الوعي بالذات

أنت وأنتِ تقفان كل يوم أمام المرآة، وتنظران إلى أنفسكما. ربما ترتبان شعركما، أو تغسلان وجهيكما، أو تريدان أن تتأكدان من مظهركما قبل الخروج. وهذا أمر اعتادي تماما، أليس كذلك؟

أنت تعرف أن ذلك الانعكاس هو انعكاسك أنت. أنت تعلم بذاتك، وتشعر بها، وتعي بوجودك في العالم، وتعي بتفاعلك مع محيطك وتفاعل محيطك معك. أنت واع بذاتك.

للوهلة الأولى، قد تظن أن الوعي بالذات هو صفة ملازمة للإنسان منذ ولادته، لكن في الحقيقة ليس الأمر كما تظن.

قبل أن نشرع في موضوعنا، نتساءل، كيف يُعرّف الباحثون الوعي بالذات؟ هناك عدة تعاريف للوعي، سننتقي أحدها، وهو: “الوعي بالذات هو حالة نفسية يعي الناس من خلالها بصفاتهم ومشاعرهم وتصرفاتهم، أو يمكن تعريف الوعي بالذات كإدراك شخص بنفسه كوحدة مفردة.” [1]

بالرغم من وضوح التعريف السابق، إلا أنه لا يوضح متى يتطور الوعي بالذات عند الإنسان. أجرى لويس وبروكس-غن تجربة مشوقة عام 1979، وقد كانت للكشف عن الوعي بالذات عند الإنسان. حيث قام الباحثان بوضع نقطة حمراء على أنف رضيع أمام مرآة ليرى نفسه. الرضع الذين يميزون أنفسهم في المرآة ستمتد أيديهم إلى أنوفهم بدلا من مدها إلى النقطة التي تظهر في انعكاس صورهم في المرآة، وهذا التفاعل يشير إلى درجة معينة من الوعي بالذات لديهم. اكتشف الباحثان من خلال التجربة أن الأطفال دون عمر السنة الواحدة يتوجهون لمسك النقطة الحمراء من على المرآة.

دلت الدراسة أن 25% من الأطفال ما بين الفئة العمرية 15 و 18 شهرا أمسكوا بالنقطة الحمراء على أنوفهم، وكذلك فإن 70% من الأطفال ما بين 21 و 24 شهرا فعلوا ذلك أيضا، وهذا يدل على أن بداية تكون الوعي عند الأطفال يأتي في سن مبكرة، وإن لم تكن موجودة الأشهر الأولى.

ومن المهم أن نشير إلى أن دراسة لويس و بروكس-غن تتطرق فقط إلى الوعي بالذات بصريا، حيث الباحثون لويس و سوليفان و ستينجر و وايس اقترحوا أن التعبير عن المشاعر يقتضي التفكير في الذات و علاقتها مع الناس. أي عندما يبكي الرضيع المحتاج لشيء، فهو واع بذاته لأنه فكر في ذاته المحتاجة فبكى ليجذب شخصا إليه.

كيف يتطور الوعي بالذات؟ يعتقد الباحثون أن منطقة Anterior Cingulate بالخصوص، وهي الموجودة في الفص الأمامي للمخ تلعب دورا هاما في الوعي. وتشير دراسة لويس و بروكس-غن أن الوعي بالذات يبدأ عند الإنسان عند 18 شهر من العمر، وهذا العمر يتوافق مع نمو سريع للخلايا المغزلية Spindle Cell في منطقة Anterior Cingulate . كذلك فقد وجد الباحثون باستخدام تصوير الدماغ أن هذه المنطقة تنشط عند البالغين الواعين بذاتهم.

ماذا عن الحيوانات؟ هل هي أيضا تعي بذاتها؟ هل الفيلة و الدلافين و القطط و الفئران و السلمون و النمل و النحل يعرفون من هم؟ هل كلبك أو قطتك تشعر بنفسها؟ بماذا تفكر حينما ترى الحيوانات نفسها في المرآة أو في انعكاس صورها في الماء؟ هل تفكر:”ياه هذا أنا!”؟

 

bekoff

البروفيسور مارك بيكوف من جامعة كولورادو في بولدر المختص بسلوك الحيوان يقول في مقالته التي نشرت في مجلة Psychology Today:

 بعد عقود من دراسة الحيوانات من القيوط و الذئب الرمادي إلى الكلاب الداجنة و بطاريق الأديلي Adelie penguins و طيور أخرى، وصلت إلى خلاصة و هي أن الحيوانات ليست واعية بذاتها فقط، بل هناك درجات من الوعي أيضا. بضم دراسات زملائي إلى دراساتي، من المعقول تماما اقتراح أن العديد من الحيوانات لديها حس “لي-خاصتي” و “جسم-خاصتي”. على سبيل المثال، يحس بعض الحيوانات نفس إحساس الإنسان عندما يتعرض إلى عاطفة ويحس “هناك شيء يحصل لهذا الجسم”.

