وَٱجۡعَل لِّي وَزِيرٗا مِّنۡ أَهۡلِي ٢٩ هَٰرُونَ أَخِي ٣٠ ٱشۡدُدۡ بِهِۦٓ أَزۡرِي ٣١ وَأَشۡرِكۡهُ فِيٓ أَمۡرِي ٣٢ كَيۡ نُسَبِّحَكَ كَثِيرٗا ٣٣ وَنَذۡكُرَكَ كَثِيرًا ٣٤ إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرٗا ٣٥ قَالَ قَدۡ أُوتِيتَ سُؤۡلَكَ يَٰمُوسَىٰ ٣٦

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ مَا تِلْك بِيَمِينِك يَمُوسى (17) قَالَ هِىَ عَصاى أَتَوَكؤُا عَلَيهَا وَ أَهُش بهَا عَلى غَنَمِى وَ لىَ فِيهَا مَئَارِب أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَمُوسى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِىَ حَيّةٌ تَسعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَ لا تخَف سنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولى (21) وَ اضمُمْ يَدَك إِلى جَنَاحِك تخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيرِ سوءٍ ءَايَةً أُخْرَى (22) لِنرِيَك مِنْ ءَايَتِنَا الْكُبرَى (23) اذْهَب إِلى فِرْعَوْنَ إِنّهُ طغَى (24) قَالَ رَب اشرَحْ لى صدْرِى (25) وَ يَسرْ لى أَمْرِى (26) وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسانى (27) يَفْقَهُوا قَوْلى (28) وَ اجْعَل لى وَزِيراً مِّنْ أَهْلى (29) هَرُونَ أَخِى (30) اشدُدْ بِهِ أَزْرِى (31) وَ أَشرِكْهُ فى أَمْرِى (32) كىْ نُسبِّحَك كَثِيراً (33) وَ نَذْكُرَك كَثِيراً (34) إِنّك كُنت بِنَا بَصِيراً (35) قَالَ قَدْ أُوتِيت سؤْلَك يَمُوسى (36)

القراءة

قرأ ابن عامر أشدد بقطع الهمزة و فتحها و أشركه بضمها و الباقون «اشدد» بهمزة الوصل و «أشركه» بالفتح و في الشواذ قراءة عكرمة و أهس بالسين و قراءة أبي البرهسم و أهش بكسر الهاء.

الحجة

الوجه في قراءة أبي عامر أنه جعله خبرا و سائر القراء جعلوه دعاء و ضم الهمزة في أشركه ضعيف جدا لأنه ليس إلى موسى إشراك هارون في النبوة بل ذلك إلى الله تعالى فالوجه فتح الهمزة على الدعاء و من قرأ أهش بكسر الهاء فيمكن أن يكون أراد أهش بضم الهاء أي أكسر الكلاء بها للغنم فجاء بها على يغسل إن كان متعديا كما جاء هر الشيء يهر و يهره إذا كرهه و شد الحبل يشده و يشده و نم الحديث ينمه و أما أهس بالسين فمعناه أسوق و كان ينبغي أن يقول أهس بها غنمي و لكن لما دخل السوق معنى الانتحاء لها و الميل بها عليها استعمل على معها حملا على المعنى.

اللغة

التوكؤ و الاتكاء بمعنى مثل التوقي و الاتقاء و الهش ضرب ورق الشجر ليتساقط و المآرب الحوائج واحدتها مأربة بضم الراء و فتحها و كسرها عن علي بن عيسى و السيرة و الطريقة من النظائر و معناه مرور الشيء في جهة و أصل الجناح من الجنوح و هو الميل لأن الطائر يميل به في طيرانه و عضد الإنسان جناحه لأن من جهته يميل اليد حيث شاء صاحبها

و قيل يريد بالجناح الجلب لأن فيه جنوح الأضلاع و قال الراجز:

أضمها للصدر و الجناح قال أبو عبيدة الجناحان الناحيتان و الطغيان تجاوز الحد في العصيان و شرح الصدر توسعة و منه شرح المعنى و هو بسط القول فيه و العقدة جملة مجتمعة يصعب تفكيكها و الحل ضد العقد و نظيره الفصل و القطع و الوزير حامل الثقل عن الرئيس مشتق من الوزر الذي هو الثقل و الأزر الظهر يقال أزرني فلان على أمري أي كان لي ظهرا و منه المئزر لأنه يشد على الظهر و الإزار لأنه يسيل على الظهر و التأزير التقوية و يمكن أن يكون أزر و وزر مثل أرخ و ورخ و أكد و وكد قال امرؤ القيس:

{بمحنية قد آزر الضال نبتها --- مضم جيوش غانمين و خيب}

الإعراب

«و ما تلك بيمينك» قال الزجاج تلك اسم مبهم يجري مجرى التي و يوصل كما توصل التي و المعنى و ما التي بيمينك و أنشد الفراء:

{عدس ما لعباد عليك إمارة --- أمنت و هذا تحملين طليق}

أي و الذي تحملين قال بعض المتأخرين إن الصحيح الذي لا غبار عليه أن يكون تلك مبتدأ و ما خبره قدم عليه لما فيه من معنى الاستفهام و بيمينك الجار و المجرور في موضع نصب على الحال من معنى الفعل في تلك و هو الإشارة قال و إنما قلنا ذلك لأن أسماء الإشارة إنما تبين بصفاتها كما أن الأسماء الموصولة تبين بصلاتها و لا يجوز وصف المبهم بالجملة لأن الجمل نكرات و قوله «فإذا هي حية تسعى» إذا هذه ظرف المفاجاة و هي ظرف مكان تقديره فبالحضرة هي حية و العامل في الظرف تسعى و هذا يدل على إن إذا هاهنا غير مضاف إلى الجملة لأنه لو كان كذلك لم يعمل فيه مما في الجملة شيء لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف و سيرتها انتصب على تقدير سنعيدها إلى سيرتها فحذف الجار.

من غير سوء في موضع نصب على الحال و التقدير تبيض غير برصاء فيه فيكون حالا عن حال.

«آية أخرى» اسم في موضع الحال أيضا و المعنى تخرج بيضاء مبينة قال الزجاج و يجوز أن يكون منصوبة على آتيناك آية أخرى و نؤتيك آية أخرى لأن في قوله «تخرج بيضاء» دليلا على أنه يعطي آية أخرى.

«لنريك» اللام يتعلق بقوله «و اضمم» و المفعول الثاني من نري يجوز أن يكون محذوفا و تقديره لنريك من آياتنا الكبرى آيات و يجوز أن يكون الكبرى صفة محذوف

و هو المفعول الثاني و التقدير لنريك الآية الكبرى من آياتنا.

«هارون» بدل من قوله «وزيرا» و يجوز أن يكون منصوبا بإضمار فعل كأنه قال أعني هارون أخي أو أستوزر لي هارون لأن وزيرا يدل عليه و أخي صفة لهارون و يجوز أن يكون بدلا منه قال الزجاج يجوز أن يكون هارون مفعولا أول لأجعل و وزيرا مفعولا ثانيا له و على هذا فيكون مثل قوله تعالى «و جعلوا لله شركاء الجن» في أن المفعول الثاني من هذا الباب قد تقدم على المفعول الأول و لو قرأ بالرفع هارون لكان خبر مبتدإ محذوف كأنه قيل من هذا الوزير فقيل هو هارون و كثيرا نعت مصدر محذوف في الموضعين أي تسبيحا كثيرا و ذكرا كثيرا و يجوز أن يكون نعتا لظرف محذوف تقديره نسبحك وقتا كثيرا و نذكرك وقتا كثيرا.

