۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الكهف، آية ٩٤

التفسير يعرض الآيات ٩٣ إلى ٩٨

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ بَيۡنَ ٱلسَّدَّيۡنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوۡمٗا لَّا يَكَادُونَ يَفۡقَهُونَ قَوۡلٗا ٩٣ قَالُواْ يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِنَّ يَأۡجُوجَ وَمَأۡجُوجَ مُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَهَلۡ نَجۡعَلُ لَكَ خَرۡجًا عَلَىٰٓ أَن تَجۡعَلَ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَهُمۡ سَدّٗا ٩٤ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيۡرٞ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجۡعَلۡ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُمۡ رَدۡمًا ٩٥ ءَاتُونِي زُبَرَ ٱلۡحَدِيدِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا سَاوَىٰ بَيۡنَ ٱلصَّدَفَيۡنِ قَالَ ٱنفُخُواْۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَعَلَهُۥ نَارٗا قَالَ ءَاتُونِيٓ أُفۡرِغۡ عَلَيۡهِ قِطۡرٗا ٩٦ فَمَا ٱسۡطَٰعُوٓاْ أَن يَظۡهَرُوهُ وَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ لَهُۥ نَقۡبٗا ٩٧ قَالَ هَٰذَا رَحۡمَةٞ مِّن رَّبِّيۖ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ رَبِّي جَعَلَهُۥ دَكَّآءَۖ وَكَانَ وَعۡدُ رَبِّي حَقّٗا ٩٨

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

حَتى إِذَا بَلَغَ بَينَ السدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً(93) قَالُوا يَذَا الْقَرْنَينِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَ مَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فى الأَرْضِ فَهَلْ نجْعَلُ لَك خَرْجاً عَلى أَن تجْعَلَ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُمْ سدًّا(94) قَالَ مَا مَكَّنى فِيهِ رَبى خَيرٌ فَأَعِينُونى بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكمْ وَ بَيْنهُمْ رَدْماً(95) ءَاتُونى زُبَرَ الحَْدِيدِ حَتى إِذَا ساوَى بَينَ الصدَفَينِ قَالَ انفُخُوا حَتى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ ءَاتُونى أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطراً(96) فَمَا اسطعُوا أَن يَظهَرُوهُ وَ مَا استَطعُوا لَهُ نَقْباً(97) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبى فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبى جَعَلَهُ دَكاءَ وَ كانَ وَعْدُ رَبى حَقًّا(98)

القراءة

قرأ ابن كثير و أبو عمرو « بين السدين » و « سدا » بالفتح هنا و في ياسين بالضم و قرأ أهل الكوفة غير عاصم بين السدين بضم السين و سدا حيث كان بالفتح و قرأ حفص الجميع بالفتح و قرأ الباقون الجميع بالضم كل القرآن و قرأ أهل الكوفة غير عاصم يفقهون بضم الياء و كسر القاف و الباقون بفتح الياء و القاف و قرأ عاصم « يأجوج و مأجوج » بالهمزة و مثله في الأنبياء و قرأ الباقون بغير همزة فيهما في السورتين و قرأ أهل الكوفة غير عاصم خراجا و في المؤمنين خراجا فخراج ربك كله بالألف و الباقون « خرجا » بغير ألف في الموضعين فخراج ربك بالألف و قرأ ابن كثير ما مكنني بنونين و الباقون بنون واحدة مشددة و قرأ يحيى عن أبي بكر ردما أتوني بالوصل و قرأ حمزة و يحيى عن أبي بكر قال ايتوني بالوصل أيضا و الباقون « آتوني » بقطع الألف في الحرفين و قرأ أهل المدينة و الكوفة غير أبي بكر « بين الصدفين » بفتح الصاد و الدال و قرأ الباقون بضم الصاد و الدال غير أبي بكر فإنه قرأ بضم الصاد و سكون الدال و قرأ حمزة غير خلاد فما اسطاعوا مشددة الطاء و الباقون خفيفة الطاء و قرأ أهل الكوفة « دكاء » بالمد و الهمزة و الباقون دكا منونا غير مهموز.

