الرجل الذي حَسِبَ زوجته قبعة

عندما ترتكب جريمة ما، فإن شدة العقوبة عليك تعتمد على درجة بشاعة الجريمة، وإذا كانت جريمتك بشعة بحق فقد ينتهي بك المطاف إلى السجن؛ حيث تُحبس جسديا في غرفة لتُحرم من حريتك اليومية.

في السجن، أو الحبس الجسدي، لا يمكنك القيام بمعظم الأشياء التي يستطيع الشخص العادي فعلها. فلا تستطيع قيادة سيارة، ولا تستطيع مشاهدة برامجك المفضلة وقتما تريد، ولا تستطيع ممارسة رياضتك المفضلة، قس على هذه الأمثلة الكثير من الأشياء التي لا تستطيع فعلها؛ وذلك لأن جسدك حبيس المكان.

لكن ماذا لو كنت سجينا بدون قضبان؟ حبيسا بدون محبس؟ ماذا لو كنت حرا طليقا بين أهلك وأحبابك، وتمارس حياتك اليومية بدون الوقوع في مشاكل مع القانون، ومع هذا تكون سجينا بسجن بدون قضبان ولا حراس، حبيسا بدون مراقبين، فمخك هو سجنك، وذلك حينما تُعرقَل إحدى مهامه في تفسير الواقع.

في الواقع أنت سجين مخك حتى لو كان مخك بلا إصابات، فهو المسؤول عن استقبال الإشارات (من حواسك) و تفسيرها ليُكوّن لديك صورة عن الواقع، و لكن الخالي من أمراض المخ لا يشتكي من اختلاف واقعه الملموس مع واقع صديقه أو زوجته. أنتِ ترين السيارة سيارة، وكذلك صديقتك ترينها هي، أما أنتَ فترى ممثلا معينا هو نفسه، وكذلك ترى أخوك كما يجب، وترى نفسك في المرآة وتعرف صورتك، وكذلك فإن أبيك لا يختلف عنك، فهو يعرف صورتك أيضا.

لكن الأمر يسوء إذا تعرض مخك لخلل ما، ويرجع  ذلك إلى عدة أسباب منها ورم أو إصابة خارجية تعرض لها الرأس. تعرُّض المخ إلى خلل جزئي يسبب عرقلة في عمل ذاك الجزء وبالتالي عرقلة صاحب المخ في فهم  الواقع المحيط به وتفسيره، فمثلا: قد لا تستطيع التعرف على وجهك في صورة لك! أو قد تحس أنك روح بلا جسد و بالتالي لا تستطيع الجلوس أو المشي، وستسقط بين لحظة و أخرى، أو تكون حبيس ذكريات قديمة تظن أنها الواقع، وتعتقد أنك تعيش في الماضي وكأنه الحاضر، فبالتالي تعيش سجين ما يمليه عليك مخك المضطرب، بل الأسوأ من ذلك عدم درايتك بأنك سجين مخك فتظن أنك تعيش حياة طبيعية كباقي الناس، إلا أنك تعيش سجين مخك مقارنة بسليم المخ.

كل ما سبق وغيره حالات دماغية مرضية حقيقية، بيّنها طبيب الأمراض العصبية “أوليفر ساكس” Oliver Sacks في كتابه “الرجل الذي حَسِبَ زوجته قبعة” The Man Who Mistook His Wife for a Hat”؛ حيث يعرض قصصا حقيقية من خبرته بصفته دكتور أعصاب تعامل مع عدة مرضى خسروا جزءا من حياتهم بسبب تعطل أو خسران جزء من أدمغتهم، كان أحدهم الدكتور “بي” Dr. P. وكعادة الدكتور أوليفر -ولكونه دكتورا محترفا- لا ينشر أسماء مرضاه الحقيقية حفاظا على سرية التعامل، و احتراما لمرضاه وأهلهم، لكن الشخصية نفسها حقيقية وكذلك الزيارات و الحوارات التي كانت تدور بينهم.

