۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة طه، آية ١٠

التفسير يعرض الآيات ٩ إلى ١٦

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَهَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ ٩ إِذۡ رَءَا نَارٗا فَقَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِقَبَسٍ أَوۡ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدٗى ١٠ فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِيَ يَٰمُوسَىٰٓ ١١ إِنِّيٓ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخۡلَعۡ نَعۡلَيۡكَ إِنَّكَ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوٗى ١٢ وَأَنَا ٱخۡتَرۡتُكَ فَٱسۡتَمِعۡ لِمَا يُوحَىٰٓ ١٣ إِنَّنِيٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ ١٤ إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخۡفِيهَا لِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا تَسۡعَىٰ ١٥ فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنۡهَا مَن لَّا يُؤۡمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَتَرۡدَىٰ ١٦

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ هَلْ أَتَاك حَدِيث مُوسى (9) إِذْ رَءَا نَاراً فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنى ءَانَست نَاراً لّعَلى ءَاتِيكم مِّنهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلى النّارِ هُدًى (10) فَلَمّا أَتَاهَا نُودِى يَمُوسى (11) إِنى أَنَا رَبّك فَاخْلَعْ نَعْلَيْك إِنّك بِالْوَادِ الْمُقَدّسِ طوًى (12) وَ أَنَا اخْترْتُك فَاستَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنّنى أَنَا اللّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنى وَ أَقِمِ الصلَوةَ لِذِكرِى (14) إِنّ الساعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كلّ نَفْسِ بِمَا تَسعَى (15) فَلا يَصدّنّك عَنهَا مَن لا يُؤْمِنُ بهَا وَ اتّبَعَ هَوَاهُ فَترْدَى (16)

القراءة

قرأ أبو جعفر و ابن كثير و أبو عمرو أني أنا ربك بفتح الألف و الباقون «إني» بالكسر و قرأ حمزة لأهله امكثوا و في القصص أيضا بضم الهاء و أنا مشدد مفتوح الهمزة اخترناك على الجمع و الباقون «لأهله» بكسر الهاء و «أنا اخترتك» على التوحيد و قرأ ابن عامر و أهل الكوفة طوى بالتنوين و الباقون بغير تنوين و في الشواذ قراءة الحسن و مجاهد و سعيد بن جبير أخفيها بفتح الألف.

الحجة

قال أبو علي من كسر إني فلأن الكلام حكاية كأنه نودي فقيل يا موسى إني أنا ربك و من فتح فكان المعنى نودي بكذا و نادى قد يوصل بحرف الجر قال:

{ناديت باسم ربيعة بن مكرم --- إن المنوة باسمه الموثوق}

و من الناس من يعمل هذه الأشياء التي هي في المعنى قول كما يعمل القول و لا يضمر القول معها و ينبغي أن يكون في نودي ضمير يقوم مقام الفاعل لأنه لا يجوز أن يقوم واحد من قوله «يا موسى» و لا «إني أنا ربك» مقام الفاعل لأنها جمل و الجمل لا تقوم مقام الفاعل فإن جعلت الاسم الذي يقوم مقام الفاعل موسى لأن ذكره قد جرى كان مستقيما و قوله «طوى» يصرف و لا يصرف فمن صرفه فعلى وجهين ( أحدهما ) أن يجعله اسم الوادي فيصرفه لأنه سمي مذكرا بمذكر ( و الآخر ) أن يجعله صفة و ذلك في قول من قال إنه قدس مرتين فيكون طوى كقولك ثنى و يكون صفة كقوله مكانا سوى و قوم عدى و جاء في طوى الضم و الكسر كما جاء في مكان سوى الضم و الكسر قال الشاعر:

{أ في جنب بكر قطعتني ملامة --- لعمري لقد كانت ملامتها ثني}

أي ليس هذا بأول ملامتها و من لم يصرف احتمل أمرين ( أحدهما ) أن يكون اسما لبقعة أو أرض فهو مذكر فيكون بمنزلة امرأة سميتها بحجر و يجوز أن يكون معدولا كعمر و لا يمتنع أن تقدر العدل فيما لم يخرج إلى الاستعمال أ لا ترى أن جمع و كتع معدولتان عما لم يستعملا فكذلك يكون طوى و أما ضم الهاء في قوله «لأهله امكثوا» فقد مضى القول في مثله و أما قوله «و أنا اخترتك» فالإفراد أكثر في القراءة و هو أشبه بما قبله من قوله «إني أنا ربك» و وجه الجمع أن يكون ذلك قد جاء في نحو قوله تعالى سبحان الذي أسرى ثم قال و آتينا موسى الكتاب و يمكن أن يكون الوجه في قراءة حمزة و إنا اخترناك مع أنه قرأ إني أنا ربك بالكسر أن يكون التقدير و لأنا اخترناك فاستمع فيكون الجار و المجرور في موضع نصب بقوله «فاستمع» و لم يذكر الشيخ أبو علي و قوله «أخفيها» فإنهم قالوا معناه أظهرها قال أبو علي الغرض فيه أزيل عنها خفاءها و هو ما يلف فيه القربة و نحوها من كساء و ما يجري مجراه و عليه قول الشاعر:

{لقد علم الأيقاظ أخفية الكرى --- تزججها من حالك فاكتحالها}

قال أراد بالأيقاظ عيونا فجعل العين كالخفاء للنوم كأنها تستره و هو من ألفاظ السلب فأخفيته سلبت عنه خفاه كما تقول أشكيت الرجل أزلت عنه ما يشكوه و أما أخفيها بفتح الألف فإنه أظهرها قال امرؤ القيس.

