الأدوية والأجهزة التي ترفع من ذكائك

لا أخفيكم أنني بحثت عن حبة طبية تجعلني أكثر ذكاء، وقد توجهت لعدة صيدليات أبحث عن حبة معينة تزيد من التركيز على هدف معين حتى بلوغه، وبزيادة التركيز وصفاء الذهن كنت سأرفع قدرتي على تلقي المعلومات وذكائي العام، بل أنني كنت سأعمل دائرة كهربائية بسيطة توضع على الرأس لزيادة صفاء ذهني، كما جاء في الأخبار الكثيرة من على الإنترنت، ولكني لم أوفق للحصول على الحبة الدوائية لكونها ممنوعة، ولا هي تُعطى إلا للحالات المرضية، ولم أصنع الدائرة الكهربائية إلى الآن، ليس لأنني لا أعرف كيف أصنعها، ولكني متردد في وضعها على رأسي من غير وجود طبيب يضمن تركيبها في المكان الصحيح.

قبل أن أبدأ في شرح تفاصيل الموضوع، أود أن أقول أنني لا أنصح بالتوجه لهذه الأدوية لتقوية الذكاء، وإن كان العديد من الطلاب يستخدمونها في الولايات المتحدة، فهي بالدرجة الأولى مخصصة لبعض أنواع الأمراض، وإن اتضح أنها تساعد في تقوية الذهن والتركيز والذكاء، إلا أنه لا يُعلم نتائجها البعيدة المدى، ولا أنصح أبدا أن يأخذها أحد من غير استشارة طبيب، وأن تكون لديه أعراض مرضية تجعله يأخذ هذه الأدوية.

وكذلك بالنسبة للدائرة الكهربائية، فصناعتها بسيطة جدا، أي شخص لديه خلفية بسيطة في صناعة الدوائر الإلكترونية سيتمكن من صناعتها بسهولة، ولكن ما لم تكن هناك ضوابط في صناعة الجهاز ووضعه على الرأس من مختص في المخ، لا أنصح أبدا بصناعتها وتجريبها منزليا.

أيضا، هناك أمور طبيعية يمكنك تطبيقها في حياتك اليومية لتحسين من وظائف المخ، كلها لا تحتاج إلى حبة دوائية لتفعيلها، منها المشي 40 دقيقة كل ثلاثة أيام من الأسبوع، وكذلك بعض أنواع الرياضات الذهنية، وهذه موجودة على النت، تستطيع أن تبحث عنها، قد أكتب عنها مقالة في المستقبل. أما حاليا فالمقالة عن الدواء والجهاز.

منذ زمن وأنا أبحث عن طرق لطوير ذكائي (من منا لا يحب ذلك)، وجدت العديد من المواقع التي تتحدث عن تطويره باستخدام الألغاز والألعاب والتمارين المختلفة، ولكن بين الحين والآخر أجد مقالات تغرد خارج السرب السيكولوجي، بدلا من أن تطور من ذكائك برياضات طويلة ومزعجة، هذه المواقع تَعِد بأن هناك أدوية تطور من قدراتك الذهنية بحبة أو بمجموعة من الحبوب بسرعة.

بحثت في الموضوع، وإذا بي أجد العديد من المواقع التي تتحدث عن تلك الحبوب، ووجدت أيضا الكثير من اللقطات عن شباب تعاطوها، وكذلك عن تأثيرها على المتعاطي، كل هذه اللقطات تدعي – وبلا أدنى شك – أن هذه الحبوب ترفع من مستوى التركيز إلى درجة أن الشخص لا يرى إلا ما يعمل عليه، فإن بدأ بكتابة تقرير ما، أو بصناعة شيء ما، سيبقى على العمل عليها حتى ينتهي منها، فيبقى ساعات متواصلة، غير مدرك للوقت، ولا الأصدقاء، ولا حتى لنفسه، حتى يكمل التقرير أو ينتهي من الصناعة.

بعض أسماء الحبوب التي مررت عليها هي: Ritalin، أو Modafinil أو Donepezil، هذه كلها ليست لزيادة الذكاء بالخصوص من الناحية الطبية، بل هي أدوية لعلاج أمراض مثل قصور الانتباه وفرط الحركة، أو لعلاج مرض التغفيق (Narcolepsy)، وهو المرض الذي يجعل المصاب به يغفو فجأة وفي أي لحظة، ولكن تأثيرها على الشخص الطبيعي يتعدى حدود علاج الشخص المريض.