والتالي هو كلام الطبيب أوليفر يروي قصة الدكتور بي في كتابه:

لقد كان د. بي موسيقارا مرموقا ومعروفا سنوات طويلة، بدأ مغنيًّا، ثم أصبح معلما في مدرسة الموسيقى المحلية. ظهرت أولى مشاكله مع طلبته. فإذا أتى إليه بعض طلابه لا يستطيع التعرف عليهم، أو أنه لا يتعرف على وجه الطالب بالتحديد. ولكن حينما يبدأ الطالب بالحديث معه يتعرف عليه من خلال صوته. تكررت عليه هذه الحالة فسببت له حرجا، وكان أيضا يتعجب، وأحيانا ينتابه الخوف، وفي بعض المرات يضحك.

لم يفشل الدكتور بي في تحديد الوجوه فقط، بل رآها حيث لا تكون، فمثلا كان يربت على صنبور المياه حاسبا إياه رأس طفل. وكان يتكلم مع النتوءات المكورة على الأثاث وكأنها واعية، فلا ترد عليه، ويتعجب منها لأنها لم ترد.

لم يكن الدكتور بي يشعر بمرضه؛ فقدراته الموسيقية كانت في أفضل حالاتها، واعتقاده بوجود علة في عقله لم يصبح جديًّا إلا بعد ثلاث سنوات بعدما أصابه داء السكري، فعرف عندها أن السكري يمكن أن يؤثر على عينيه فراح يراجع اختصاصي بصريات. بعد الفحص و المراجعة، قال له الاختصاصي: “ليست هناك علة في عينيك. لكن هناك علة بالأجزاء البصرية في مخك. أنت لا تحتاج مساعدتي. يجب عليك مراجعة طبيب أعصاب.” ولذلك حُوِّل الدكتور بي إليَّ أنا.

كان من الواضح -في أول لقاء لي به- أنه لا توجد به أي أعراض للنسيان (Dementia). كان رجلا مطّلعا وساحرا ومتحدثا بطلاقة، وله خيال وحس فكاهيّ. لم أتمكن من فهم سبب تحويله لعيادتنا . ومع هذا كان هناك شيء غريب، عندما كان يحادثني كان يواجهني. الغريب أنه كان يواجهني بأذنه، أو ظننته يواجهني بأذنه ، ليس بعينيه. بدلا من أن تنظر  عيناه إليّ وترتكز علي، كانت لعينيه ارتكازات غريبة… ارتكزت إلى أنفي وأذني اليمنى، وحنكي، وعيني اليمنى، كما لو كانت عيناه تلاحظ تلك المميزات وحدات منفصلة عن بعضها، كما لو لم ير وجها كاملا.

سألته: “ما المشكلة؟”

أجاب بابتسامة: “لا شيء أعرفه. لكن الناس يظنون أن هناك مشكلة في عيني.”

-“لكن، ألا ترى أي مشاكل بصرية؟”

-“لا ليس بشكل مباشر. لكن بعض المرات ارتكب الأخطاء.”

تركت الغرفة فترة قصيرة لأكلم زوجته. وعندما رجعت كان الدكتور بي يجلس بهدوء عند النافذة وهو منتبه يسمع بدلًا من أن ينظر إلى الخارج. قال: “زحام. أصوات الشارع. قطارات بعيدة، يصنعون نوعا من السيمفونية أليس كذلك؟ هل تعرف هونيغر باسيفيك 234؟”

 

ياله من رجل محبوب، كيف يمكن أن يكون معلولا؟ هل سيسمح لي بفحصه؟

-“نعم بالتأكيد يا دكتور ساكس.”