{خفاهن من أنفاقهن كأنما --- خفاهن ودق من سحاب مركب}

و قوله:

{فإن تدفنوا الداء لا نخفه --- و إن تبعثوا الحرب لا نقعد}

رواية أبي عبيدة بضم النون من نخفه و رواية الفراء بفتح النون.

اللغة

الإيناس وجدان الشيء الذي يؤنس به و القبس الشعلة من النار في طرف عود أو قصبة و الخلع نزع الملبوس يقال خلع ثوبه و خلع نعله و الوادي سفح الجبل و يقال للمجرى العظيم من مجاري الماء واد و أصله عظم الأمر و منها الدية لأنها العطية في الأمر العظيم و هو

القتل و المقدس المطهر قال امرؤ القيس

{كما شبرق الولدان ثوب المقدس}

يريد العابد من النصارى كالقسيس و نحوه و سمي الوادي طوى لأنه طوي بالبركة مرتين عن الحسن فعلى هذا يكون مصدر قولك طويت طوى قال عدي بن زيد:

{أ عاذل إن اللوم في غير كنهه --- علي طوى من غيك المتردد}

و يقال أخفيت الشيء كتمته و أظهرته جميعا و خفيته بلا ألف أظهرته لا غير و الردى الهلاك و ردي يردى ردى إذا هلك و تردى بمعناه.

الإعراب

قوله «إذ رءا» الظرف يتعلق بمحذوف فهو في موضع النصب على الحال من حديث موسى و «أكاد أخفيها» جملة في موضع رفع بأنها خبر إن فهي خبر بعد خبر.

اللام في «لتجزى» يتعلق بآتية و يجوز أن يتعلق بقوله «و أقم الصلاة» فتردي منصوب بإضمار أن في جواب النهي.

المعنى

ثم خاطب الله سبحانه نبيه تسلية له مما ناله من أذى قومه و تثبيتا له بالصبر على أمر ربه كما صبر موسى (عليه السلام) حتى نال الفوز في الدنيا و الآخرة فقال «و هل أتاك حديث موسى» هذا ابتداء إخبار من الله تعالى على وجه التحقيق إذ لم يبلغه حديث موسى فهو كما يخبر الإنسان غيره بخبر على وجه التحقيق فيقول هل سمعت بخبر فلان و قيل إنه استفهام تقرير بمعنى الخبر أي و قد أتاك حديث موسى «إذ رءا نارا» عن ابن عباس قال و كان موسى رجلا غيورا لا يصحب الرفقة لئلا ترى امرأته فلما قضى الأجل و فارق مدين خرج و معه غنم له و كان أهله على أتان و على ظهرها جوالق فيها أثاث البيت فأضل الطريق في ليلة مظلمة و تفرقت ماشيته و لم ينقدح زنده و امرأته في الطلق فرأى نارا من بعيد كانت عند الله نورا و عند موسى نارا «فقال» عند ذلك «لأهله» و هي بنت شعيب كان تزوجها بمدين «امكثوا» أي الزموا مكانكم قال مقاتل و كانت ليلة الجمعة في الشتاء و الفرق بين المكث و الإقامة أن الإقامة تدوم و المكث لا يدوم «إني آنست نارا» أي أبصرت نارا «لعلي آتيكم منها بقبس» أي بشعلة أقتبسها من معظم النار تصطلون بها «أو أجد على النار هدى» أي أجد على النار هاديا يدلني على الطريق و قيل علامة استدل بها على الطريق و الهدى ما يهتدي به فهو اسم