بعض الطلاب – كما بيت بعض الدراسات – يتعاطون Modafinil ـ  (1 من 5 طلاب يتعاطاها بحسب The Guardian)، ومن خلال التجارب الشخصية (غير العلمية ولا المضبطة) اكتشف أولئك أن حبة Modafinil تزيد من قدرة الشخص على تعلم اللغات بقدر 30%، أو أنها تقوي من الذاكرة وتحسن من الأداء (بالنسبة للذاكرة فإنها تحسن الذاكرة المؤقتة بقدر 10%)، وتساهم في تحفيز الشخص على العمل والتركيز الشديد لساعات وساعات متواصلة، وخصوصا إن كانت تلك الأعمال مملة في الوضع الطبيعي ومن غير أخذ الحبة.

تخيل أنك تحتاج لأن تنجز مهمة ما، وهذه المهمة مملة مثل الدراسة أو القراءة أو ما أشبه، ولديك اختبار في الأيام المقبلة، ولكن الإنترنت واللعب على الكمبيوتر كان أكثر جذبا لك، مثل هذه الحبة ستجعلك تركز على الدراسة، وتنهي رغبتك في اللعب وتضييع الوقت.

كذلك فإن الحبة تساهم في إفاقة الشخص لفترة طويلة من دون أن تشعره بالحاجة إلى النوم، قد يكون أقرب وصف لهذا الشعور بالنشاط والتركيز والتحفيز والإفاقة هو شرب القهوة بكثرة، ولكن بلا ارتجاف من الجسم أو شعور بالهيجان.

الشخص الذي ستراه في اللقطة التالية جربها، حتى يريك تأثيرها عليه، أفاق من النوم الساعة الثالثة صباحا، وانتظر إلى منتصف النهار حتى أصبح مجهدا جدا، شاهد كيف تحول من التعب إلى النشاط، ثم ركز على عمله بعد أخذ الحبة، وفقد كل وعيه بما حوله وحتى من أصدقائه.

لن أخوض في بقية الأدوية، لأنني لم أقرأ عنها بما فيها الكفاية، أغلب ما قرأته كان عن حبة Modafinil.

الآن نأتي للدائرة الكهربائية، إنها دائرة كهربائية بسيطة جدا، تلقب هذه الأنواع من الأجهزة الكهربائية التي تحفز المخ بـ “التحفيز بالتيار المستمر عبر الجمجمة” Transcranial direct-current stimulation، تُنشأ هذه الدائرة كما هو موضح في الرسمة التالية، وتوضع على الرأس بحيث تكون على نقاط محددة، ثم تُشغل، فيمر التيار الكهربائي المستمر الضئيل جدا عبر الجمجمة وإلى داخل المخ، من طرف الموصل إلى الآخر، وتُستخدم لمدة 20 دقيقة متواصلة فقط.

tDCS

ما يحدث بحسب وصف الذين استخدموا هذا الجهاز أنه بمجرد تشغيل الجهاز يتحول التفكير إلى صفاء مطلق، وتتوقف جميع الأفكار من الضخ، ويركز الشخص على المهمة المطلوبة بلا أي تشويش، ليصبح قادرا على تلقي المعلومة بوضوح شديد. وبذلك يتعلم الشخص المعلومة أسرع من الطبيعي. وقد بينت التجارب التي أجريت على طيارين ذلك الشيء. وتُبين الدراسات أيضا أن المخ يبقى متأهبا بقدر 2.5 مرة أكثر من الطبيعي، حتى بعد عشرون دقيقة من التحفيز باستخدام الكهرباء يبقى المخ في حالة نشاطه لمدة 50 دقيقة. وكذلك فإن الدراسات تبين أن التحفيز بواسطة هذه الطريقة يقوي الإشارات في المخ، ويحفز الخلايا لتكوين روابط تبقى مع الشخص بعد ذلك.

نعود مرة أخرى للتأكيد على أن هذه المقالة ليس لدفعك للتوجه للحبوب ولا لصنع جهاز إلكتروني لتقوية ذكائك، إنما هي لتوعيتك لما هو مستخدم في الساحة، قد تكون هناك دراسات علمية تثبت تأثير هذه الأشياء على مستوى الانتباه والذاكرة والتركيز والتعلم، ولكن هناك أيضا أعراض جانبية يجب أخذ الحذر منها، وكذلك فإن الشخص الذي يستخدم مثل هذه الأمور يجب أن يحذر من وجود مخاطر في استخدامها من غير إرشادات المختص.

 

عن محمد قاسم

د. محمد قاسم هو أستاذ مساعد في كلية الدراسات التكنولوجية في الكويت، يحاضر في قسم الهندسة الإلكترونية، يعد ويقدم السايوير بودكاست (برنامج علمي تكنولوجي صوتي)، وكذلك يكتب في موقع الجزيرة (علوم)، ويشجع ويحث على العلم بشغف كبير.

شاهد أيضاً

العلماء يُطورون علاجا جديدا للغضاريف المُتضررة

يعاني الكثيرون من تضرر الغضاريف المفصلية في أجسامهم من جراء التعرض لبعض الإصابات والحوادث. الغضروف …

اترك رد