 

قطعت هدوئي وهدوءه أيضا بفحصي العصب الروتيني… قوة العضلات، تنسيقه، ردود الفعل. في خضم فحص جانبه الأيسر، لاحظت أول شيء غريب حقا. خلعت حذاءه الأيسر و حككت راحة قدمه بمفتاح.. اختبار بسيط لكن جوهري لفحص ردود الفعل، ثم تركته ليلبس حذاءه بينما كنت أركب جهازي منظار العين (opthalmoscope). تفاجأت عندما رجعت له بعد دقيقة، إنه لم يلبس حذاءه. سألته: “هل أساعدك؟”

-“تساعد ماذا؟ تساعد من؟”

-“أساعدك لتلبس حذاءك.”

-“آخ! نسيت حذائي.” ثم أضاف بنبرة غنائية هادئة: “الحذاء؟ الحذاء؟” و بدا متعجبا.

كررت: “حذاؤك. ربما تريد لبسه.”

نظر إلى الأسفل بتركيز شديد لكن ليس لحذائه، وأخيرا وقع نظره على قدمه و قال: “هذا حذائي، أليس كذلك؟”

هل أخطأت أنا بالسمع؟ هل أخطأت أنا بالنظر؟

واصل الدكتور بي:” عيناي.” ثم وضعه يده على قدمه. “هذا هو حذائي، لا؟”

-“لا ليس كذلك. هذه قدمك. هذا هو حذاؤك.”

-“آه! ظننته قدمي.”

هل كان يمزح؟ هل هو مجنون؟ هل هو أعمى؟ إذا كان هذا أحد أخطائه الغريبة، فإنه أغرب خطأ مرَّ عليّ. ساعدته ليضع حذاءه (قدمه) لأتخطى أي تعقيدات. الدكتور بي بدا  غير مهتم، وربما مستمتع. رجعت لفحصي، و كانت حدة بصره جيدة فلا مشكلة في تحديد الإبرة على الأرض، لكنه في بعض المرات لا يراها إلا إذا كانت موضوعة على جانبه الأيسر. الدكتور بي كان مبصرا بدون مشاكل، لكن ماذا كان يرى؟

أخرجت له نسخة من مجلة National Geographic Magazine و طلبت منه أن يشرح ما يرى من صور في المجلة. كانت أجوبته تثير الفضول. كان يتفحص الميزات الصغيرة و ينتقل بينهم بسرعة كما فعل مع وجهي. كان يأسره اللون أو المنظر، لكنه فشل في أن يرى الصورة مجملة؛ فشل أن يرى المجمل حيث كان يرى فقط التفاصيل الصغيرة كما لو كان يرى نقاطا صغيرة على شاشة رادار. لم ير الصورة المجملة قط ولم يك عنده حس مشهد أو صورة. أريته صورة الغلاف التي كانت لكثبان رملية في الصحراء الكبرى. سألته: “ماذا ترى هنا؟”

-“أرى نهرا، و بيت ضيوف صغير تطل شرفته على النهر، أناس يتناولون عشاءهم على الشرفة، أرى مظلات هنا وهناك.”

كان يرى أشياء ومميزات غير موجودة، كما لو كان غياب الأشياء في صورة الغلاف جعلته يتخيل تلك الأشياء. كنت مصدوما، لكنه ظن أنه فعل حسنا فدبت على وجهه بداية ابتسامة. أيضا قرر أن الفحص قد انتهى وقام يبحث عن قعبته. مد يده لرأس زوجته وحاول رفعه و وضعه على رأسه. من الواضح أنه خلط بين زوجته و قبعته! بدت زوجته و كأنها معتادة على تلك الأشياء. لم أستطع أن أفهم ما جرى في ضوء علم الأعصاب. إنه طبيعي جدا من جانب و مُدمر لأبعد الحدود من جانب آخر. كيف يمكن أن يخلط بين زوجته وقبعته من جانب، وأن يعمل وما زال يُدرس موسيقى؟ كان يجب علي أن أفكر، أن أراه في بيئته، في منزله.

