قَالَ لَهُ صاحِبُهُ وَ هُوَ يحَاوِرُهُ أَ كَفَرْت بِالَّذِى خَلَقَك مِن تُرَابٍ ثمَّ مِن نُّطفَةٍ ثمَّ سوَّات رَجُلاً(37) لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبى وَ لا أُشرِك بِرَبى أَحَداً(38) وَ لَوْ لا إِذْ دَخَلْت جَنَّتَك قُلْت مَا شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنك مَالاً وَ وَلَداً(39) فَعَسى رَبى أَن يُؤْتِينِ خَيراً مِّن جَنَّتِك وَ يُرْسِلَ عَلَيهَا حُسبَاناً مِّنَ السمَاءِ فَتُصبِحَ صعِيداً زَلَقاً(40) أَوْ يُصبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً فَلَن تَستَطِيعَ لَهُ طلَباً(41) وَ أُحِيط بِثَمَرِهِ فَأَصبَحَ يُقَلِّب كَفَّيْهِ عَلى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَ هِىَ خَاوِيَةٌ عَلى عُرُوشهَا وَ يَقُولُ يَلَيْتَنى لَمْ أُشرِك بِرَبى أَحَداً(42) وَ لَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَ مَا كانَ مُنتَصراً(43) هُنَالِك الْوَلَيَةُ للَّهِ الحَْقِّ هُوَ خَيرٌ ثَوَاباً وَ خَيرٌ عُقْباً(44)
القراءة
قرأ ابن عامر و ابن فليح و البرجمي و يعقوب « لكنا » بإثبات الألف في الوصل و الوقف و قرأ الباقون لكن بحذف الألف في الوصل و قرأ البخاري لورش بالوجهين بالوصل و لا خلاف في إثبات الألف في الوقف إلا قتيبة فإنه قرأ بغير ألف في الوصل و الوقف و في الشواذ قراءة أبي بن كعب و الحسن لكن أنا و قراءة عيسى الثقفي لكن هو الله ربي و قرأ البرجمي عن أبي بكر غورا بضم الغين هاهنا و في الملك و قرأ و لم يكن له فئة بالياء أهل الكوفة غير عاصم و الباقون « و لم تكن » بالتاء و قرأ أبو عمرو « الولاية » بفتح الواو و لله الحق بالرفع و قرأ الكسائي الولاية بكسر الواو و الحق بالرفع و قرأ حمزة و خلف الولاية بكسر الواو و « الحق » بالجر و قرأ الباقون « الولاية » بفتح الواو و « الحق » بالجر و قرأ عاصم و حمزة و خلف « عقبا » ساكنة القاف و الباقون بضم القاف.
الحجة
قال الزجاج من قرأ لكن بتشديد النون فهو لكن أنا في الأصل فطرحت الهمزة على النون فتحركت بالفتح فصارت لكنن بنونين مفتوحين فاجتمع الحرفان من جنس واحد فأدغمت النون الأولى في الثانية و حذفت الألف في الوصل لأن ألف أنا تثبت في الوقف و تحذف في الأصل في أجود اللغات نحو أن قمت بغير الألف و يجوز أنا قمت بإثبات الألف و هو ضعيف جدا و من قرأ « لكنا » فأثبت الألف في الوصل فإنه على لغة من قال أنا قمت فأثبت الألف قال الشاعر:
{أنا شيخ العشيرة فاعرفوني --- حميدا قد تذريت السناما}
إلا أن إثبات الألف في لكنا هو الجيد لأن الهمزة قد حذفت من أنا فصار إثبات الألف عوضا من الهمزة قال أبو علي لا أرى قوله إن إثبات الألف هو الجيد لأنه صار عوضا من الهمزة كما قال لأن هذه الألف تلحق للوقف مثل الهاء في ما هيه و حسابيه و الهاء في مثل هذا الطرف مثل ألف الوصل في ذلك الطرف فكما أن إثبات همزة الوصل في الوصل خطأ كذلك الهاء و الألف في الوصل خطأ فلا يلزم أن يثبت عوض من الهمزة المحذوفة أ لا ترى أن الهمزة في ويلمه قد حذفت حذفا على غير ما يوجبه قياس التخفيف و لا يعوض منها فإن لا يعوض منها في التخفيف القياسي أجدر لأن الهمزة هنا في تقدير الثبات و لو لا ذلك لم يحرك حرف اللين في نحو جيل في جيال و مئونة في مئونة قال و قد تجيء هذه الألف مثبتة في الشعر نحو قول الأعشى:
{فكيف أنا و انتحالي القوافي --- بعد المشيب كفى ذاك عارا}
و قول الآخر:
أنا شيخ العشيرة البيت و لا يكون ذلك مختارا في القراءة و من قرأ « لكنا » في الوصل فإنه يحتمل أمرين (أحدهما) أن يجعل الضمير المتصل مثل المنفصل الذي هو نحن فيدغم النون من لكن لسكونها في النون من علامة الضمير فيكون على هذا « لكنا » بإثبات الألف وصلا و وقفا لا غير أ لا ترى أن أحدا لا يحذف الألف من نحو فعلنا و قوله « هو » من « هو الله ربي » ضمير الحديث و القصة كما أنه في قوله فإذا هي شاخصة و قوله قل هو الله أحد كذلك و التقدير الأمر الله أحد لأن هذا الضمير يدخل على المبتدأ و الخبر فيصير المبتدأ و الخبر موضع خبره كما أنه في أن و كأن و ظننت و ما يدخل على المبتدأ و الخبر كذلك و عاد الضمير على الضمير الذي دخلت عليه لكن على المعنى و لو عاد على اللفظ لكان لكنا
هو الله ربنا و دخلت لكن مخففة على الضمير كما دخلت في قوله إنا معكم و الوجه الآخر أن سيبويه حكى أنه سمع من يقول أعطني أبيضه فشدد و الحق الهاء بالتشديد للوقف و الهاء مثل الألف في سبسبا و الياء في عيهلى و أجرى الهاء مجراهما في الإطلاق كما كانت مثلهما في نحو قوله:
صفية قومي و لا تجزعي
و بكي النساء على حمزة فهذا الذي حكاه سيبويه في الكلام و ليس في شعر و كذلك الآية يكون الألف فيها كالهاء و لا يكون الهاء للوقف أ لا ترى أن الهاء للوقف لا يبين بها المعرب و لا ما ضارع المعرب فعلى أحد هذين الوجهين يكون قول من أثبت الألف في الوصل أو عليهما جميعا و لو كانت فاصلة لكانت مثل فأضلونا السبيلا و أما قراءة أبي لكن أنا فهي الأصل في قراءة الجماعة لكن على ما تقدم بيانه لأن ألف أنا محذوف في الوصل قال الشاعر:
{و ترمينني بالطرف أي أنت مذنب --- و تقلينني لكن إياك لا أقلي}
أي لكن أنا و أنا مرفوع بالابتداء و خبره الجملة المركبة من المبتدأ و الخبر التي هي « هو الله ربي » و العائد على المبتدأ من الجملة الياء في ربي و من قرأ لكن هو الله ربي فإعرابه واضح و أما من قرأ غورا فيمكن أن يكون غورا لغة في غور و إنما جاز أن يقع المصدر موقع الصفة للمبالغة كما قال الشاعر:
{تظل جياده نوحا عليه --- مقلدة أعنتها صفونا}
و أما قوله و لم يكن له فئة بالياء فإن الياء و التاء هنا حسن و أما قوله هنالك الولاية لله الحق فقد حكى أبو عبيدة عن أبي عمرو إن الولاية هنا لحن لأن الكسر في فعالة يجيء فيما كان صنعة و معنى متقلدا كالكتابة و الإمارة و الخلافة و ما أشبه ذلك و ليس هنا معنى تولي أمر إنما هو الولاية من الدين و كذلك التي في الأنفال ما لكم من ولايتهم من شيء و قال بعض أهل اللغة: الولاية النصر يقال هم أهل ولاية عليك أي متناصرون عليك و الولاية ولاية السلطان قال و قد يجوز الفتح في هذه و الكسر في تلك كما قالوا الوكالة و الوكالة و الوصاية و الوصاية بمعنى واحد فعلى هذا يجوز الكسر في الولاية في هذا الموضع و من كسر القاف من « الحق » فجعله من وصف الله تعالى وصفه بالحق و هو مصدر كما وصفه بالعدل و السلام و المعنى ذو الحق و ذو السلام و كذلك الإله معنى ذو العبادة و يدل عليه قوله و يعلمون أن الله هو الحق المبين و من رفع الحق جعله صفة للولاية و معنى وصف الولاية بالحق أنه لا
يشوبها غيره و لا يخاف فيها ما يخاف في سائر الولايات من غير الحق و أما قوله « عقبا » فإن ما كان على فعل جاز تخفيفه على ما تقدم ذكره.