الحجة

قال أبو عبيدة: كل شي‏ء وجدته العرب من فعل الله من الجبال و الشعاب فهو سد بالضم و ما بناه الآدميون فهو سد و قال غيره: هما لغتان كالضعف و الضعف و الفقر و الفقر قال أبو علي: يجوز أن يكون السد بالفتح مصدرا و السد بالضم المسدود كالأشياء التي يفصل فيها بين المصادر و الأسماء نحو السقي و الشرب و الشرب فإذا كان كذلك فالأشبه بين

السدين لأنه المسدود و يجوز فيمن فتح السدين أن يجعله اسما للمسدود نحو نسج اليمن و ضرب الأمير بمعنى المنسوج و المضروب و من قرأ لا يكادون يفقهون فإن فقهت يتعدى إلى مفعول واحد نحو فقهت السنة فإذا نقلته تعدى إلى مفعولين فيكون المعنى فيمن ضم لا يكادون يفقهون أحدا قولا فحذف أحد المفعولين كما حذف من قوله فأتبعوهم مشرقين و المعنى فأتبعوهم جندهم مشرقين و قوله فأتبعهم فرعون و جنوده أي فأتبعهم فرعون طلبه إياهم أو تتبعه لهم و الحذف في هذا النحو كثير قال أبو علي: يأجوج إن جعلته عربيا فهو يفعول من أج نحو يربوع و من لم يهمز أمكن أن يكون خفف الهمزة فقلبها ألفا فهو على قوله يفعول أيضا و إن كانت الألف في يأجوج ليس على التخفيف فإنه فاعول من ي ج ج فإن جعلت الكلمة من هذا الأصل كانت الهمزة فيها كمن قال ساق و نحو ذلك مما جاء مهموزا و لم يتبع أن يهمز و يكون الامتناع من صرفه على هذا للتأنيث و التعريف كأنه اسم القبيلة كمجوس و أما مأجوج فمن همز فمفعول من أج فالكلمتان على هذا من أصل واحد و من لم يهمز فإنه فاعول من مج فالكلمتان على هذا من أصلين و ليسا من أصل واحد و يكون ترك الصرف فيه أيضا للتعريف و التأنيث فإن جعلتهما من العجمية فهذه التمثيلات لا تصح فيهما و إنما امتنعا من الصرف للعجمة و التعريف و قوله « هل نجعل لك خرجا » أي هل نجعل لك عطية نخرجها إليك من أموالنا و كذلك قوله أم تسئلهم خرجا أي مالا يخرجونه إليك فأما المضروب على الأرض فالخراج و قد يجوز في غير ضرائب الأرض الخراج بدلالة قول العجاج:

يوم خراج يخرج السمرجا) فهذا ليس على الضرائب التي ألزمت الأرضين لأن ذلك لا يضاف إلى وقت من يوم و غيره و إنما هو شي‏ء مؤبد لا يتغير و قوله « ما مكني » بإظهار المثلين فلأن الثاني منهما غير لازم لأنك قد تقول قد مكنتك و مكنته فلا تلزم النون فلما لم تلزم لم يعتد بها كما أن التاء في اقتتلوا كذلك و من أدغم لم ينزله منزلة ما لا يلزم فأدغم كما أن من قال قتلوا في اقتتلوا كان كذلك قال أبو علي: و مكن مكانة فهو مكين فعل غير متعد فإذا ضعفت العين عديته بذلك و حجة من قرأ ردما ايتوني ايتوني أن أشبه ب « أعينوني بقوة » لأنه كلفهم المعونة على عمل السد و لم يقبل الخرج الذي بذلوه له و قوله « ايتوني » الذي معناه جيئوني إنما هو معونة على ما كلفهم في قوله « فأعينوني بقوة » و أما آتوني فمعناه أعطوني، فأعطوني يجوز أن يكون على المناولة و يجوز أن يكون على الاتهاب و ائتوني المقصورة لا يحتمل إلا جيئوني فيكون أحسن هنا لاختصاصه بالمعونة فقط دون أن يكون سؤال عين و العطية قد تكون هبة قال:

{و منا الذي أعطى الرسول عطية --- أسارى تميم و العيون دوامع}

فالعطية تجري مجرى الهبة لهم و الإنعام عليهم في فك الأسر و قد تكون بمعنى المناولة و وجه قراءة من قرأ « آتوني » أنه لم يرد بآتوني العطية و الهبة و لكن تكليف المناولة بالأنفس كما كان قراءة من قرأ أيتوني لا يصرف إلى استدعائه تمليك عين بهبة و لا بغيرها فأما انتصاب « زبر الحديد » فإنك تقول أئتيك بدرهم قال:

{أتيت بعبد الله في القيد موثقا --- فهلا سعيدا ذا الخيانة}

و الغدر فيصل الفعل إلى المفعول الثاني بحرف جر ثم يجوز أن يحذف الحرف اتساعا فيصل الفعل إلى المفعول الثاني على حد أمرتك الخير و نحوه و الصدف و الصدف و الصدف لغات فاشية قال أبو عبيدة: الصدفان جنبتا الجبل و من قرأ ائتوني أفرغ عليه قطرا فمعناه جيئوني به كما قلناه في ائتوني زبر الحديد في اتصال الفعل إلى المفعول الثاني بحرف الجر إلا أنه أعمل الفعل الثاني فلو أعمل الفعل الأول لكان ائتوني أفرغه عليه بقطر إلا أن يقدر أن الفعل يصل إلى المفعول الثاني بلا حرف كما كان كذلك في قوله « ائتوني زبر الحديد » و جميع ما مر بنا في التنزيل من هذا النحو إنما هو على إعمال الثاني كما يختاره سيبويه فمن ذلك قوله يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة و منه قوله هاؤم اقرءوا كتابيه و وجه من قرأ « آتوني » إن المعنى ناولوني قطرا أفرغ عليه قطرا إلا أنه أعمل الثاني من الفعلين كما أعمل الثاني من قصر ائتوني و قراءة حمزة « فما اسطاعوا » إنما هو على إدغام التاء في الطاء و لم يلق حركتها على السين فيحرك ما لا يتحرك و لكن أدغم مع أن الساكن الذي قبل المدغم ليس حرف مد و قد قرأت القراء غير حرف من هذا النحو و قد تقدم ذكر وجه هذا النحو و مما يؤكد ذلك أن سيبويه أنشد:

{كأنه بعد كلال الزاجر --- و مسحه مر عقاب كاسر}

و الحذف في اسطاعوا و الإثبات في استطاعوا كل واحد منهما أحسن من الإدغام على هذا الوجه الذي هو جمع بين السين الساكنة و التاء المدغمة و هي ساكنة أيضا و أما قوله جعله دكا فإنه يحتمل أمرين (أحدهما) أنه لما قال جعله دكا كان بمنزلة خلق و عمل فكأنه قال دكه دكا فحمله على الفعل الذي دل عليه قوله « جعله » و الوجه الآخر أن يكون جعله ذا دك فحذف المضاف و يمكن أن يكون حالا في هذا الوجه و من قرأ « دكاء » فعلى حذف المضاف كأنه جعله

مثل دكاء قالوا ناقة دكاء أي لا سنام لها و لا بد من تقدير الحذف لأن الجبل مذكر فلا يوصف بدكاء.

اللغة

السد وضع ما ينتفي به الخرق يقال سده يسده و منه سدد السهم لأنه سد عليه طرق الاضطراب و منه السداد الصواب و الردم السد و الحاجز يقال ردم فلان موضع كذا يردمه ردما و الثوب المردم الخلق المرقع و منه قول عنترة:

{هل غادر الشعراء من متردم --- أم هل عرفت الدار بعد توهم}

أي هل تركوا من قول يؤلف تأليف الثوب المرقع و الزبرة الجملة المجتمعة من الحديد و الصفر و نحوهما و أصله الاجتماع و منه الزبور و زبرت الكتاب إذا كتبته لأنك جمعت حروفه قال أبو عبيدة: القطر الحديد المذاب و أنشد:

{حسام كلون الملح صاف حديدة --- جراز من أقطار الحديد المنعت}

و أصله من القطر لأن الرصاص و الحديد إذا أذيب قطر كما يقطر الماء و في استطاع ثلاث لغات استطاع يستطيع و اسطاع يسطيع و استاع يستيع بحذف الطاء استثقلوا اجتماعهما و هما من مخرج واحد فأما اسطاع يسطيع بقطع الألف و هو أطاع أفعل فزادوا السين عوضا من ذهاب حركة الواو لأن أصل أطاع أطوع و مثله أهراق يهريق زادوا الهاء في أراق يريق و ليس هذا العوض بلازم أ لا ترى أن ما كان نحوه لم يلزمه هذا العوض.