بعد أيام معدودات  اتصلت بالدكتور بي و زوجته وفي حقيبتي نسخة من دخترليبي (عرفت أنه يحب شومان) وتشكيلة من الجمادات الغريبة لاختبار الإدراك (Perception). أدخلتني السيدة بي شقتهم عالية السقف، والتي كانت مثل أبنية القرن التاسع عشر في برلين. وفي منتصف غرفة المعيشة، كان بيانو بوسندورفر و حوله حوامل مؤلفات موسيقية، وآلات، وتسجيلات. كانت هناك كتب، لكن حياة الدكتور بي تمحورت حول الموسيقى.

جاء الدكتور بي و هو مشوش قليلا، راح يصافح ساعة الجد (ساعة الجد هي ساعة كبيرة تكون بطول شخص بالغ و يكون وجهها و عقاربها في قمتها) حتى سمع صوتي فجاءني وصافح يدي. تبادلنا السلام و التهاني، وتحدثنا قليلا عن الحفلات الموسيقية. سألته  إذا كان يريد أن يغني.

صرخ الدكتور بي بصوت عال: “الدخترليبي! لكنني لا أستطيع قراءة المقطوعات الموسيقية، أنت ستعزف، نعم؟”

قلت إني سأحاول. حتى عزفي على ذاك البيانو القديم بدا جيدا. كان صوت الدكتور بي مشابها لصوت فشر-ديسكاو، جامعا بين أذن وصوت حذقين، وذكاء موسيقي نقي. كان من الواضح سبب استمرار المدرسة الموسيقية في توظيفه، ليس فعلا للخير. الفصوص الصدغية (Temporal Lobes) للدكتور بي كانت سليمة، كان لديه فص موسيقي جميل. تساءلت ماذا كان يحدث في فصه الجداري (Parietal Lobe) و فصه القذالي (Occipital Lobe) خصوصا في مناطق المعاجلة البصرية؟ كانت معي جمادات أفلاطون (Platonic Solids) وقررت أن أبدأ بها. أخرجت أول شكل و سألت: “ما هذا؟”

-“مكعب بالتأكيد.”

أخرجت آخر: “و الآن هذا؟”

طلب أن يتفحص الشكل و فعل كذلك بسهولة و بنظام: “إنه دودكاهيدرون (dodecahedron). لا تتعب نفسك مع الآخرين فسأعرف الآيكوساهيدرون (icosahedron) أيضا.”

الأشكال المجردة لم تشكل عائقا، ماذا عن الوجوه؟ أخرجت حزمة من ورق اللعب. تعرف عليها كلها بما فيها الملك والملكة والولد والجوكر. لكن تلك كانت رسومات مُصطنعة، و كان من المستحيل معرفة إذا كان يرى وجوها أو مجرد أنماط. قررت أن أريه رسومات كرتونية كانت في حقيبتي. مجددا، أبلى الدكتور بي حسنا، تعرف على سيجار تشرشل و الأنف الكبير. حالما يميز ميزة يستطيع التعرف على وجه صاحب تلك الميزة. لكن كورق اللعب، الرسومات الكرتونية تخطيطية ومُصطنعة. كان من غير الواضح كيف سيبلي الدكتور بي مع الوجوه الحقيقية. شغلت التلفزيون بدون صوت، وكان عليه فيلم قديم لبيتي ديفس في مشهد غرامي. الدكتور بي لم يعرف تلك الممثلة، لكن ربما يرجع السبب أنه لم يرها من قبل. العجيب أن الدكتور بي فشل في التعرف على تعابير وجهي الممثلة والممثل من عشق وغرام ودهشة. الدكتور بي لم يفهم شيئا و كان يجهل ما يحدث، ومن كان من، أو أي جنس كانا. تعليقاته على المشهد كانت كما لو جاء الدكتور بي من المريخ.

على حوائط شقته كانت هناك صور معلقة لعائلته وزملائه وتلاميذه وله شخصيًّا. أخذت مجموعة منها وعرضتها عليه. لم يتعرف على أحد كما لم يتعرف على أحد في الفيلم. لم يتعرف على عائلته ولا زملائه ولا نفسه. تعرف على صورة لآينشتاين لأنه لاحظ شعره المميز و شاربه و نفس الشيء حصل مع آخرين. قال: “آخ! بول!” عندما أريته صورة لأخيه.

