۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الكهف، آية ٦٢

التفسير يعرض الآيات ٦٠ إلى ٦٤

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ لَآ أَبۡرَحُ حَتَّىٰٓ أَبۡلُغَ مَجۡمَعَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ أَوۡ أَمۡضِيَ حُقُبٗا ٦٠ فَلَمَّا بَلَغَا مَجۡمَعَ بَيۡنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ سَرَبٗا ٦١ فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَىٰهُ ءَاتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدۡ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبٗا ٦٢ قَالَ أَرَءَيۡتَ إِذۡ أَوَيۡنَآ إِلَى ٱلصَّخۡرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلۡحُوتَ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيۡطَٰنُ أَنۡ أَذۡكُرَهُۥۚ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ عَجَبٗا ٦٣ قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبۡغِۚ فَٱرۡتَدَّا عَلَىٰٓ ءَاثَارِهِمَا قَصَصٗا ٦٤

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ إِذْ قَالَ مُوسى لِفَتَاتُ لا أَبْرَحُ حَتى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضىَ حُقُباً(60) فَلَمَّا بَلَغَا مجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتخَذَ سبِيلَهُ فى الْبَحْرِ سرَباً(61) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاتُ ءَاتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سفَرِنَا هَذَا نَصباً(62) قَالَ أَ رَءَيْت إِذْ أَوَيْنَا إِلى الصخْرَةِ فَإِنى نَسِيت الحُْوت وَ مَا أَنساتِ‏يهُ إِلا الشيْطنُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَ اتخَذَ سبِيلَهُ فى الْبَحْرِ عجَباً(63) قَالَ ذَلِك مَا كُنَّا نَبْغ فَارْتَدَّا عَلى ءَاثَارِهِمَا قَصصاً(64)

القراءة

قرأ حفص « و ما أنسانيه » بضم الهاء و في الفتح بما عاهد عليه الله بضم الهاء و الباقون بكسر الهاء من غير بلوغ الياء إلا ابن كثير فإنه يثبت الياء في الوصل و قد تقدم القول في وجه ذلك.

اللغة

لا أبرح أي لا أزال و لو كان معناه لا أزول كان محالا لأنه إذا لم يزل من مكانه لم يقطع أرضا قال الشاعر:

{و أبرح ما أدام الله قومي --- رخي البال منتطقا مجيدا}

أي لا أزال و الحقب الدهر و الزمان و جمعه أحقاب قال الزجاج: و الحقب ثمانون سنة و السرب المسلك و المذهب و معناه في اللغة المحفور في الأرض لا نفاذ له و يقال للذاهب في الأرض سارب قال الشاعر:

{أنى سربت و كنت غير سروب --- و تقرب الأحلام غير قريب}

و النصب و الوصب و التعب نظائر و هو الوهن الذي يكون على الكد.

الإعراب

« سربا » منصوب على وجهين أحدهما أن يكون مفعولا ثانيا لاتخذ كما يقال اتخذت طريقي مكان كذا و اتخذت طريقي في السرب و الآخر أن يكون مصدرا يدل عليه اتخذ سبيله في البحر فكأنه قال فسرب الحوت سربا و قوله « أن أذكره » في موضع نصب بدل من الهاء في أنسانيه و المعنى و ما أنساني أن أذكره إلا الشيطان و « عجبا » منصوب على وجهين (أحدهما) أن يكون على قول يوشع اتخذ الحوت سبيله في البحر عجبا (و الآخر) أن يكون قال يوشع و اتخذ سبيله في البحر فأجابه موسى (عليه السلام) فقال عجبا فكأنه قال أعجب

عجبا و « قصصا » وضع موضع الحال تقديره يقصان الأثر قصصا و القصص اتباع الأثر و قال أحد المحققين عجبا في موضع حال تقديره قال ذلك متعجبا و قصصا مصدر لفعل مضمر يدل عليه قوله « فارتدا » على آثارهما فإن معناه فاقتصا الأثر.

النزول

ذكر علي بن إبراهيم في تفسيره قال لما أخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قريشا بخبر أصحاب الكهف قالوا أخبرنا عن العالم الذي أمر الله موسى (عليه السلام) أن يتبعه من هو كيف تبعه و ما قصته فأنزل الله تعالى.

