۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الكهف، آية ٧٢

التفسير يعرض الآيات ٦٥ إلى ٧٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

فَوَجَدَا عَبۡدٗا مِّنۡ عِبَادِنَآ ءَاتَيۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمٗا ٦٥ قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدٗا ٦٦ قَالَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٦٧ وَكَيۡفَ تَصۡبِرُ عَلَىٰ مَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ خُبۡرٗا ٦٨ قَالَ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرٗا وَلَآ أَعۡصِي لَكَ أَمۡرٗا ٦٩ قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعۡتَنِي فَلَا تَسۡـَٔلۡنِي عَن شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ أُحۡدِثَ لَكَ مِنۡهُ ذِكۡرٗا ٧٠ فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَاۖ قَالَ أَخَرَقۡتَهَا لِتُغۡرِقَ أَهۡلَهَا لَقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـًٔا إِمۡرٗا ٧١ قَالَ أَلَمۡ أَقُلۡ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٧٢ قَالَ لَا تُؤَاخِذۡنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرۡهِقۡنِي مِنۡ أَمۡرِي عُسۡرٗا ٧٣ فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَٰمٗا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا زَكِيَّةَۢ بِغَيۡرِ نَفۡسٖ لَّقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـٔٗا نُّكۡرٗا ٧٤ ۞ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٧٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا ءَاتَيْنَهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَ عَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً(65) قَالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُك عَلى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْت رُشداً(66) قَالَ إِنَّك لَن تَستَطِيعَ مَعِىَ صبراً(67) وَ كَيْف تَصبرُ عَلى مَا لَمْ تحِط بِهِ خُبراً(68) قَالَ ستَجِدُنى إِن شاءَ اللَّهُ صابِراً وَ لا أَعْصى لَك أَمْراً(69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنى فَلا تَسئَلْنى عَن شىْ‏ءٍ حَتى أُحْدِث لَك مِنْهُ ذِكْراً(70) فَانطلَقَا حَتى إِذَا رَكِبَا فى السفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَ خَرَقْتهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْت شيْئاً إِمْراً(71) قَالَ أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّك لَن تَستَطِيعَ مَعِىَ صبراً(72) قَالَ لا تُؤَاخِذْنى بِمَا نَسِيت وَ لا تُرْهِقْنى مِنْ أَمْرِى عُسراً(73) فَانطلَقَا حَتى إِذَا لَقِيَا غُلَماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَ قَتَلْت نَفْساً زَكِيَّةَ بِغَيرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْت شيْئاً نُّكْراً(74) قَالَ أَ لَمْ أَقُل لَّك إِنَّك لَن تَستَطِيعَ مَعِىَ صبراً(75)

القراءة

قرأ أبو عمرو و يعقوب رشدا بالفتح و الباقون « رشدا » بضم الراء و سكون الشين و قرأ فلا تسئلني مشددة النون مدني شامي و الباقون خفيفة النون و لم يخالفوا في إثبات الياء فيه وصلا و وقفا لأنها مثبتة في جميع المصاحف و قرأ ليغرق بفتح الياء و الراء أهلها بالرفع كوفي غير عاصم و الباقون « لتغرق » بضم التاء « أهلها » بالنصب و قرأ « زكية » بغير ألف كوفي و شامي

و سهل و الباقون زاكية و قرأ نكرا بضمتين مدني غير إسماعيل و أبو بكر و يعقوب و سهل و ابن ذكوان و الباقون « نكرا » ساكنة الكاف.

الحجة

قال أبو علي الرشد و الرشد لغتان و قد أجرى العرب كل واحد منهما مجرى الآخر فقالوا أسد و أسد و خشب و خشب فجمعوا فعلا على فعل ثم فعلا أيضا على فعل و ذلك قوله و الفلك التي تجري في البحر و في آية أخرى في الفلك المشحون فهذا يدلك على أنهم أجروهما مجرى واحد و من قرأ فلا تسئلني بالتشديد فإنه لما أدخل النون الثقيلة بني الفعل معها على الفتح قال و القراءة بالتاء في « لتغرق » أولى ليكون الفعل مسندا إلى المخاطب كما كان المعطوف عليه كذلك و هو أ خرقتها و هذا يأتي في معنى الياء أيضا لأنهم إذا أغرقهم غرقوا و قوله « نكرا » فعل و هو من أمثلة الصفات قالوا ناقة أجد و مشية سحج فمن خفف ذلك كما يخفف نحو العنق و الطنب و الشغل فالتخفيف فيه مستمر.