اللغة
أصل الحسبان السهام التي ترمى لتجري في طلق واحد و كان ذلك من رمي الأساورة و أصل الباب الحساب و إنما يقال لما يرمي به حسبان لأنه يكثر كثرة الحساب قال الزجاج: الصعيد الطريق الذي لا نبات فيه و الزلق الأرض الملساء المستوية لا نبات فيها و لا شيء و أصل الزلق ما تزلق عنه الأقدام فلا يثبت عليه.
الإعراب
« ما شاء الله » يحتمل أن يكون ما رفعا و تقديره الأمر ما شاء الله فيكون موصولا و الضمير العائد إليه يكون محذوفا لطول الكلام و يجوز أن يكون التقدير ما شاء الله كائن و يحتمل أن يكون ما في موضع نصب على معنى الشرط و الجزاء و يكون الجواب محذوفا و تقديره أي شيء شاء الله كان و مثله في حذف الجواب قوله فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض « إن ترن أنا أقل » أقل منصوب بأنه مفعول ثان لترن و أنا إن شئت كان توكيدا أو وصفا لياء المتكلم و إن شئت كان فصلا كما تقول كنت أنت القائم يا هذا قاله الزجاج و يجوز رفع أقل و قد قرأ بها عيسى بن عمر فيكون أنا مبتدأ و أقل خبره و الجملة في موضع نصب بأن يكون المفعول الثاني لترني و قوله « فعسى » الفاء جواب قوله « إن ترن » و « ثوابا » و « عقبا » منصوبان على التمييز.
المعنى
ثم بين سبحانه جواب المؤمن للكافر فقال « قال له صاحبه و هو يحاوره » أي يخاطبه و يجيبه مكفرا له بما قاله « أ كفرت بالذي خلقك من تراب » يعني أصل الخلقة أي خلق أباك من تراب و هو آدم (عليه السلام) و قيل لما كانت النطفة خلقها الله سبحانه بمجرى العادة من الغذاء و الغذاء ينبت من تراب جاز أن يقول خلقك من تراب « ثم من نطفة ثم سواك رجلا » أي نقلك من حال إلى حال حتى جعلك بشرا سويا معتدل الخلقة و القامة و إنما كفره بإنكاره المعاد و في هذا دلالة على أن الشك في البعث و النشور كفر « لكنا هو الله ربي » تقديره لكن أنا أقول هو الله ربي و خالقي و رازقي فإن افتخرت علي بدنياك فإن افتخاري بالتوحيد « و لا أشرك بربي أحدا » أي لا أشرك بعبادتي إياه أحدا سواه بل أوجهها إليه وحده خالصا و إنما استحال الشرك في العبادة لأنها لا تستحق إلا بأصول النعم و بالنعمة التي لا يوازنها نعمة منعم و ذلك لا يقدر عليه أحد إلا الله تعالى ثم قال « و لو لا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله » معناه و قال لصاحبه الكافر هلا حين دخلت بستانك فرأيت تلك الثمار و الزرع شكرت الله تعالى و قلت ما شاء الله كان و إني و إن تعبت في جمعه و عمارته
###
فليس ذلك إلا بقدرة الله و تيسيره و لو شاء لحال بيني و بين ذلك و لنزع البركة عنه فإنه لا يقوى أحد على ما في يديه من النعمة إلا بالله و لا يكون له إلا ما شاء الله ثم رجع إلى نفسه فقال « إن ترني أنا أقل منك مالا و ولدا فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك » معناه إن كنت تراني اليوم فقيرا أقل منك مالا و عشيرة و أولادا فلعل الله أن يؤتيني بستانا خيرا من بستانك في الآخرة أو في الدنيا و الآخرة « و يرسل عليها حسبانا من السماء » أي و يرسل على جنتك عذابا أو نارا من السماء فيحرقها عن ابن عباس و قتادة و قيل يرسل عليها عذاب حسبان و ذلك الحسبان حساب ما كسبت يداك عن الزجاج و قيل و يرسل عليها مرامي من عذابه إما بردا و إما حجارة أو غيرهما مما يشاء من أنواع العذاب « فتصبح صعيدا زلقا » أي أرضا مستوية لا نبات عليها تزلق عنها القدم فتصير أضر أرض من بعد أن كانت أنفع أرض « أو يصبح ماؤها غورا » أي غائرا ذاهبا