المعنى

« و إذ قال موسى لفتاه » أكثر المفسرين على أنه موسى بن عمران و فتاه يوشع بن نون و سماه فتاه لأنه صحبه و لازمه سفرا و حضرا للتعلم منه و قيل لأنه كان يخدمه و لهذا قال له « آتنا غداءنا » و هو يوشع بن نون بن أفراثيم بن يوسف بن يعقوب و قال محمد بن إسحاق يقول أهل الكتاب إن موسى الذي طلب الخضر هو موسى بن ميشا بن يوسف و كان نبيا في بني إسرائيل قبل موسى بن عمران إلا أن الذي عليه الجمهور أنه موسى بن عمران و لأن إطلاقه يوجب صرفه إلى موسى بن عمران كما أن إطلاق محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ينصرف إلى نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) قال علي بن إبراهيم حدثني محمد بن علي بن بلال قال اختلف يونس و هشام بن إبراهيم في العالم الذي أتاه موسى أيهما كان أعلم و هل يجوز أن يكون على موسى حجة في وقته و هو حجة الله على خلقه فكتبوا إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) يسألونه عن ذلك فكتب في الجواب أتى موسى العالم فأصابه في جزيرة من جزائر البحر فسلم عليه موسى فأنكر السلام إذ كان بأرض ليس بها سلام قال من أنت قال أنا موسى بن عمران قال أنت موسى بن عمران الذي كلمه الله تكليما قال نعم قال فما حاجتك قال جئت لتعلمني مما علمت رشدا قال إني وكلت بأمر لا تطيقه و وكلت بأمر لا أطيقه الخبر بطوله « لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين » معناه لا أزال أمضي و أمشي و لا أسلك طريقا آخر حتى أبلغ ملتقى البحرين بحر فارس و بحر الروم و مما يلي المغرب بحر الروم و مما يلي المشرق بحر فارس عن قتادة و قال محمد بن كعب هو طنجة و روي عنه إفريقية و كان وعد أن يلقى عنده الخضر « أو أمضي حقبا » أي دهرا عن ابن عباس و قيل سبعين سنة عن مجاهد و قيل ثمانين سنة عن عبد الله بن عمر « فلما بلغا مجمع بينهما » أي فلما بلغ الموضع الذي يجتمع فيه رأس البحرين « نسيا حوتهما » أي تركاه و قيل إنه ضل الحوت عنهما حين اتخذ سبيله في البحر سربا فسمي ضلاله عنهما نسيانا منهما له و قيل إنه من النسيان و الناسي له كان أحدهما و هو يوشع، فأضيف النسيان إليهما كما يقال نسي القوم زادهم إذا نسيه متعهد أمرهم و قيل إن النسيان وجد منهما جميعا