-“ذاك الفك المربع، تلك الأسنان الكبيرة. أستطيع التعرف عليه في أي مكان.”

هل تعرّف على بول أم على مميزاته التي خمن -بناء عليها- تخمينا قاده إلى أقرب شخص يملك تلك الصفات؟ في غياب العلامات الواضحة كان الدكتور بي تائها. كان هناك خطأ جذري في طريقته، كان يقترب من تلك الوجوه حتى التي يعرفها جيدا، ويتفحصها كما لو كانت أحاجي مجردة أو اختبارات. لا يوجد وجه مألوف لديه.

في طريقي إلى شقته توقفت عند محل بيع زهور، اشتريت لنفسي زهرة حمراء لامعة لتغطي فتحة زر قميصي، فنزعتها وأعطيته إياها. التقطها كما يلتقطها عالم أزهار لا كما يلتقط الزهرة شخص عادي. قال: “طولها تقريبا ستة انشات، و ذات شكل ملتوي، حمراء مع جزء أخضر مستقيم متصل.”

قلت بنبرة تشجيعية: “نعم، ماذا تظنها يا دكتوري بي؟”

بدا متعجبا: “ليس من السهل أن أقول. أعتقد أن هذه يمكن أن تكون رأس وردة أو وردة.”

استفسرت: “هل من الممكن؟”

أكّدَ: “يمكن أن تكون.”

اقترحت: “اشتمها” و كان متعجبا مرة أخرى، وعندما شمها، فجأة عاد للحياة.

صرخ: “جميل! زهرة صغيرة، طيبة الرائحة كالجنة!” ثم بدأ بهمهمة أغنية دي روز دي ليلي.

بدا أنه يتعرف على الحقيقة  بالشم، وليس بالنظر. جربت اختبارا أخيرا، كان اليوم باردا وقد رميت بمعطفي وقفازيّ على الأريكة. أريته قفازي وسألته: “ما هذا؟”

-“هل يمكنني تفحصه؟”

فتفحص القفاز كما تفحص الأشكال الهندسية. “سطح مستمر، ملتو على نفسه، يبدو أن له…” تردد قليلا “خمسة جيوب خارجية، إذا كانت تلك الكلمة صحيحة”

قلت بحذر: “نعم، أعطيتني وصفا. الآن قل لي ما هو؟”

-“حاوية نوعا ما؟”

-“نعم. ماذا يحوي؟”

قال بضحكة: “يحتوي على أشيائه! هناك عدة احتمالات. يمكن أن تكون محفظة على سبيل المثال، لتحوي خمسة أنواع من القطع النقدية. من الممكن…”

قاطعته: “ألا يبدو مألوفا؟ هل تظن أنه ممكن أن يحوي جزءا من جسدك؟”

لم يرتسم أي استنتاج على وجهه لكن لاحقا صرخ: “يا إلهي إنه قفاز!”

لا يوجد طفل يعطي وصف الدكتور بي “سطح مستمر، ملتو على نفسه”. ولو رآى طفل قفازا فسيقول: إنه قفاز؛ لأن شكله متماش مع اليد، لكن الدكتور بي لم يفعل ذلك. لم ير شيئا مألوفا، كان يرى العالم  تشكيلة من الأشكال المجردة. بالفعل لم يكن لديه عالم بصري؛ فليس لديه ذات بصرية.

