۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الكهف، آية ٢٩

التفسير يعرض الآيات ٢٨ إلى ٢٩

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا ٢٨ وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا ٢٩

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ اصبرْ نَفْسك مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوةِ وَ الْعَشىّ‏ِ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَ لا تَعْدُ عَيْنَاك عَنهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَ اتَّبَعَ هَوَاتُ وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً(28) وَ قُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكمْ فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن وَ مَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظلِمِينَ نَاراً أَحَاط بهِمْ سرَادِقُهَا وَ إِن يَستَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كالْمُهْلِ يَشوِى الْوُجُوهَ بِئْس الشرَاب وَ ساءَت مُرْتَفَقاً(29)

القراءة

قرأ ابن عامر وحده « بالغداوة » و الباقون « بالغداة » و في الشواذ قراءة الحسن و لا تعد عينيك و قراءة عمرو بن فائد من أغفلنا قلبه.

الحجة

قال أبو علي: أما غدوة فهو اسم موضوع للتعريف و إذا كان كذلك فلا ينبغي أن تدخل عليه الألف و اللام كما لا تدخل على سائر الأعلام و إن كانت قد كتبت في المصحف بالواو و لم يدل على ذلك كما أنهم كتبوا الصلوة بالواو و هي ألف و حجة من أدخل اللام المعرفة عليها أنه قد يجوز و إن كانت معرفة أن تتنكر كما حكاه أبو زيد من أنهم يقولون لقيته فينة و الفينة بعد الفينة ففينة مثل غدوة في التعريف بدلالة امتناع الانصراف و قد دخلت عليه لام التعريف و ذلك أن يقدر من أمة كلها له مثل هذا الاسم فيدخل التنكير لذلك و يقوي هذا تثنية الإعلام و جمعها و قوله:

لا هيثم الليلة للمطي و قولهم أما النضرة فلا نضرة لك فأجري مجرى ما يكون شائعا في الجنس و كذلك الغدوة و أما قوله و لا تعد عينيك فإنه منقول من عدت عيناك إذا جاوزتا و هو من قولهم جاء القوم عدا زيدا أي جاوز بعضهم زيدا ثم نقل إلى أعديت عيني عن كذا أي صرفتها عنه قال الشاعر:

{حتى لحقنا بهم تعدي فوارسنا --- كأننا رعن قف يرفع الآلا}

أي تعدي فوارسنا خيلهم عن كذا فحذف المفعول بعد المفعول أو تعديها من عدا الفرس أي جرى و على أن أصلهما واحد لأن الفرس إذا عدا فقد جاوز مكانا إلى غيره و أما من قرأ من أغفلنا قلبه فمعناه و لا تطع من ظننا غافلين عنه و هو من قولهم أغفلت الرجل أي وجدته غافلا قال الأعشى:

{أثوى و قصر ليلة ليزودا --- فمضى و أخلف من قتيلة موعدا}

أي صادفه مخلفا.

اللغة

الفرط التجاوز للحق و الخروج عنه من قولهم أفرط إفراطا إذا أسرف و السرادق الفسطاط المحيط بما فيه و يقال السرادق ثوب يدار حول الفسطاط قال رؤبة:

{يا حكم بن المنذر بن الجارود --- سرادق المجد عليك ممدود}

و المهل خثارة الزيت و قيل هو النحاس الذائب و المرتفق المتكأ من المرفق يقال ارتفق إذا اتكأ على مرفقه قال أبو ذؤيب:

{بات الخلي و بت الليل مرتفقا --- كان عيني فيها الصاب مذبوح}

و يقال إنه مأخوذ من الرفق و المنفعة.

النزول

نزلت الآية الأولى في سلمان و أبي ذر و صهيب و عمار و حباب و غيرهم من

فقراء أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و ذلك أن المؤلفة قلوبهم جاءوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و هم عيينة بن الحصين و الأقرع بن حابس و ذووهم فقالوا يا رسول الله إن جلست في صدر المجلس و نحيت عنا هؤلاء روائح صنانهم و كانت عليهم جبات الصوف جلسنا نحن إليك و أخذنا عنك فلا يمنعنا من الدخول عليك إلا هؤلاء فلما نزلت الآية قام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يلتمسهم فأصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله عز و جل فقال الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي معكم المحيا و معكم الممات.