###

المعنى

« حتى إذا بلغ بين السدين » ثم أخبر سبحانه عن حال ذي القرنين بعد منصرفه عن المشرق أنه سلك طريقا إلى أن بلغ بين السدين و وصل إلى ما بينهما و هما الجبلان اللذان جعل الردم بينهما و هو الحاجز بين يأجوج و مأجوج و من وراءهم عن ابن عباس و قتادة و الضحاك و قيل أراد بالسدين الموضع الذي فيه السدان اليوم لأنه لو كان هناك سد لم يكن لطلبهم السد معنى و السد الموضع المسدود لا المنفتح « وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا » أي خصوا بلغة كادوا لا يعرفون غيرها قال ابن عباس: كادوا لا يفقهون كلام أحد و لا يفهم الناس كلامهم و إنما قال « لا يكادون » لأنهم فهموا بعض الأشياء عنهم و إن كان بعد شدة و لذلك حكى الله عنهم أنهم « قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج و مأجوج مفسدون في الأرض » و يجوز أن يكون الله سبحانه فهم ذا القرنين لسانهم كما فهم سليمان (عليه السلام))

منطق الطير أو قالوا له بترجمان أن يأجوج و مأجوج مفسدون في أرضهم و فسادهم أنهم كانوا يخرجون فيقتلونهم و يأكلون لحومهم و دوابهم و قيل كانوا يخرجون أيام الربيع فلا يدعون شيئا أخضر إلا أكلوه و لا يابسا إلا احتملوه عن الكلبي و قيل أرادوا أنهم سيفسدون في المستقبل عند خروجهم و ورد في الخبر عن حذيفة قال سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن يأجوج و مأجوج فقال يأجوج أمة و مأجوج أمة كل أمة أربعمائة أمة لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كل قد حمل السلاح قلت يا رسول الله صفهم لنا قال هم ثلاثة أصناف صنف منهم أمثال الأرز قلت يا رسول الله و ما الأرز قال شجر بالشام طوال و صنف منهم طولهم و عرضهم سواء و هؤلاء الذين لا يقوم لهم خيل و لا حديد و صنف منهم يفترش إحدى أذنيه و يلتحف بالأخرى و لا يمرون بفيل و لا وحش و لا جمل و لا خنزير إلا أكلوه و من مات منهم أكلوه مقدمتهم بالشام و ساقتهم بخراسان يشربون أنهار المشرق و بحيرة طبرية قال وهب و مقاتل أنهم من ولد يافث بن نوح أبي الترك و قال السدي الترك سرية من يأجوج و مأجوج خرجت تغير فجاء ذو القرنين فضرب السد فبقيت خارجة و قال قتادة إن ذا القرنين بنى السد على إحدى و عشرين قبيلة و بقيت منهم قبيلة دون السد فهم الترك و قال كعب هم نادرة في ولد بني آدم و ذلك أن آدم (عليه السلام) احتلم ذات يوم و امتزجت نطفته بالتراب فخلق الله من ذلك الماء يأجوج و مأجوج فهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم و هذا بعيد و قوله « فهل نجعل لك خرجا » أو خراجا معناه فهل نجعل لك بعضا من أموالنا « على أن تجعل بيننا و بينهم سدا » أي حائطا و قيل في الفرق بين الخرج و الخراج أن الخراج اسم لما يخرج من الأرض و الخرج اسم لما يخرج من المال و قيل الخراج الغلة و الخرج الأجرة و قيل الخراج ما يؤخذ عن الأرض و الخرج ما يؤخذ عن الرقاب قاله أبو عمرو و قيل الخراج ما يؤخذ في كل سنة و الخرج ما يؤخذ دفعة عن تغلب « قال » ذو القرنين « ما مكني فيه ربي خير » أي أعطاني ربي من المال و مكني فيه من الاتساع في الدنيا خير مما عرضتموه علي من الأجر « فأعينوني بقوة » أي برجال فيكون معناه بقوة الأبدان و قيل بعمل تعملونه معي عن الزجاج و قيل بآلة العمل و ذلك زبر الحديد و الصفر « أجعل بينكم و بينهم ردما » أي سدا و حاجزا قال ابن عباس: الردم أشد الحجاب و قيل هو السد المتراكب بعضه على بعض « آتوني زبر الحديد » أي أعطوني قطع الحديد أو جيئوا بقطع الحديد على القراءة الأخرى و في الكلام حذف و هو أنهم أتوه بما طلبه منهم من زبر الحديد ليعمل الردم في وجوه يأجوج و مأجوج فبناه « حتى إذا ساوى بين الصدفين » أي سوى بين جانبي الجبل بما جعل بينهما من الزبر قال الأزهري: يقال لجانبي الجبل صدفان لتصادفهما أي تحاذيهما و تلاقيهما و قيل هما جبلان كل واحد