الكثير من الرئيسيات تسترخي عندما يتم تمشيطها، و الكثير من أنواع الحيوانات تبحث عن التمتع وتتحاشى الألم. ليس هناك حاجة لربط “هذا الجسم” بـ “جسمي” أو بـ “أنا”. الكثير من الحيوانات أيضا يعرفون وضع أطرافهم في المحيط من حولهم فيما يتحكرون ويتنقلون، فهم يعرفون أن جسمهم ليس هو جسم فرد آخر. في كتابي Minding animals: Awareness, Emotions, and Heart وأماكن أخرى جادلت بأن حس الـ”جسمانية” body-ness* ضروري و كاف لأغلب الحيوانات لكي يتفاعلوا اجتماعيا. لكن، فيما حس الـ”جسمانية” ضروري للبشر في الكثير من المواقف، إلا أنه ليس كاف ليتفاعلوا كمايجب. البشر يعرفون من هم غالبا عن طريق الاسم ويعرفون أن هذا الجسم جسمهم. هناك حس “الأنا” mine-ness* وهي امتداد للحس “جسمانية”. لذلك فكرتي عن ذات الحيوانات هي أنهم يعرفون أنهم ليسوا فردا آخرا. الكثير من الحيوانات يعرفون أن “هذا الذيل خاص بي” و “هذه منطقتي” و “هذا صديقي”. حسهم الـ “جسمانية” هو حسهم بذاتهم. [2]

ماذا عن اختبار المرآة للحيوانات؟ لقد اختُبرت عدد من الحيوانات أمام المرآة، بوضع صبغة عديمة الرائحة على أجسادها،  ورصدت لمعرفة ما إذا كان الحيوان واع بوجود شيء على جسده. من الحيوانات التي اجتازت اختبار المرآة بنجاح هي: قرود الشمبانزي[3]، وقرود البونوبو، وقرود الأورانغوتان، والدلافين، والفيلة، وطائر الماغباي الأوروبي.

الفيديو التالي يريك كيف يستخدم طائر الماغباي انعكاسه ليزيل العلامة الموضوعة عليه.

 

الغوريلا لم تنجح بمعرفة نفسها في المرآة، بالرغم من أن الغوريلا الشهيرة الملقبة بـ”كوكو” هي الوحيدة التي نجحت. ربما يرجع سبب فشل الغوريلا في هذا الاختبار إلى اعتبار النظر في الوجه والعين علامة على العداء والكراهية.

إذن، يبدو أن الإنسان ليس الكائن الوحيد الواعي بذاته، فالوعي بالذات صفة مشتركة بين العديد من الكائنات الحية، ولكنها تتمايز بدرجة الوعي.

 

(*) استخدم الكاتب حرف الإضافة ness ليحول الصفة أو الضمير إلى اسم

المصادر:

[1]

ريتشارد كريسب هو بروفيسور في علم النفس من جامعة آستن له عدة مؤلفات تخص علم النفس

ريهانون تيرنر هي بروفيسورة في علم النفس من جامعة كوينز في بيلفاست

 

[2] https://www.psychologytoday.com/blog/animal-emotions/200907/do-animals-know-who-they-are

 

[3]

http://www.sciencemag.org/content/167/3914/86

 

 

عن حسين هاني

مهندس ميكانيكا من الكويت بشهادة بكالوريوس علوم من جامعة Portland State University في ولاية Oregon. مجتاز لاختبار الهندسة Fundamentals of Engineering. أشتغل في القطاع النفطي كمهندس صيانة ميكانيكية. مهتم بالهندسة الميكانيكية بشكل خاص و بالعلوم بشكل عام و اكتب و اترجم مقالات و أخبار علمية متفرقة بين الحين و الآخر.

شاهد أيضاً

اكتشاف أقدم أحافير للبشر في المغرب، تعود إلى 300,000 عام الماضي

اكتشف مجموعة من العلماء أحافير بشرية للهومو سيبين تعود إلى ما بين 280,000 إلى 315,00 عام …

تعليق واحد

  1. هل هذا التعريف يقتصر فقط عالحيوانات والإنسان ام ان هنالك وعي بدرجات اقل عند النباتات وكيف يمكن تتبع هذا الارتقاء بالوعي تدريجياً عن طريق التغيرات الكيميائية ؟

اترك رد