اللغة

الأمر الداهية العظيمة قال الشاعر:

{لقد لقي الأقران مني نكرا --- داهية دهياء إدا إمرا}

و هو مأخوذ من الأمر لأنه الفاسد الذي يحتاج أن يؤمر بتركه إلى الصلاح و منه رجل إمر إذا كان ضعيف الرأي لأنه يحتاج أن يؤمر حتى يقوى رأيه و منه أمر القوم أي كثروا و معناه احتاجوا إلى من يأمرهم و ينهاهم و منه الأمر من الأمور أي الشي‏ء الذي من شأنه أن يؤمر فيه.

الإعراب

قوله « رشدا » يجوز أن ينتصب على أنه مفعول له و يكون المعنى هل أتبعك للرشد أو لطلب الرشد على أن تعلمني فيكون « على أن تعلمن » حالا من قوله « أتبعك » و يجوز أن يكون قوله « رشدا » مفعولا به و تقديره أتبعك على أن تعلمني رشدا مما علمته و يكون العلم الذي يتعدى إلى مفعول واحد فيتعدى بتضعيف العين إلى مفعولين و المعنى على أن تعلمني أمرا ذا رشد و علما ذا رشد أو خبرا نصب على المصدر و المعنى لم يخبره خبرا.

المعنى

« فوجدا عبدا من عبادنا » أي صادف موسى و فتاه و أدركا عبدا من عبادنا قائما على الصخرة يصلي و هو الخضر (عليه السلام) و اسمه بليا بن ملكان و إنما سمي خضرا لأنه إذا صلى في مكان أخضر ما حوله و روي مرفوعا أنه قعد على فروة بيضاء فاهتزت تحته خضراء و قيل إنه رآه على طنفسة خضراء فسلم عليه فقال و عليك السلام يا نبي بني إسرائيل فقال له موسى و ما أدراك من أنا و من أخبرك أني نبي قال من دلك علي و اختلف في هذا العبد فقال

بعضهم إنه كان ملكا أمر الله تعالى موسى أن يأخذ عنه ما حمله إياه من علم بواطن الأشياء و قال الأكثرون إنه كان من البشر ثم اختلفوا فقال الجبائي و غيره أنه كان نبيا لأنه لا يجوز أن يتبع النبي من ليس بنبي ليتعلم منه العلم لما في ذلك من الغضاضة على النبي و كان ابن الإخشيد يجوز أن لا يكون نبيا و يكون عبدا صالحا أودعه الله من علم باطن الأمور ما لم يودعه غيره و هذا ليس بالوجه و متى قيل كيف يكون نبي أعلم من موسى في وقته قلنا يجوز أن يكون الخضر خص بعلم ما لا يتعلق بالأداء فاستعلم موسى من جهته ذلك العلم فقط و إن كان موسى أعلم منه في العلوم التي يؤديها من قبل الله تعالى « آتيناه رحمة من عندنا » يعني النبوة و قيل طول الحياة « و علمناه من لدنا علما » أي علما من علم الغيب عن ابن عباس و قال الصادق (عليه السلام) كان عنده علم لم يكتب لموسى (عليه السلام) في الألواح و كان موسى يظن أن جميع الأشياء التي يحتاج إليها في تابوته و أن جميع العلم قد كتب له في الألواح « قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا » أي علما ذا رشد قال قتادة لو كان أحد مكتفيا من العلم لاكتفى نجي الله موسى و لكنه قال « هل أتبعك » الآية عظمه (عليه السلام) بهذا القول غاية التعظيم حيث أضاف العلم إليه و رضي باتباعه و خاطبه بمثل هذا الخطاب و الرشد العلوم الدينية التي ترشد إلى الحق و قيل هو علوم الألطاف الدينية التي تخفى على الناس « قال » العالم « إنك لن تستطيع معي صبرا » أي يثقل عليك الصبر و لا يخف عليك و لم يرد أنه لا يقدر على الصبر و إنما قال ذلك لأن موسى (عليه السلام) كان يأخذ الأمور على ظواهرها و الخضر كان يحكم بما علمه الله من بواطنها فلا يسهل على موسى مشاهدة ذلك ثم قال « و كيف تصبر على ما لم تحط به خبرا » أي كيف تصبر على ما ظاهره عندك منكر و أنت لم تعرف باطنه و لم تعلم حقيقته و الخبر العلم و في هذا دلالة على أنه لم يرد بقوله « لن تستطيع معي صبرا » نفي الاستطاعة للصبر لأنه لو أراد ذلك لكان لا يستطيع الصبر سواء علم أو لم يعلم « قال » موسى « ستجدني إن شاء الله صابرا » أي اصبر على ما أرى منك « و لا أعصي لك أمرا » تأمرني به و لا أخالفك فيه قال الزجاج: و فيما فعله موسى (عليه السلام) و هو من جملة الأنبياء من طلب العلم و الرحلة فيه ما يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم و إن كان قد بلغ نهايته و أنه يجب أن يتواضع لمن هو أعلم منه و إنما قيد (عليه السلام) صبره بمشيئة الله لأنه أخبر به على ظاهر الحال فجوز أن لا يصبر فيما بعد بأن يعجز عنه فقال إن شاء الله ليخرج بذلك من أن يكون كاذبا « قال » الخضر له « فإن اتبعتني » و اقتفيت أثري « فلا تسئلني عن شي‏ء حتى أحدث لك منه ذكرا » أي لا تسألني عن شي‏ء أفعله مما تنكره و لا تعلم باطنه حتى أكون أنا الذي أفسره لك « فانطلقا » يمشيان على شاطى‏ء البحر « حتى إذا ركبا في السفينة خرقها »