 طبيب الأعصاب هيولنغز جاكسن (Hughlings Jackson) ناقش المرضى الذين يعانون من كدمات في الفص الأيسر من المخ وقال إنهم فقدوا الفكر التجريدي و الاقتراحي (Abstract and Propositional) وقد قارنهم بالكلاب، أو بالأحرى كان يقارن الكلاب بمرضى الحبسة (Aphasia). أما الدكتور بي من الجانب الآخر، كان يشتغل مخه تماما مثل الكمبيوتر، لم يكن فقط غير مكترث بالعالم بصريا مثل الكمبيوتر، بل كان يبني واقعه كما يبني الكمبيوتر واقعه عن طريق التقاط أشياء مميزة، و بناء علاقات ما بين أشياء مميزة.

الاختبارات التي أجريتها على الدكتور بي لم تعرفني شيئا عن عالمه الداخلي. هل كانت ذاكرتاه البصرية و التخيلية سليمتين؟ طلبت منه أن يتخيل دخول أحد الميادين المحلية من حده الشمالي و يمشيه في ذاكرته أو تخيله، ويقول لي أي المباني سيمر عليها. ذكر لي المباني الموجودة على اليمين فقط و أهمل ذكر المباني الموجودة على يساره. بعدها طلبت منه أن يدخل الميدان من حده الجنوبي، فذكر المباني الموجود على اليمين، نفسها التي أهمل ذكرها عندما دخل من الحد الشمالي.

ماذا عن تصوره الداخلي؟ سألت الدكتور بي عن رواية آنا كارينينا للمؤلف تولستوي المشهور بشخصياته المفعمة بالحياة و الحركة. تذكر الدكتور بي الأحداث بدون صعوبة و كانت لديه معرفة قوية بالحبكة لكنه أهمل الخصائص البصرية تماما و المشاهد. تذكر كلمات الشخصيات لكن لم يتذكر وجوههم. كان من الواضح أن تصور الوجوه و المشاهد مُتعرقل بشدة وبالكاد موجود، بينما تصور طريقة السرد عنده محفوظة وربما متقدمة.

عندما انتهى الفحص مع الدكتور بي، نادتنا السيدة بي إلى الطاولة حيث القهوة و الكيك الصغير. بدأ بأكل الكيك بنهم وهو يغني عن الطعام، وفجأة حدثت مقاطعة، كان هناك صوت دقدقة عند الباب. الدكتور بي توقف عن الأكل و تجمد مكانه، و كانت على وجهه نظرة التعجب المتجمدة، لم يكن يرى الطاولة ولا الكيك. سكبت له زوجته كوبا من القهوة فأرجعت رائحتها الدكتور بي إلى الواقع و عاد للأكل.

سألت نفسي، كيف يفعل أي شيء؟ ماذا يحدث عندما يلبس؟ عندما يذهب للحمام؟ عندما يستحم؟ لحقت زوجته إلى المطبخ و سألتها كيف يرتدي -على سبيل المثال- ملابسه بنفسه ؟ شرحت قائلة: “مثل الأكل بالضبط. أضع ملابسه في الأماكن المعتادة، ثم يلبسها بدون صعوبة وهو يغني لنفسه. يفعل كل شيء و هو يغني لنفسه. لكن إذا قاطعه شيء يفقد تركيزه ويتوقف كليا ناسيا ملابسه أو حتى جسمه. إنه يغني طوال الوقت، يأكل الأغاني، يلبس الأغاني، يستحم بالأغاني، كل شيء. لا يمكن القيام بأي شي إلا إذا حوّله إلى أغنية.”

بينما كانت تتكلم السيدة بي لفتت انتباهي بعض الرسومات على الحائط. قالت:” نعم، كان رساما موهوبا كما كان مغنيا موهوبا. المدرسة تعرض لوحاته كل سنة.”