المعنى

ثم بين سبحانه ما أعطي موسى من المعجزات فقال «و ما تلك بيمينك يا موسى» سأله عما في يده من العصا تنبيها له عليها ليقع المعجز بها بعد التثبت فيها و التأمل لها «قال» موسى «هي عصاي أتوكأ عليها» أي أعتمد عليها إذا مشيت و التوكؤ التحامل على العصا في المشي «و أهش بها على غنمي» أي و أخبط بها ورق الشجر لترعاه غنمي «و لي فيها مآرب أخرى» و لم يقل أخر ليوافق رءوس الآي أي حاجات أخرى فنص على اللازم و كنى عن العارض قال ابن عباس كان يحمل عليها زاده و يركزها فيخرج منه الماء و يضرب بها الأرض فيخرج ما يأكل و كان يطرد بها السباع و إذا ظهر عدو حاربت و إذا أراد الاستسقاء من بئر طالت و صارت شعبتاها كالدلو و كان يظهر عليها كالشمعة فتضيء له الليل و كانت تحدثه و تؤنسه و إذا طالت شجرة حناها بمحجنها «قال» الله سبحانه «ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى» أي تمشي بسرعة و قيل صارت حية صفراء لها عرف كعرف الفرس و جعلت تتورم حتى صارت ثعبانا و هي أكبر من الحيات عن ابن عباس و قيل أنه ألقاها و حانت منه نظرة فإذا بأعظم ثعبان نظر إله الناظرون و يمر بالصخرة مثل الخلفة من الإبل فيلقمها و تطعن أنيابه في أصل الشجرة العظيمة فتجثها و عيناه تتوقدان نارا و قد عاد المحجن عنقا فيه شعر مثل النيازك فلما عاين ذلك ولى مدبرا و لم يعقب ثم ذكر ربه فوقف استحياء منه ثم نودي يا موسى ارجع إلى حيث كنت فرجع و هو شديد الخوف «فقال خذها» بيمينك «و لا تخف سنعيدها سيرتها الأولى» أي سنعيدها إلى الحالة الأولى عصا و على موسى يومئذ مدرعة من صوف قد خلها بخلال فلما أمره سبحانه بأخذها أدلى طرف المدرعة على يده فقال ما لك يا موسى أ رأيت لو أذن الله بما تحاذر أ كانت المدرعة تغني

###

عنك شيئا قال لا و لكني ضعيف و من ضعف خلقت و كشف عن يده ثم وضعها في فم الحية فإذا يده في الموضع الذي كان يضعها إذا توكأ عليها بين الشعبتين عن وهب و قيل كانت العصا من آس الجنة أخرجها آدم (عليه السلام) و توارثها الأنبياء إلى أن بلغ شعيبا فدفعها إلى موسى قال وهب كانت من عوسج و كان طولها عشرة أذرع على مقدار قامة موسى «و أضمم يدك إلى جناحك» معناه و أجمع يدك إلى ما تحت عضدك عن مجاهد و الكلبي و قيل إلى جنبك و قيل أدخلها في جيبك و كنى عن الجنب بالجناح «تخرج بيضاء» لها نور ساطع يضيء بالليل و النهار كضوء الشمس و القمر و أشد ضوءا عن ابن عباس «من غير سوء» من غير برص في قول الجميع قالوا و كان موسى أدم اللون ففعل فخرجت يده كما قال الله ثم ردها فعادت إلى لونها الذي كانت عليه «آية أخرى» أي فنزيدك بها آية أخرى أو تخرج مبينة آية أخرى «لنريك من آياتنا» و حججنا «الكبرى» منها و لو قال الكبر على الجمع وصفا لجميع الآيات لكان جائزا و قيل معناه لنريك من دلالاتنا الكبرى سوى هاتين الدلالتين و قيل إنها هلاك فرعون و قومه فلما حمله سبحانه الرسالة و أراه المعجزات أمره بالتبليغ فقال «اذهب إلى فرعون» فادعه إلي «إنه طغى» أي تجبر و تكبر في كفره «قال» موسى عند ذلك «رب اشرح لي صدري» أي وسع لي صدري حتى لا أضجر و لا أخاف و لا أغتم «و يسر لي أمري» أي سهل علي أداء ما كلفتني من الرسالة و الدخول على الطاغي و دعائه إلى الحق «و احلل عقدة من لساني يفقهوا قولي» أي و أطلق عن لساني العقدة التي فيه حتى يفقهوا كلامي و كان في لسان موسى (عليه السلام) رتة لا يفصح معها بالحروف شبه التمتمة و قيل إن سبب تلك العقدة في لسانه جمرة طرحها في فيه و ذلك لما أراد فرعون قتله لأنه أخذ بلحية فرعون و نتفها و هو طفل فقالت آسية بنت مزاحم لا تفعل فإنه صبي لا يعقل و علامة جهله أنه لا يميز بين الدرة و الجمرة فأمر فرعون حتى أحضر الدرة و الجمرة بين يديه فأراد موسى أن يأخذ الدرة فصرف جبرائيل يده إلى الجمرة فأخذها و وضعها في فيه فاحترق لسانه عن سعيد بن جبير و مجاهد و السدي و قيل إنه انحل ما كان بلسانه إلا بقية منه بدلالة قوله «و لا يكاد يبين» عن الجبائي و قيل استجاب الله تعالى دعاءه فأحل العقدة عن لسانه عن الحسن و هو الصحيح لقوله سبحانه «أوتيت سؤلك يا موسى» و معنى قوله «و لا يكاد يبين» أي لا يأتي ببيان و حجة و إنما قالوا ذلك تمويها ليصرفوا الوجوه عنه «و اجعل لي وزيرا» يؤازرني على المضي إلى فرعون و يعاضدني عليه و قيل اجعل لي معاونا أتقوى به