المعنى

ثم أمر الله سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصبر مع المؤمنين فقال « و اصبر نفسك » يا محمد أي احبس نفسك « مع الذين يدعون ربهم بالغداة و العشي » أي يداومون على الصلاة و الدعاء عند الصباح و المساء لا شغل لهم غيره و يستفتحون يومهم بالدعاء و يختمونه بالدعاء « يريدون وجهه » أي رضوانه و قيل يريدون تعظيمه و القربة إليه دون الرياء و السمعة « و لا تعد عيناك عنهم » أي و لا تتجاوز عيناك عنهم بالنظر إلى غيرهم من أبناء الدنيا « تريد زينة الحياة الدنيا » تريد في موضع الحال أي مريدا مجالسة أهل الشرف و الغنى و كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حريصا على إيمان العظماء من المشركين طمعا في إيمان أتباعهم و لم يمل إلى الدنيا و زينتها قط و لا إلى أهلها و إنما كان يلين في بعض الأحايين للرؤساء طمعا في إيمانهم فعوتب بهذه الآية و أمر بالإقبال على فقراء المؤمنين و أن لا يرفع بصره عنهم مريدا مجالسة الأشراف « و لا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا » قيل في معناه أقوال (أحدها) أن معناه و لا تطع من جعلنا قلبه غافلا عن ذكرنا بتعريضه للغفلة و لهذا قال « و اتبع هواه » و مثله فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم (و ثانيها) أغفلنا قلبه أي نسبنا قلبه إلى الغفلة كما يقال أكفره إذا نسبه إلى الكفر و سماه كافرا كقول الكميت:

{و طائفة قد أكفروني بحبكم --- و طائفة قالوا مسي‏ء و مذنب}

(و ثالثها) أغفلنا قلبه صادفناه غافلا عن ذكرنا كما قالت العرب سألناكم فما أقحمناكم و قاتلناكم فما أجبناكم (و رابعها) أغفلنا قلبه أي جعلناه غفلا لم نسمة بسمة قلوب المؤمنين و لم نعلم فيه علامة المؤمنين لتعرفه الملائكة بتلك السمة تقول العرب أغفل فلان ماشيته إذا لم يسمها بسمة تعرف (و خامسها) أن معناه و لا تطع من تركنا قلبه خذلناه و خلينا بينه و بين الشيطان بتركه أمرنا عن الحسن « و اتبع هواه » أي لا تطع من اتبع هواه في شهواته و أفعاله

« و كان أمره فرطا » أي سرفا و إفراطا عن مقاتل و الجبائي و قيل تجاوزا للحد عن الأخفش و قيل ضياعا و هلاكا عن مجاهد و السدي قال الزجاج و من قدم العجز في أمره أضاعه و أهلكه فيكون المعنى في هذا أنه ترك الإيمان و الاستدلال بآيات الله و اتبع الهوى ثم قال سبحانه « و قل » يا محمد لهؤلاء الذين أمروك بتنحية الفقراء « الحق من ربكم » أي هذا الحق من ربكم يعني القرآن و قيل معناه الذي أتيتكم به الحق عن الزجاج من ربكم يعني لم آتكم به من قبل نفسي و إنما أتيتكم به من قبل الله و قيل معناه ظهرت الحجة و وضح الحق من ربكم و زالت الشبهة « فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر » هذا وعيد من الله سبحانه و إنذار و لذلك عقبه بقوله « إنا أعتدنا » و إنما جاز التهديد بلفظ الأمر لأن المهدد كالمأمور بإهانة نفسه و معناه فليختر كل لنفسه ما شاء فإنهم لا ينفعون الله تعالى بإيمانهم و لا يضرونه بكفرهم و إنما يرجع النفع و الضر إليهم « إنا أعتدنا » أي هيأنا و أعددنا « للظالمين » أي الكافرين الذين ظلموا أنفسهم بعبادة غير الله تعالى « نارا أحاط بهم سرادقها » و السرادق حائط من نار يحيط بهم عن ابن عباس و قيل هو دخان النار و لهبها يصل إليهم قبل وصولهم إليها و هو الذي في قوله إلى ظل ذي ثلاث شعب عن قتادة و قيل أراد أن النار أحاطت بهم من جميع جوانبهم فشبه ذلك في السرادق عن أبي مسلم « و إن يستغيثوا » من شدة العطش و حر النار « يغاثوا بماء كالمهل » و هو كل شي‏ء أذيب كالرصاص و النحاس و الصفر عن ابن مسعود و قيل كعكر الزيت إذا قرب إليه سقطت فروة رأسه روي ذلك مرفوعا و قيل كدردي الزيت عن ابن عباس و قيل هو القيح و الدم عن مجاهد و قيل هو الذي انتهى حره عن سعيد بن جبير و قيل أنه ماء أسود و أن جهنم سوداء و ماؤها أسود و شجرها أسود و أهلها سود عن الضحاك « يشوي الوجوه » أي ينضجها عند دنوه منها و يحرقها و إنما جعل سبحانه ذلك إغاثة لاقترانه بذكر الإغاثة « بئس الشراب » ذلك المهل « و ساءت » النار « مرتفقا » أي متكئا لهم قيل ساءت مجتمعا مأخوذ من المرافقة و هي الاجتماع عن مجاهد و قيل منزلا و مستقرا عن ابن عباس و عطاء.