و معناه أنهما أرادا أن يعبرا في البحر إلى أرض أخرى فأتيا معبرا فعرف صاحب السفينة الخضر (عليه السلام) فحملهما فلما ركبا في السفينة خرق الخضر (عليه السلام) السفينة أي شقها حتى دخلها الماء و قيل إنه قلع لوحين مما يلي الماء فحشاهما موسى (عليه السلام) بثوبه و « قال » منكرا عليه « أ خرقتها لتغرق أهلها » و لم يقل لنغرق و إن كان في غرقها غرق جميعهم لأنه أشفق على القوم أكثر من إشفاقه على نفسه جريا على عادة الأنبياء ثم قال بعد إنكاره ذلك « لقد جئت شيئا إمرا » أي منكرا عظيما يقال أمر الأمر أمرا إذا كبر و الأمر الاسم منه ف « قال » له الخضر « أ لم أقل » لك « إنك لن تستطيع معي صبرا » أي أ لم أقل حين رغبت في اتباعي إن نفسك لا تطاوعك على الصبر معي فتذكر موسى ما بذل له من الشرط ثم « قال » معتذرا مستقيلا « لا تؤاخذني بما نسيت » أي غفلت من التسليم لك و ترك الإنكار عليك و هو من النسيان الذي هو ضد الذكر و روي عن أبي ابن كعب قال إنه لم ينس و لكنه من معاريض الكلام و قيل بما تركت من وصيتك و عهدك عن ابن عباس و على هذا فيكون من النسيان بمعنى الترك لا بمعنى الغفلة و السهو « و لا ترهقني من أمري عسرا » أي لا تكلفني مشقة تقول أرهقته عسرا إذا كلفته ذاك و المعنى عاملني باليسر و لا تعاملني بالعسر و لا تضيق علي الأمر في صحبتي إياك « فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله » و معناه فخرجا من البحر و انطلقا يمشيان في البر يعني موسى و الخضر و لم يذكر يوشع لأنه كان تابعا لموسى أو كان قد تأخر عنهما و هو الأظهر لاختصاص موسى بالنبوة و اجتماعه مع الخضر (عليه السلام) في البحر فلقيا غلاما يلعب مع الصبيان فذبحه بالسكين عن سعيد بن جبير و كان من أحسن أولئك الغلمان و أصبحهم و قيل صرعه ثم نزع رأسه من جسده و قيل ضربه برجله فقتله و قال الأصم كان شابا بالغا لأن غير البالغ لا يستحق القتل و قد يسمى الرجل غلاما قالت ليلى الأخيلية:

{شفاها من العضال الذي بها --- غلام إذا هز القناة سقاها}

« قال أ قتلت نفسا زكية » أي طاهرة من الذنوب و زكية بريئة من الذنوب و قيل الزاكية التي لم تذنب و الزكية التي أذنبت ثم تابت حكي ذلك عن أبي عمرو بن العلاء و قيل الزكية أشد مبالغة من الزاكية عن تغلب و قيل الزاكية في البدن و الزكية في الدين « بغير نفس » أي بغير قتل نفس يريد القود « لقد جئت شيئا نكرا » أي قطعيا منكرا لا يعرف في شرع و المنكر أشد من الأمر عن قتادة و إنما قال ذلك لأن قلبه صار كالمغلوب عليه حين رأى قتله « قال » العالم « أ لم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا » أعاد هذا القول لتأكيد الأمر عليه و التحقيق لما قاله أولا مع النهي عن العود بمثل سؤاله.