منهما منعدل عن الآخر كأنه قد صدف عنه و قوله « قال انفخوا » معناه قال ذو القرنين انفخوا النار على الزبر أمرهم أن يؤتى بمنافخ الحدادين فينفخوا في نار الحديد التي أوقدت فيه « حتى إذا جعله نارا » أي حتى إذا جعل الحديد كالنار في منظره من الحمي و اللهب فصار قطعة واحدة لزم بعضها بعضا « قال آتوني أفرغ عليه قطرا » أي أعطوني نحاسا مذابا أو صفرا مذابا أو حديدا مذابا أصبه على السدين الجبلين حتى ينسد الثقب الذي فيه و يصير جدارا مصمتا فكانت حجارته الحديد و طينه النحاس الذائب عن ابن عباس و مجاهد و الضحاك قال قتادة: فهو كالبرد المحبر طريقة سوداء و طريقة حمراء « فما اسطاعوا أن يظهروه » معناه فلما تم لم يستطع يأجوج و مأجوج أن يعلوه و يصعدوه يقال ظهرت السطح إذا علوته « و ما استطاعوا له نقبا » أي و لم يستطيعوا أن ينقبوا أسفله لكثافته و صلابته و نفي بذلك كل عيب يكون في السد و قيل أن هذا السد وراء بحر الروم بين جبلين هناك يلي مؤخرهما البحر المحيط و قيل أنه وراء دربند و خزران من ناحية أرمينية و أذربيجان و قيل أن مقدار ارتفاع السد مائتا ذراع و عرض الحائط نحو من خمسين ذراعا « قال » ذو القرنين « هذا رحمة من ربي » أي هذا السد نعمة من الله لعباده أنعم بها عليهم في دفع شر يأجوج و مأجوج عنهم « فإذا جاء وعد ربي » يعني إذا جاء وقت أشراط الساعة و وقت خروجهم الذي قدره الله تعالى « جعله دكاء » أي جعل السد أرضا مستويا مع الأرض مدكوكا أو ذا دك و إنما يكون ذلك بعد قتل عيسى بن مريم الدجال عن ابن مسعود و جاء في الحديث أنهم يدأبون في حفرة نهارهم حتى إذا أمسوا و كادوا يبصرون شعاع الشمس قالوا نرجع غدا و نفتحه و لا يستثنون فيعودون من الغد و قد استوى كما كان حتى إذا جاء وعد الله قالوا غدا نفتح و نخرج إن شاء الله فيعودون إليه و هو كهيئته حين تركوه بالأمس فيخرقونه و يخرجون على الناس فينشفون المياه و يتحصن الناس في حصونهم منهم فيرمون سهامهم إلى السماء فترجع و فيها كهيئة الدماء فيقولون قد قهرنا أهل الأرض و علونا أهل السماء فيبعث الله عليهم نغفا في أقفائهم فيدخل في آذانهم فيهلكون بها فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): و الذي نفس محمد بيده أن دواب الأرض لتسمن و تسكر من لحومهم سكرا و في تفسير الكلبي أن الخضر و اليسع يجتمعان كل ليلة على ذلك السد يحجبان يأجوج و مأجوج عن الخروج « و كان وعد ربي حقا » أي و كان ما وعد الله بأن يفعله لا بد من كونه فإنه حق إذ لا يجوز أن يخلف وعده.