و مصدر قال السدي لأن النار لا تخلو من أهل لها و ناس عندها «فلما أتاها» قال ابن عباس لما توجه نحو النار فإذا النار في شجرة عناب فوقف متعجبا من حسن ضوء تلك النار و شدة خضرة تلك الشجرة فسمع النداء من الشجرة و هو قوله «نودي يا موسى إني أنا ربك» و النداء الدعاء على طريقة يا فلان فمن فتح الألف من إني فالمعنى نودي بأني و من كسر فالمعنى نودي فقيل إني أنا ربك الذي خلقك و دبرك قال وهب نودي من الشجرة فقيل يا موسى فأجاب سريعا ما يدري من دعاه فقال إني أسمع صوتك و لا أرى مكانك فأين أنت أنا فوقك و معك و أمامك و خلفك و أقرب إليك من نفسك فعلم أن ذلك لا ينبغي إلا لربه عز و جل و أيقن به و إنما علم موسى (عليه السلام) أن ذلك النداء من قبل الله تعالى لمعجز أظهره الله سبحانه كما قال في موضع آخر إني أنا الله رب العالمين و أن ألق عصاك إلى آخره و قيل أنه لما رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها تتوقد فيها نار بيضاء و سمع تسبيح الملائكة و رأى نورا عظيما لم تكن الخضرة تطفىء النار و لا النار تحرق الخضرة تحير و علم أنه معجز خارق للعادة و أنه لأمر عظيم فألقيت عليه السكينة ثم نودي إني أنا ربك و إنما كرر الكناية لتأكيد الدلالة و إزالة الشبهة و تحقيق المعرفة «فاخلع نعليك» أي انزعهما و قيل في السبب الذي أمر بخلع النعلين أقوال ( أحدها ) أنهما كانتا من جلد حمار ميت عن كعب و عكرمة و روي ذلك عن الصادق (عليه السلام) ( و ثانيها ) كانتا من جلد بقرة ذكية و لكنه أمر بخلعهما ليباشر بقدميه الأرض فتصيبه بركة الواد المقدس عن الحسن و مجاهد و سعيد بن جبير و ابن جريج ( و ثالثها ) أن الحفاء من علامة التواضع و لذلك كانت السلف تطوف حفاة عن الأصم ( و رابعها ) أن موسى (عليه السلام) إنما لبس النعل اتقاء من الأنجاس و خوفا من الحشرات فآمنه الله مما يخاف و أعلمه بطهارة الموضع عن أبي مسلم «إنك بالواد المقدس» أي المبارك عن ابن عباس بورك فيه بسعة الرزق و الخصب و قيل المطهر «طوى» هو اسم الوادي عن ابن عباس و مجاهد و الجبائي و قيل سمي به لأن الوادي قدس مرتين فكأنه طوي بالبركة مرتين عن الحسن «و أنا اخترتك» أي اصطفيتك بالرسالة «فاستمع لما يوحى» إليك من كلامي و أصغ إليه و تثبت، لما بشره الله سبحانه بالنبوة أمره باستماع الوحي ثم ابتدأ بالتوحيد فقال «إنني أنا الله لا إله إلا أنا» أي لا إله يستحق العبادة غيري «فاعبدني» خالصا و لا تشرك في عبادتي أحدا، أمره سبحانه بأن يبلغ ذلك قومه «و أقم الصلاة لذكري» أي لأن تذكرني فيها بالتسبيح و التعظيم لأن الصلاة لا تكون إلا بذكر الله عن الحسن و مجاهد و قيل معناه لأن أذكرك بالمدح و الثناء، و قيل إن معناه صل لي و لا تصل لغيري كما يفعله المشركون عن أبي مسلم و قيل معناه أقم الصلاة متى ذكرت أن عليك صلاة كنت في وقتها أم لم تكن عن أكثر المفسرين

و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) و يعضده ما رواه أنس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها غير ذلك و قرأ «أقم الصلاة لذكري» رواه مسلم في الصحيح ثم أخبره سبحانه بمجيء الساعة فقال «إن الساعة آتية» يعني أن القيامة جائية قائمة لا محالة «أكاد أخفيها» أي أريد أن أخفيها عن عبادي لئلا تأتيهم إلا بغتة قال تغلب هذا أجود الأقوال و هو قول الأخفش و فائدة الإخفاء التهويل و التخويف فإن الناس إذا لم يعلموا متى تقوم الساعة كانوا على حذر منها كل وقت و روي ابن عباس أكاد أخفيها من نفسي و هي كذلك في قراءة أبي و روي ذلك عن الصادق (عليه السلام) و المعنى أكاد لا أظهر عليها أحدا و هو قول الحسن و قتادة و المقصود من ذلك تبعيد الوصول إلى علمها و تقديره إذا كدت أخفيها من نفسي فكيف أظهرها لك قال المبرد هذا على عادة العرب إذا بالغوا في كتمان الشيء قال كتمته حتى من نفسي أي لم أطلع عليه أحدا فبالغ سبحانه في إخفاء الساعة و ذكره بأبلغ ما تعرفه العرب و قال أبو عبيدة معنى أخفيها أظهرها و دخلت أكاد تأكيدا و المعنى يوشك أن أقيمها «لتجزى كل نفس بما تسعى» أي بما تعمل من خير و شر و لينتصف من الظالم للمظلوم «فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها» أي لا يصرفنك عن الصلاة من لا يؤمن بالساعة و قيل معناه لا يمنعك عن الإيمان بالساعة من لا يؤمن بها و قيل عن العبادة و دعاء الناس إليها و قيل عن هذه الخصال «و اتبع هواه» و الهوى ميل النفس إلى الشيء و معناه و من بنى الأمر على هوى النفس دون الحق و ذلك أن الدلالة قد قامت على قيام الساعة «فتردى» أي فتهلك كما هلك أي إن صددت عن الساعة بترك التأهب لها هلكت و الخطاب و إن كان لموسى (عليه السلام) فهو في الحقيقة لسائر المكلفين و في هذه الآيات دلالة على أن الله تعالى كلم موسى و أن كلامه محدث لأنه حل الشجرة و هي حروف منظومة.