۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة مريم، آية ١٤

التفسير يعرض الآيات ١٢ إلى ١٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

يَٰيَحۡيَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحُكۡمَ صَبِيّٗا ١٢ وَحَنَانٗا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةٗۖ وَكَانَ تَقِيّٗا ١٣ وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَيۡهِ وَلَمۡ يَكُن جَبَّارًا عَصِيّٗا ١٤ وَسَلَٰمٌ عَلَيۡهِ يَوۡمَ وُلِدَ وَيَوۡمَ يَمُوتُ وَيَوۡمَ يُبۡعَثُ حَيّٗا ١٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

يَيَحْيى خُذِ الْكتَب بِقُوَّةٍ وَ ءَاتَيْنَهُ الحُْكْمَ صبِيًّا(12) وَ حَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَ زَكَوةً وَ كانَ تَقِيًّا(13) وَ بَرَّا بِوَلِدَيْهِ وَ لَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيًّا(14) وَ سلَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَ يَوْمَ يَمُوت وَ يَوْمَ يُبْعَث حَيًّا(15)

اللغة

أصل الحنان الرحمة يقال حنانك و حنانيك و قال امرؤ القيس:

{و يمنحها بنو شمجى بن جرم --- معيزهم حنانك ذا الحنان}

و قال آخر:

{قالت حنان ما أتى بك هاهنا --- أ ذو نسب أم أنت بالحي عارف}

أي أمرنا حنان قال أبو عبيدة: و أكثر ما يستعمل بلفظ التثنية قال طرفة:

{أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا --- حنانيك بعض الشر أهون من بعض}

و تحنن عليه أي تعطف عليه قال الحطيئة لعمر بن الخطاب:

{تحنن علي هداك المليك --- فإن لكل مقام مقالا}

و حنت عليه أحن حنينا و حنانا و حنة الرجل امرأته و الجبار الذي لا يرى لأحد عليه حقا و فيه جبرية و جبروت و الجبار من النخل ما فأت اليد.

الإعراب

« بقوة » الباء في موضع الحال أي خذ الكتاب مجدا مجتهدا.

المعنى

ثم قال سبحانه « يا يحيى خذ الكتاب بقوة » هاهنا اختصار عجيب تقديره فوهبنا له يحيى و أعطيناه الفهم و العقل و قلنا له يا يحيى خذ الكتاب يعني التوراة بما قواك الله عليه و أيدك به و معناه و أنت قادر على أخذه قوي على العمل به و قيل معناه بجد و صحة عزيمة على القيام بما فيه « و آتيناه الحكم صبيا » أي آتيناه النبوة في حال صباه و هو ابن ثلاث سنين عن ابن عباس و روى العياشي بإسناده عن علي بن أسباط قال قدمت المدينة و أنا أريد مصر فدخلت على أبي جعفر محمد بن علي الرضا (عليه السلام) و هو إذ ذاك خماسي فجعلت أتأمله لأصفه لأصحابنا بمصر فنظر إلي فقال لي يا علي إن الله قد أخذ في الإمامة كما أخذ في النبوة قال و لما بلغ أشده و استوى آتيناه حكما و علما و قال « و آتيناه الحكم صبيا » فقد يجوز أن يعطي الحكم ابن أربعين سنة و يجوز أن يعطاه الصبي و قيل إن الحكم الفهم و هو أنه أعطي فهم الكتاب حتى حصل له عظيم الفائدة عن مجاهد و عن معمر قال إن الصبيان قالوا ليحيى اذهب بنا لنلعب فقال ما للعب خلقنا فأنزل الله فيه « و آتيناه الحكم صبيا » و روي ذلك عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) « و حنانا من لدنا » و الحنان العطف و الرحمة أي و آتيناه رحمة من عندنا عن ابن عباس و قتادة و الحسن و قيل معناه تحننا على العباد و رقة قلب عليهم ليدعوهم إلى طاعة الله تعالى عن الجبائي و قيل معناه محبة منا عن عكرمة و أصله الشفقة و الرقة و منه حنين الناقة و هو صوتها

إذا اشتاقت إلى ولدها و قيل معناه تحنن الله عليه كان إذا قال يا رب قال الله لبيك يا يحيى و هو المروي عن الباقر (عليه السلام) و قيل معناه تعطفا منا عن مجاهد فهذه خمسة أقوال « و زكاة » أي و عملا صالحا زاكيا عن قتادة و الضحاك و ابن جريج و قيل زكاة لمن قبل دينه حتى يكونوا أزكياء عن الحسن و قيل يعني بالزكاة طاعة الله و الإخلاص عن ابن عباس و قيل معناه و صدقة تصدق الله به على أبويه عن الكلبي و قيل معناه و زكيناه بحسن الثناء عليه كما يزكي الشهود الإنسان عن الجبائي فهذه خمسة أقوال « و كان تقيا » أي مخلصا مطيعا متقيا لما نهى الله عنه قالوا و كان من تقواه أنه لم يعمل خطيئة و لم يهم بها سؤال يقال لم أضاف الله سبحانه كونه زكاة إلى نفسه و هو إنما كان مطيعا زكيا بفعله و جوابه إنه إنما صار كذلك بألطاف من الله لا سيما في تلك الحالة من الصغر و لأنه إنما اهتدى بهداية الله إياه « و برا بوالديه » أي بارا بوالديه محسنا إليهما مطيعا لهما لطيفا بهما طالبا مرضاتهما « و لم يكن جبارا » أي متكبرا متطاولا على الخلق و قيل الجبار الذي يقتل و يضرب على الغضب عن ابن عباس « عصيا » أي عاصيا لربه فعيل بمعنى فاعل « و سلام عليه يوم ولد و يوم يموت و يوم يبعث حيا » أي سلام عليه منا في هذه الأيام عن عطاء و قيل و سلامة و أمان له منا عن الكلبي و معناه سلامة و أمن له يوم ولد من عبث الشيطان به و إغوائه إياه و يوم يموت من بلاء الدنيا و من عذاب القبر و يوم يبعث حيا من هول المطلع و عذاب النار و إنما قال « حيا » تأكيدا لقوله « يبعث » و قيل يعني أنه يبعث مع الشهداء لأنهم وصفوا بأنهم أحياء قال سفيان بن عيينة: أوحش ما يكون الإنسان في ثلاثة مواطن يوم ولد فيرى نفسه خارجا مما كان فيه و يوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم و أحكاما ليس له بها عهد و يوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم فخص الله سبحانه يحيى بالكرامة و السلام و السلامة في المواطن الثلاثة و قيل إن السلام الأول يوم الولادة تفضل و الثاني و الثالث على وجه الثواب و الجزاء.