فإن يوشع نسي أن يحمل الحوت أو أن يذكر موسى ما قد رأى من أمره و نسي موسى أن يأمره فيه بشي‏ء فصار كل واحد منهما ناسيا لغيره ما نسيه الآخر و قوله « فاتخذ سبيله في البحر سربا » أي فاتخذ الحوت طريقه في البحر مسلكا يذهب فيه و ذلك أن موسى و فتاه تزودا حوتا مملوحا عن ابن عباس و قيل حوتا طريا عن الحسن ثم انطلقا يمشيان على شاطى‏ء البحر حتى انتهيا إلى صخرة على ساحل البحر فأويا إليها و عنده عين ماء تسمى عين الحياة فجلس يوشع بن نون و توضأ من تلك العين فانتضح على الحوت شي‏ء من ذلك الماء فعاش و وثب في الماء و جعل يضرب بذنبه الماء فكان لا يسلك طريقا في البحر إلا صار الماء جامدا فذلك معنى قوله « فاتخذ سبيله في البحر سربا » « فلما جاوزا » ذلك المكان « قال » موسى « لفتاه آتنا غداءنا » قيل إنهما انطلقا بقية يومهما و ليلتهما فلما كان من الغد قال موسى ليوشع آتنا غداءنا أي أعطنا ما نتغدى به و الغداء طعام الغداة و العشاء طعام العشي و الإنسان إلى الغداء أشد حاجة منه إلى العشاء « لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا » أي تعبا و شدة قالوا إن الله تعالى ألقى على موسى الجوع ليتذكر حديث الحوت « قال » له يوشع عند ذلك « أ رأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت » و معناه أن يوشع تذكر قصة الحوت لما دعا موسى بالطعام ليأكل فقال له أ رأيت حين رجعنا إلى الصخرة و نزلنا هناك فإني تركت الحوت و فقدته و قيل نسيته و نسيت حديثه و قيل فيه إضمار أي نسيت أن أذكر لك أمر الحوت ثم اعتذر فقال « و ما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره » و ذلك أنه لو ذكر لموسى (عليه السلام) قصة الحوت عند الصخرة لما جاوزها موسى و لما ناله النصب الذي أشكاه و لم يلق في سفره النصب إلا يومئذ « و اتخذ سبيله في البحر عجبا » أي سبيلا عجبا و هو أن الماء انجاب عنه و بقي كالكوة لم يلتئم و قيل إن كلام يوشع قد انقطع عند قوله « و اتخذ سبيله في البحر » فقال موسى عند ذلك عجبا كيف كان ذاك و قيل إن معناه و اتخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجبا عن ابن عباس و المعنى دخل موسى الكوة على إثر الحوت فإذا هو بالخضر « قال ذلك ما كنا نبغ » قال موسى (عليه السلام) ذلك ما كنا نطلب من العلامة « فارتدا على آثارهما » أي رجعا و عادا عودهما على بدئهما في الطريق الذي جاءا منه يقصان آثارهما « قصصا » أي و يتبعانها و يوشع أمام موسى (عليه السلام) حتى انتهيا إلى مدخل الحوت.

القصة

سعيد بن جبير عن ابن عباس قال أخبرني أبي بن كعب قال خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم قال أنا فعتب الله عليه إذا لم يرد العلم إليه فأوحى الله إليه أن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك قال

###

موسى يا رب فكيف لي به قال تأخذ معك حوتا فتجعله في مكتل ثم انطلق و انطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رءوسهما فناما و اضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر و اتخذ سبيله في البحر سربا و أمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما و ليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال و لم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمر الله تعالى به فقال فتاه « أ رأيت إذ أوينا إلى الصخرة » الآية قال و كان للحوت سربا و لموسى و لفتاه عجبا فقال موسى « ذلك ما كنا نبغ » الآية قال رجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة فوجدا رجلا مسجى بثوب فسلم عليه موسى فقال الخضر و أنى بإرضك السلام قال أنا موسى قال موسى بني إسرائيل قال نعم أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معي صبرا يا موسى إني على علم من علم الله لا تعلمه علمنيه و أنت على علم من علم الله علمك لا أعلمه أنا فقال له موسى ستجدني إن شاء الله صابرا و لا أعصي لك أمرا فقال له الخضر فإن اتبعتني فلا تسئلني عن شي‏ء حتى أحدث لك منه ذكرا فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت سفينة و كلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوه بغير قول فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا و الخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم فقال له موسى قوم قد حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا قال أ لم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت و لا ترهقني من أمري عسرا قال و قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت الأولى من موسى (عليه السلام) نسيانا و قال و جاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال له الخضر ما علمي و علمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر رأسه بيده فأقلعه فقتله فقال له موسى أ قتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال أ لم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا قال و هذه أشد من الأولى قال إن سألتك عن شي‏ء بعدها فلا تصاحبني إلى قوله يريد أن ينقض كان مائلا فقال الخضر (عليه السلام) بيده فأقامه فقال موسى (عليه السلام) قوم قد أتيناهم فلم يطعمونا و لم يضيفونا لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال هذا فراق بيني و بينك فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص علينا من خبرهما قال سعيد بن جبير كان ابن عباس يقرأ و كان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا و كان يقرأ

و أما الغلام فكان كافرا و كان أبواه مؤمنين رواه البخاري و مسلم في الصحيحين و روى أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) أيضا أنه كان يقرأ كل سفينة صالحة غصبا و روي ذلك أيضا عن أبي جعفر قال و هي قراءة أمير المؤمنين (عليه السلام).