في باطن غامض منقطعا فيكون أعدم أرض للماء بعد أن كانت أوجد أرض للماء « فلن تستطيع له طلبا » أي فلن تقدر على طلبه إذا غار و لا يبقى له أثر تطلبه به فلن تستطيع رده قيل معناه فلن تستطيع طلب غير ذلك الماء بدلا عنه إلى هنا انتهى مناظرة صاحبه و إنذاره ثم قال سبحانه « و أحيط بثمره » معناه أهلك و أحيط العذاب بأشجاره و نخيله فهلكت عن آخرها تقول أحيط ببني فلان إذا هلكوا عن آخرهم و أصل الإحاطة إدارة الحائط على الشيء و في الخبر أن الله عز و جل أرسل عليها نارا فأهلكها و غار ماؤها « فأصبح » هذا الكافر « يقلب كفيه » تأسفا و تحسرا « على ما أنفق فيها » من المال و هو أن يضرب يديه واحدة على الأخرى عن ابن عباس و تقليب الكفين يفعله النادم كثيرا فصار عبارة عن الندم « و هي خاوية على عروشها » أي ساقطة على سقوفها و ما عرش لكرومها و ذلك أن السقف ينهدم أولا ثم ينهدم الحائط على السقف و قيل إن العروش الأبنية و معناه خالية على بيوتها قد ذهب شجرها و بقيت جدرانها لا خير فيها « و يقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا » ندم على الكفر لفناء ماله لا لوجوب الإيمان فلم ينفعه و لو ندم على الكفر فآمن بالله تحقيقا لانتفع به و قيل إنه ندم على ما كان منه من الشرك بالله تعالى و آمن « و لم تكن له فئة ينصرونه من دون الله » أي لم يكن لهذا الكافر جماعة يدفعون عذاب الله عنه و قيل الفئة الجند قال العجاج:
كما يجوز الفئة الكمي « و ما كان منتصرا » أي و ما كان ممتنعا عن قتادة قيل معناه و ما كان مستردا بدل ما ذهب عنه قال ابن عباس و هذان الرجلان هما اللذان ذكرهما الله تعالى في سورة الصافات في قوله « إني كان لي قرين » يقول أ إنك لمن المصدقين إلى قوله « فاطلع فرآه في سواء الجحيم » و روى هشام بن سالم و أبان بن عثمان عن الصادق (عليه السلام) قال عجبت لمن خاف كيف لا يفزع إلى قوله سبحانه « حسبنا الله
و نعم الوكيل » فإني سمعت الله يقول بعقبها « فانقلبوا بنعمة من الله و فضل لهم يمسسهم سوء » و عجبت لمن اغتم كيف لا يفزع إلى قوله « لا إله إلا أنت سبحانك » إني كنت من الظالمين فإني سمعت الله سبحانه يقول بعقبها « فاستجبنا له و نجيناه من الغم و كذلك ننجي المؤمنين » و عجبت لمن مكر به كيف لا يفزع إلى قوله « و أفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد » فإني سمعت الله عز و جل يقول بعقبها فوقاه الله سيئات ما مكروا و عجبت لمن أراد الدنيا و زينتها كيف لا يفزع إلى قوله « ما شاء الله لا قوة إلا بالله » فإني سمعت الله يقول بعقبها « فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من جنتك » و عسى موجبة و قوله « هنالك الولاية لله الحق » أخبر سبحانه إن في ذلك الموضع و في ذلك الوقت الذي يتنازع فيه الكافر و المؤمن الولاية بالنصرة و الإعزاز لله عز و جل فهو الذي يتولى أمر عباده المؤمنين و يملك النصرة لمن أراد و قيل هنالك إشارة إلى يوم القيامة و تقديره الولاية يوم القيامة لله يريد يومئذ يتولون الله و يؤمنون به و يتبرءون مما كانوا يعبدون عن القتيبي و قيل معناه هنالك ينصر المؤمنين و يخذل الكافرين فالولاية يومئذ خالصة له لا يملكها أحد من العباد « هو خير ثوابا » أي هو أفضل ثوابا ممن يرجي ثوابا على تقدير لو كان يثيب غيره لكان هو خير ثوابا « و خير عقبا » أي عاقبة طاعته خير من عاقبة طاعة غيره فهو خير عقب طاعة ثم حذف المضاف إليه و العقب و العقبي و العاقبة بمعنى.