و برأيه و مشاورته و قال «من أهلي» لأنه إذا كان الوزير من أهله كان أولى ببذل النصح له ثم بين الوزير و فسره فقال «هارون أخي» و كان أخاه لأبيه و أمه و كان بمصر «اشدد به أزري» أي قو به ظهري و أعني به «و أشركه في أمري» أي أجمع بيني و بينه في النبوة ليكون أحرص على مؤازرتي لم يقتصر على سؤال الوزارة حتى سأل أن يكون شريكه في النبوة و لو لا ذلك لجاز أن يستوزره من غير مسألة و إنما سمي الوزير وزيرا لأنه يعين الأمير على ما هو بصدده من الأمور أخذ من المؤازرة التي هي المعاونة و قيل إنما سمي وزيرا لأنه يتحمل الثقل عن الأمير من الوزر الذي هو الثقل و قيل لأنه يلتجىء الأمير إليه فيما يعرض له من الأمور من الوزر الذي هو الملجأ قالوا إن هارون كان أكبر من موسى بثلاث سنين و أتم طولا و أبيض جسما و أكثر لحما و أفصح لسانا و مات قبل موسى بثلاث سنين «كي نسبحك كثيرا» أي ننزهك عما لا يليق بك بين (عليه السلام) أنه إنما سأل هذه الحاجات ليتوصل بها إلى طاعة ربه و عبادته و تأدية رسالته لا للرياسة «و نذكرك كثيرا» أي نحمدك و نثني عليك بما أوليتنا من نعمك و مننت به علينا من تحميل رسالتك «إنك كنت بنا بصيرا» أي بأحوالنا و أمورنا عالما و قيل بصيرا باحتياجنا في النبوة إلى هذه الأشياء «قال» الله سبحانه إجابة له «قد أوتيت سؤلك» أي قد أعطيت مناك و طلبتك «يا موسى» فيما سألته و السؤال المنى و المراد فيما يسأله الإنسان و قال الصادق حدثني أبي عن جدي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو فإن موسى بن عمران خرج يقتبس لأهله نارا فكلمه الله عز و جل فرجع نبيا و خرجت ملكة سبإ كافرة فأسلمت مع سليمان و خرج سحرة فرعون يطلبون العزة لفرعون فرجعوا مؤمنين.