كانت اللوحات معلقة برتيب التاريخ المرسومة فيه. أعماله الأُوَل كانت طبيعية وواقعية، مفعمة بمزاج واضح وجوٍّ، وذات تفاصيل. الرسومات التالية أصبحت أقل وضوحا و تفصيلا وآلت إلى أشكال مجردة. لم أفهم آخر لوحة، فقد كانت مجرد خطوط عبثية ونقاط، وعلقت عليها للسيدة بي فقالت: “آخ! أيها الأطباء كم أنتم ضد الثقافة و الفن. ألا ترى تطورا فنيًّا، فقد تبرأ من الواقعية في أعماله الأُوَل و اتجه إلى التجريد؟”

قلت: “لا ليس هذا.” لكن قلت هذا لنفسي و ليس للسيدة بي الفقيرة. الدكتور بي بالفعل اتجه من الواقعية إلى التجريدية، لكن هذه الحالة لم تكن فنية، بل كانت تقدم المرض و هي خسران ودمار كل قوى التمثيل والتصوير والواقعية. حائط اللوحات هذا كان معرضا يعبر عن تقدم المرض، مكانه علم الأعصاب وليس معرضا للفن. مع هذا تساءلت في نفسي، ألم تكن على صواب جزئيا؟ لأن هناك صراع دائما، و بعض المرات إثارة للاهتمام، هناك تواطؤ بين قوى المرض والإبداع. وفي مرحلة رسوماته المكعبية، ربما هناك تطور مَرَضي وفني اندمجا لينتجا شكلا أصيلا من الفن؛ لأنه خسر الحقيقة واكتسب المجرد، مما جعله حساسا تجاه الخطوط والحدود، كما لو كان ينظر للوحة مثلما فعل بيكاسو، لكن في اللوحات الأخيرة خفت أن تكون هناك -فقط- فوضى وانعدام القدرة على التعرف على الأشياء.

عدنا إلى غرفة الموسيقى حيث بوسندورفر في منتصفها والدكتور بي كان يهمهم بالموسيقى.

سألني: “حسنًا أيها الطبيب ساكس، لقد وجدتني في حالة مثيرة كما أتفهم. هل تستطيع أن تقول لي ما مشكلتي؟ أن تعطي أي توصيات”

-“لا أستطيع أن أقول لك ما وجدته عليل، لكني أستطيع أن أقول لك ما وجدته صحيح. أنت موسيقار رائع والموسيقى حياتك. ما سأوصي به لحالتك هو حياة تتكون كلها من الموسيقى. الموسيقى كانت وما زالت المحور، اجعلها كل شيء في حياتك.”

هذا كان قبل أربع سنوات، لم أره مجددا، لكني أتساءل بين حين وآخر كيف كان يفهم العالم في ظل خسارته للتصور وصونه الكامل للموسيقى. أظن أن الموسيقى حلت محل الصورة. لم يكن لديه صورة جسمية، بل صورة موسيقية؛ لهذا كان يستطيع التحرك بسلاسة كما فعل، لكنه يقف إذا توقفت موسيقاه الداخلية. وكما عرفت من زوجته لاحقا، أنه لم يكن يستطيع التعرف على تلاميذه إذا جلسوا ساكنين، فإذا تحرك أحدهم يمكنه أن يتعرف عليه من حركاته صارخا: “هذا كارل! أعرف تحركاته، موسيقى جسده.” و هذه الحالة استمرت للنهاية. بالرغم من تقدم مرضه (ورم كبير أو انتكاسة في مناطق المعاجلة البصرية في مخه)، الدكتور بي عاش ودرَّس الموسيقى حتى آخر أيام حياته.

عن حسين هاني

مهندس ميكانيكا من الكويت بشهادة بكالوريوس علوم من جامعة Portland State University في ولاية Oregon. مجتاز لاختبار الهندسة Fundamentals of Engineering. أشتغل في القطاع النفطي كمهندس صيانة ميكانيكية. مهتم بالهندسة الميكانيكية بشكل خاص و بالعلوم بشكل عام و اكتب و اترجم مقالات و أخبار علمية متفرقة بين الحين و الآخر.

شاهد أيضاً

طيور قادرة على الطيران المتواصل لمدة تقارب السنة!

إلى محبي الطيور، هذا الخبر قد يهمكم! لقد اكتشف باحثون دليلا يفيد بأن طائر “السمامة …

اترك رد