لماذا نشعر بتقدم الوقت بسرعة أو ببطء؟

في ساعات الانتظار، أو عند سماع محاضرة مملة فإن الوقت يمضي بطيئًا لدرجة قاتلة؛ فالدقيقة تمرُّ وكأنها ساعة، والساعة تبدو دهرا… ويحدث العكس تمامًا عند استمتاعنا بفيلم جيد أو قضاء وقت ممتع مع الأصدقاء فإن الوقت ينقضي سريعًا كالبرق!!

فهل يعني ذلك أن المواقف المملّة تُبطِّئ الوقت، والمواقف السعيدة تُسرّعها؟ التجارب العلمية تبين أن سبب شعورنا بتباطؤ الزمن يعود إلى اعتقادنا في العلاقة بين السبب والمسبب، فإذا كنا قد تسببنا نحن في أمر ما أو اننا نعرف العلاقة ما بين السبب والمسبب، فإن الوقت يتسارع، أما إن كان السبب يتسبب بأمر ما وهو خارج سيطرتنا فإن ذلك يشعرنا ببطء الوقت. يطلق على هذه الظاهرة بإسم “الربط الزمني” Temporal Binding.

أول من اكتشف هذه الظاهرة هو “باترك هاغرد” وزملاؤه في كلية لندن الجامعية، حيث طلبوا من عدد من المتطوعين أن يضغطوا زِرّا يتسبب في إصادر صوت بعد فترة وجيزة. لاحظ المتطوعون قصر الوقت بين عملية ضغط الزر والصوت الناتج، حيث كانوا هم المسؤولون عن ضغط الزر.

التأثير نفسه (الشعور بسرعة مرور الوقت) لم يظهر حينما قام العلماء بتحريك عضلة عن طريق تحفيز الدماغ مما جعل المتطوع يضغط الزر لا إراديا، أو حتى بعد سماع نغمة مختلفة، وقد أشار الباحثون إلى هذه الظاهرة باسم ”الربط الإرادي،” ويعتقدون أن الحركة الإرادية هي التي تربط النشاط بالناتج معًا في الوقت. وبسبب هذا الأمر، كانت الظاهرة تُرى كطريقة جديدة لتقييم مدى تحكم الناس في مواقف معينة دون الحاجة لسؤالهم.

لقد قام الباحثون مؤخرًا بتطبيق الربط الزمني على اختبار ملغرام الشهير، وهو اختبار نفسي يتكون من مشرف ومشارك وممثل. حيث يُجيب الممثل على بعض الأسئلة، فإذا أخطأ يأمر المشرف المشارك بصعق الممثل، بل وزيادة درجة الصعق فيما لو تكرر الخطأ، فيُظهر الممثل انفعالات وكأنه يتألم من الصعق الوهمي (بالطبع المشارك لا يدرك أن الأمر مجرد تمثيل).

Milgram_experiment_v2.svg

طبّق “هاغرد” ذات الاختبار بنفس الخطوات لملاحظة أثر السلوك الإرادي على تصرفات الناس، فطلب منهم تقدير المدة الزمنية بين ضغط الزر والصوت بعدما ضغطوه بإرادتهم، وللمقارنة طلب منهم تقدير المدة حينما يضغط زر الصعق شخص آخر. فوجد الباحثون أن المدة تطول في نظرهم عندما يُجبَر المتطوعون على الصعق، مقارنة بالوقت عندما يضغطون هم الزر بإرادتهم.

استنتج الباحثون أنه عندما يُكره  الشخص على فعل شيء ما، فإنه يفعله لكنه لا يشعر بالمسؤولية الكاملة تجاه ما فعله، عكس ما إذا قام به بمحض إرادته. وهذا يعطينا تفسيرا لتخلي الجنود المتهمين بجرائم حرب عن المسؤولية، وتعليل ما حدث بـ“تنفيذ الأوامر” هكذا بكل بساطة!!

كذلك، فإن الربط الزمني أعطى نتائج مذهلة عند دراسة الحالات الطبية لمرضى “الشيزوفرنيا“، فقد وجد الباحثون أن المصابين بهذا المرض يشعرون بالمسؤولية بشكل مبالغ فيه لكل شيء يفعلونه، وهذا يفسر سبب توهمهم بأنهم مسؤولون عن أشياء لم يفعلوها ولا يمكن لهم فعلها.

بالرغم من أن الربط الزمني تم تبنيه كطريقة لقياس الشعور بالتحكم والمسؤولية، إلا أن “مارك بيوهنير” في جامعة كارديف أظهر أننا نشعر بالربط الزمني عندما نتأمل فعلا يؤدي إلى آخر (سببا يؤدي إلى سبب آخر) حتى وإن لم نكن مسؤولين عنه بشكل مباشر. فعلى سبيل المثال عندما نضغط زرا يحرك جسما آخر وهو بدوره يتسبب في صدور الصوت، فإن تجربتنا عن الوقت يمكن أن تتغير وتتشكل حسب معتقداتنا بالسبب والمؤثر، وذلك حتى لو لم نكن نحن السبب الرئيسي.

الربط طبعا ما زال أعظم عندما يكون الإنسان مسؤولا ولكن على الارجح يعود على أن الفعل والعاقبة ببساطة نوع خاص من السبب والمؤثر.

اقتراح مثير للاهتمام يقول أن الربط يحدث لنا لنتعلم عن العالم؛ فالأحداث والأشياء وترابطها ببعضها، وأفعالنا كذلك تؤثر كلها على العالم المحيط بنا. لذا فقد أجرى الباحثون في بيلفاست وكارديف من جامعة كوين دراسة هذا المقترح على الأطفال وذكروا أن الأطفال يشعرون بالربط بشكل أكبر كطريقة فعالة للتعلم عن العالم لأن فهمهم ليس كبيرًا كالبالغين،  ومن جانب آخر فإن الأطفال لربما يشعرون بالربط بشكل أمثل لأنهم ببساطة غير قادرين على تحديد المعلومات من بيئتهم.

 الربط لربما يكون ــ طوال حياتنا وينعكس كطريقة مبنية وغير قابلة للتغير للتجربة والتعلم عن العالم. مهما يكون الناتج من هذا البحث سيعطينا معلومات فعالة جدًا حول كيفية تعلمنا عن العالم.

المصدر: Science Explorer

عن رغد طالب

طالبة علوم حاسبات في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة. مهتمة بتطوير تطبيقات الجوال والذكاء الاصطناعي وصناعة الأفلام. رئيسة فرع IEEE بجامعة الملك عبدالعزيز

شاهد أيضاً

طيور قادرة على الطيران المتواصل لمدة تقارب السنة!

إلى محبي الطيور، هذا الخبر قد يهمكم! لقد اكتشف باحثون دليلا يفيد بأن طائر “السمامة …

اترك رد